سوق السمارين يحتضن لأول مرة عروض مهرجان فاس للثقافة الصوفية

الصحراء المغربية
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 16:37

في أزقة سوق السمارين العريق، حيث تتقاطع ذاكرة المكان مع تفاصيل العمارة التقليدية، وجدت الموسيقى الصوفية والفنون التشكيلية فضاء جديدا للحوار مع الجمهور، بعدما احتضن هذا الموقع التاريخي، لأول مرة، عروضا فنية ضمن فعاليات مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم، في يومه الثاني.

واستضاف الفضاء، الواقع بجماعة المشور فاس الجديد، حفلا موسيقيا لمجموعة «لوثوبيا»، إلى جانب معرض للفنانة الفرنسية أوديل غينان، في تجربة جمعت بين التعبير الموسيقي والذاكرة المادية للمكان، واستحضرت أبعادا روحية وجمالية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

«لوثوبيا».. حوار موسيقي بين تقاليد شرقية وغربية

وقدمت مجموعة «لوثوبيا»، عشية الأحد 18 أكتوبر، عرضا موسيقيا مستوحى من التراتيل الصوفية الأوروبية، ولاسيما أعمال الراهبة الألمانية هيلدغارد فون بينغن، التي عاشت في القرن الثاني عشر واشتهرت بإسهاماتها في التصوف واللاهوت والموسيقى والطب والأدب.
وجمع العرض، الذي أُعد خصيصا للمهرجان، بين الرباب الأفغاني الذي عزف عليه داود خان سادوزاي، وآلة التار الإيرانية التي أداها ميلاد محمدي، والعود الذي عزف عليه المنتج الموسيقي تريستان دريسنز، بمشاركة المغنية وعازفة القيثارة الكتالونية أريانا سافال.
واعتمد الرباعي على التفاعل بين المقطوعات التقليدية والارتجال الموسيقي، في محاولة لخلق مساحة للإنصات المتبادل وتجديد الصلة بالتقاليد الفنية والروحية. وتقوم فكرة المشروع على الصداقة والتواصل والاحترام المتبادل، باعتبارها قيما يمكن للموسيقى أن تنقلها إلى الجمهور بعيدا عن اختلاف اللغات والثقافات.

«كان يا مكان سوق».. الفن يستعيد ذاكرة المكان

وفي الفضاء نفسه، قدمت الفنانة الفرنسية أوديل غينان معرضها «كان يا مكان سوق: العبور السرمدي»، وهو عمل فني يستلهم تاريخ سوق السمارين وهندسته المعمارية، ويقيم حوارا بين المواد المستعملة والذاكرة والبعد المقدس للأشياء.
واختارت الفنانة مواد متنوعة، من بينها الصمغ والتوابل وشمع العسل والتراب والجلود، لتعيد توظيفها في أعمال تستحضر ما تختزنه الأشياء من آثار التجربة الإنسانية، وما تحمله من دلالات مرتبطة بالتقاليد والعادات، خصوصا في القارة الإفريقية.
ولا تتعامل هذه الأعمال مع الفضاء باعتباره مجرد مكان لعرض القطع الفنية، بل تجعله جزءا من التجربة نفسها، إذ تتفاعل المواد مع تاريخ الموقع، وتدعو الزائر إلى اكتشاف طبقات مختلفة من الذاكرة والمعنى.

إنشاد صوفي تكريما لمحمد إقبال

وشهد اليوم الثاني من المهرجان أيضا سهرة فنية بعنوان «شعيب أفتال قوال»، خصصت للاحتفاء بالشاعر والمفكر الباكستاني محمد إقبال، من خلال الإنشاد الصوفي واستحضار تقاليد موسيقية عريقة في شبه القارة الهندية.
وقاد الفنان وصيف الدين داغر الجمهور في رحلة عبر فن «الدروباد»، أحد أقدم أشكال الغناء الكلاسيكي في شمال الهند، حيث يتجلى البعد الروحي في امتداد الصوت ودقة الأداء والإنصات.
وبتنويع برمجته بين الموسيقى والمعرض الفني والإنشاد الصوفي، أتاح المهرجان لجمهوره اكتشاف أشكال متعددة من التعبير الروحي، فيما منح سوق السمارين التاريخي بعدا جديدا بوصفه فضاء يلتقي فيه التراث بالإبداع المعاصر.

محمد الزغاري




تابعونا على فيسبوك