جذبت أصوات والإيقاعات التراثية الصوفية ل مجموعة "احمادشة"، جمهور "مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم" في اليوم الثالث من برمجته الفنية، للسفر في تجربة فريدة واستثنائية، من الصفاء والمحبة الروحية والتقرب من الخالق، جل جلاله.
حديقة "جنان السبيل"، هذا الإرث التاريخي الذي أحدث في القرن ال 18 على يد السلطان مولاي عبد الله، كانت حاضرة بصفائها وبهائها لاحتضان هذا الحفل الفني التراثي عشية يوم الإثنين 19 أكتوبر، فلم تمنع ظروف وأحوال الطقس المتغيرة جمهور المهرجان من جنسيات مختلفة، لتوثيق هذه لحظات خالدة نقلتهم من عالم الماديات إلى عالم تطفو وتحضر فيه الروح بقوة، لتتغذى بمدح الرسول الكريم، وتدعو الناس إلى الحوار والتعايش والمودة ونبذ كل أشكال العنف.
رحلة البحث عن الشفاء
هذا العرض الفني التراثي الذي صممه ويشرف على إدارته عبد الرحيم العمراني، مقدم الطائفة الحمدوشية بفاس، يلقي الضوء على إرث حي ينقل من جيل إلى جيل، إذ تترافق قوة الإيقاعات وتكرار الأدعية وحركة الأجساد تدريجيا مع تصاعد التجربة الداخلية، حتى الوصول إلى حالات الوجد، وهي شكل من أشكال النشوة الروحية المنغرسة في صلب بعض الممارسات الطقسية بين الذاكرة، والنقل، والحضور.
ويكشف هذا العرض الذي دام حوالي ساعتين من السفر الروحي، عن قوة تقليد تتشابك فيه الموسيقى والروحانية، ومن خلاله تصبح رحلة البحث عن الشفاء مسارا للارتباط والسكينة والوحدة.
كما شكل هذا العرض غوصا في عالم الروحانيات والموسيقى لدى مجموعة "احمادشة" التي لازالت تحافظ على تواجدها واستمرارها من جيل لآخر بالعاصمة الروحية، من خلال الأغاني والابتهالات والإيقاعات والحضرة.
وأتاح حفل مجموعة "احمادشة"، وهي طريقة صوفية مغربية تراثية تعود إلى "سيدي علي بن حمدوش" للجمهور، فرصة اكتشاف تقليد عريق حيث يلتقي الجسد والموسيقى والحماس الروحي في تجربة جماعية عميقة.
طقوس وليالي السماع الصوفي
وعلى امتداد أسبوع كامل من هذه التظاهرة السنوية، تمنح طقوس "احمادشة" وكذلك وليالي السماع لدى الطرق "القادرية" البوتشيشية" و"الشرقاوية" والوزانية" و"الريسونية" و"الصقلية" الجمهور، فرصة الاقتراب من تنوع الموروث الصوفي المغربي وحيوية انتقاله بين الأجيال.
ففي هذه المجالس الروحانية من الذكر والمديح، يتجلى السماع فنا للإنصات، ويغدو الذكر تجربة يشترك فيها الصوت والقلب والجماعة.
وتمنح فاس هذه الرؤيا جذورها الحية، بهذه المدينة اقترن العلم بالتربية الروحية، وتجاورت فيها المدارس والزوايا ومجالس الذكر، وظل الجمال جزءا من تهذيب النفس وحسن الصلة بالناس.
هذا الإرث الحضاري والتراثي المتنوع، يستحضره المهرجان بوصفه معينا متجددا يساعد على فهم الحاضر، وعلى التفكير فيما ينبغي توريثه للأجيال المقبلة.
يذكر على أن البرمجة الفنية والفكرية لليوم الثالث من المهرجان، المنظم من طرف "جمعية مهرجان فاس للثقافة الصوفية"، في نسخته الـ 18، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، في موضوع "الشعر الصوفي، إكسير الشفاء" والممتد إلى غاية يوم السبت 24 أكتوبر الجاري، تميز بتنظيم ورشة حول طقوس تناول الشاي الياباني وشعرية الحركة والحضور، بالإضافة إلى حفل للسماع والمديح بالفضاء التاريخي ل ب "باب الماكينة" من تقديم "الطريقة القاديرية البودشيشية".
يونس الزغاري