الكاتبات العربيات ينتصرن للأدب الإنساني ويختلفن حول المفهوم

الثلاثاء 01 دجنبر 2009 - 10:56

تباينت آراء العديد من الكاتبات العربيات المشاركات في ندوة "الحرية في الأدب النسائي"، المنظمة، أخيرا، بالعاصمة الليبية طرابلس، حول إمكانية الحديث اليوم عن أدب "نسائي" عربي أم لا

فمنهن من رفضت التصنيف والتمييز بين الأدب الذي يكتبه الرجل، والأدب الذي تكتبه المرأة، على أساس الجنس، وطالبن النقاد بتجاوز المفاهيم التي أصبحت متجاوزة في الغرب، والنظر في أدبهن على اعتبار أنه أدب إنساني، لكن هناك من الكاتبات من ما زلن متشبثات بهذا التصنيف لاعتبار الحواجز بين النساء والرجال في المجتمعات العربية الأبيسية ما زالت قائمة.

هذه آراء بعض الكاتبات العربيات المشتغلات على أجناس مختلفة، أبرزها السرد الروائي والقصصي، يكشفن عن حاجة ماسة إلى نقد حقيقي لما يكتبنه، ويدعين النقاد العرب إلى تغيير أدوات اشتغالهن، وإلى اعتماد مناهج بديلة تنظر في أدبية العمل وليس في جنسه.

مفهوم تجنيس الثقافة يتراجع

أعتقد أن مفهوم "الأدب النسائي" بدأ يتراجع ويخفت، تاركا المكان لمفاهيم أخرى أكثر قوة كمفهوم "حقوق الإنسان" الذي يشمل الدفاع وحماية حقوق المرأة والرجل والطفل، هذا "الجميع" الذي يعاني في العالم الجنوبي، ويعاني أيضا في الشمال وإن كان الأمر مختلفا وبمستويات متفاوتة.

بقدر ما تتقدم مفاهيم حقوق الإنسان على المستوى السياسي وتتقدم منظمات المجتمع المدني في عملها الميداني من أجل الدفاع عن الإنسان يتراجع مفهوم "تجنيس" الثقافة والأدب في العالم العربي.

لكن مع ذلك يجب الاعتراف بأن ما تواجهه المرأة في العالم العربي والإسلامي، وحين أقول المرأة فأعني تلك المنتمية إلى الفئات الاجتماعية البسيطة، يجعل "النبرة" الأنثوية قائمة داخل النص الأدبي العربي، وما دام هناك قهر وظلم يلحقان بالمرأة كإنسان في المجتمع، فإن المرأة التي تنتمي إلى النخب، ومنها المرأة الأديبة شاعرة أو روائية، سترفع صوت خطابها الأدبي في شكل يدين الوضع المختل ضد المرأة. ويجب الاعتراف بأن المجتمع العربي والإسلامي ما يزال على تقدم في نسبة تعليم المرأة فيه وتميز صوتها داخل النخب، إلا أن الإيديولوجيا الذكورية ما تزال قائمة، لذا فإن "الأنثوية" في هذه المرحلة هي حالة مبررة.

