هل يستطيع الجمال أن يحد من قسوة العالم، ويعيد للإنسان توازنه وسط الحروب والصراعات والتحولات المتسارعة؟ سؤال بدا فلسفيا في ظاهره، لكنه قاد نقاشا إلى قضايا تمس الحياة اليومية، من احترام الآخر والعيش المشترك إلى حماية الطبيعة وتحرير النفس من الأنانية.
في حديقة جنان السبيل التاريخية بفاس، اجتمعت شخصيات تنتمي إلى حقول فكرية وعلمية وفنية وروحية مختلفة، الثلاثاء، ضمن مائدة مستديرة في الدورة الثامنة عشرة من مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم، لمحاولة تفكيك سؤال «هل بإمكان الجمال إنقاذ العالم؟»، واستكشاف ما يمكن أن يمنحه الجمال للإنسان في زمن تتسارع فيه التحولات، بما فيها التطورات المتلاحقة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وبين من رأى في الجمال طريقا إلى إنقاذ الروح، ومن اعتبره مسؤولية أخلاقية تفرض احترام الآخر والتوازن مع المحيط، تقاطعت المداخلات حول فكرة أساسية: لا يكفي أن يكون الجمال موضوعا للتأمل أو تجربة فنية، بل ينبغي أن يتحول إلى قيمة تؤثر في سلوك الإنسان وعلاقته بالعالم.
من إنقاذ العالم إلى تحرير النفس
بالنسبة إلى ريم الغراري، الباحثة المتخصصة في العلوم والكاتبة والصيدلانية، فإن الجواب عن السؤال واضح: «نعم، يمكن للجمال أن ينقذ العالم». غير أن هذا الإنقاذ، في تصورها، يتجاوز العالم بمعناه الضيق ليشمل الكون والإنسانية، في ظل التغيرات المناخية والنزاعات والحروب التي تطبع مناطق عديدة من العالم.
وتعتبر الغراري أن الطريق إلى هذا الهدف يبدأ من الداخل، عبر تحرير النفس من الأنانية، مستحضرة نموذج المجتمع الإسلامي الذي أسسه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والقائم على التوازن وحب الآخر والترفع عن الأهواء الذاتية.
كما ربطت مفهوم الجمال بالتأمل في الكون وعظمة الخلق، معتبرة أن ما يحيط بالإنسان من كائنات وفضاءات يحمل دعوة إلى إعادة النظر في علاقته بالطبيعة وبالآخرين. ومن هذا المنطلق، يصبح الجمال مسؤولية فردية، لا مجرد إحساس عابر أو إعجاب بمشهد جميل.
ومن زاوية أخرى، شدد الباحث والطبيب جون بوكيو على أن الجمال ليس قيمة بعيدة أو حكرا على الأعمال الفنية، بل يوجد في التفاصيل المحيطة بالإنسان، إذا امتلك القدرة على ملاحظتها وتقديرها.
واستحضر في هذا السياق حديقة جنان السبيل، بوصفها فضاء تاريخيا يجسد معاني الجمال والمودة والحوار والتعايش، وظل مفتوحا أمام الناس، بما يحمله ذلك من دلالة على قدرة الفضاءات المشتركة على تقريب المسافات بين الأفراد.
ويمتد هذا الجمال، بحسب بوكيو، إلى حركات الأطفال وضحكاتهم، وإلى لحظات الحنان التي تجمع الأمهات بأطفالهن. إنها صور بسيطة، لكنها تكشف أن الجمال حاضر في الحياة اليومية، حتى عندما تختلف الظروف وتتعدد مصادر القلق.
الحب والجمال طريق إلى الروح
أما مريم السبتي، الباحثة الجامعية المتخصصة في الميتافيزيقا، فاختارت مقاربة السؤال من مدخل فلسفي، مستحضرة تصورات الجمال لدى أفلاطون وأرسطو، إلى جانب إسهامات مفكرين عرب، من بينهم ابن سينا وابن عربي ولسان الدين ابن الخطيب، من خلال كتاباتهم الفكرية وأشعارهم.
وخلصت إلى أن الجمال والحب يرتبطان ارتباطا وثيقا، ويشكلان وجهين لتجربة واحدة، معتبرة أن الجمال يتيح للإنسان تجاوز حدود الذات والانفتاح على أفق روحي أرحب.
لكن هذه القدرة، وفق تصورها، ليست تلقائية؛ إذ يتعين تغذية الجمال ورعايته حتى يؤدي دوره في الارتقاء بالإنسان، ومنحه إمكانات جديدة لفهم ذاته والعالم المحيط به.
من جهتها، ربطت الفاعلة الاجتماعية فطومة الجراري بن عبد النبي الجواب عن السؤال بوجود المهرجان نفسه، باعتباره تعبيرا عن الجمال، لكنها دعت، في المقابل، إلى تحديد المقصود بهذا المفهوم، وما يحمله من دلالات تتجاوز المظهر والشكل.
وأبرزت أن البحث عن الجمال يقود إلى التفكير في قيم العيش المشترك، وفي الانسجام بين مختلف عناصر الكون والكائنات، التي تتكامل لتشكل صورة أوسع عن هذا الجمال.
غير أن هذه القيمة، كما شددت، تقترن بمسؤولية تتجلى في الحفاظ على التوازن، واحترام الآخر، واعتماد الحوار سبيلا للتواصل. وهكذا، يتحول الجمال من تجربة شخصية إلى سلوك اجتماعي، تتحدد قيمته بقدر ما يسهم في بناء علاقات أكثر إنسانية.
الشعر والتجربة الروحية في مواجهة المحنة
وتندرج هذه المائدة ضمن سلسلة من اللقاءات الفكرية التي تنظمها الدورة الثامنة عشرة من مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم، والتي تفتح النقاش حول أسئلة تتصل بالجمال والشفاء والتجربة الروحية، من خلال محاور تشمل «مثنوي الرومي: رحلة في طلب الشفاء»، و«تجليات الابتلاء في النصوص الصوفية الكبرى»، و«الشعر والشفاء: المقاربة العلاجية لدى سامي علي».
وفي نهاية المطاف، لا يقدم سؤال الجمال جوابا نهائيا عن أزمات العالم، بقدر ما يفتح نافذة للتفكير في سبل مواجهتها. فالجمال، كما عكسته المداخلات، قد لا يوقف الحروب بمفرده أو يحل مشكلات البشرية، لكنه يستطيع أن يغذي قيم التعاطف والحوار واحترام الحياة، وهي قيم يصعب تصور عالم أكثر إنسانية من دونها.
محمد الزغاري