وللأسف ما نلاحظه اليوم أمام المد الديني المتطرف، وأمام هزيمة الأنظمة العربية في مشاريعها السياسية والاقتصادية، وانكشاف أوهام خطبها التحريرية، هو الذي يجعلنا نلاحظ توسع حجم تراجع المساحة الاجتماعية للمرأة العربية. مضى أزيد من قرن على صدور كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين، وهو "الكتاب الظاهرة" يمكن التأريخ به لبداية المعركة التي خاضها مناصرو تحرر المرأة من الأنتلجانسيا العربية المتنورة آنذاك، لكننا لو أقمنا خطاطة بيانية لمسار معركة المرأة العربية منذ تاريخ صدور الكتاب حتى الآن سنجد تراجعا كبيرا عرفته معركة تحرير المرأة خاصة في الربع الأخير من القرن المنصرم والعشر سنوات من هذا القرن الجديد، والتراجع هذا عائد أساساً إلى انطفاء الحلم وتفاقم المشاكل الاجتماعية وظهور النخاسة الجديدة وتفاقم أشكال الاستهلاك، بما فيها استهلاك المرأة تحت يافطة الحرية في بعض الحالات. لذا أقول إذا كانت المرأة الغربية انتقلت من زمن سيمون دوبوفوار (الجنس الثالث) إلى الزمن الراهن، وهو الزمن المؤسس داخل فلسفة الدفاع عن "حقوق الإنسان" وحقوق الحيوان وحقوق الطبيعة، فإن مجتمعاتنا العربية والإسلامية ما تزال رهينة أنظمة فاسدة تتوارث سلطة تأكلها الصراعات القبلية والطائفية، وينخرها الجهل والأمية الثقافية والسياسية، لذا ما زلنا نشعر بسلطة الخطاب الغاضب أكثر من سلطة الخطاب المتأمل.

هناك تخوف من صعود الحركة النسوية

التخوف من صعود الحركة النسوية، التي وإن كان صعودها تطورا من حال المرأة المنكفئة على تاريخها، إلا أنها في حاجة إلى تيار مستنير من الإبداع وإلى ترسيخ وتثبيت أسماء من المبدعات والأديبات يمكن الفرز بينهن وتصعيدهن نقديا لمصلحة الكتابة الإبداعية لا لمصلحة المبدعة الأنثى.

أتساءل كثيرا حول هذه المؤتمرات التي تبدأ دائما من الصفر، وتتحدث دائما عن مفهوم الأدب النسائي، وهل نسمي الأدب الذي تكتبه النساء أدبا نسويا أو أنثويا نحن ندور على فكرة واحدة ونعيدها ونكررها، دون الانتهاء منها والدخول إلى الأدب الذي تكتبه النساء مباشرة.. لو أننا بدأنا بنقد الكتابات وتصفية الأعمال الكثيرة وغربلتها لكنا اليوم نحظى بأسماء كبيرة في الأدب دون أن نتخطى ما لدينا ونعيد تكرار المؤتمرات في حيز المفهوم فقط، والتعميم الذي قد يقلل من القيمة كثيرا.

الكتابة مطارحة لهموم إنسانية

لست أدري إن كان هناك حركة نسوية عربية في الأدب، وما إذا كان هناك اتفاق أصلا حول مفهوم النسوية. على كل، بالنسبة إلي، خرجت من الأحزاب يوما، ولن أدخل أحزاباً أخرى أو تيارات حتى ولو كانت أدبية. وفي كل الأحوال، الأدب النسائي بالأساس تسميه ذكورية ابتهجت بها النساء يوما، لكنها أضمرت بالطبع اعتبار ما تكتبه المرأة أدبا ثانويا أو شيئا يشبه الفرع قياسا للأصل.

الكتابة هي مطارحة لهموم إنسانية خارج أي تصنيف ومفتوحة على الحياة وعلى مقاربتها فنياً وإنسانيا وليس بإيديولوجيا مسبقة عليها تقتلها أو تقيدها، ولذا فهي تحوي أغراضا عدة لا تحد بمقولة أو خطاب أو فكرة. ولذا أنا ضد توظيف الكتابة لغير أغراضها، لأنها فعل حرية بامتياز.

لكن بالمقابل، إذا ما لامس الهم الإنساني والفني الهم النسوي أو أي فكر يتقاطع مع طرح الكتابة (ليس بمعنى الطرح المسبق عليها)، فليس هناك تحفظ، لكنني ضد حصر الكتابة بتسمية معينة. أي تصنيف أنا ضده، والحدود ما تزال بين ما تكتبه المرأة وما يكتبه الرجل عند امتلاك الخطاب الإنساني والفني.النص المبدع خارج أي خيم، ولا ينضوي تحت أي خيمة، لأن الكتابة كما ذكرت فعل حرية. التزام الكاتبة الحقيقية هو الهم الإنساني والفني، وإن كتبت اختلافها وبقلمها الأنثوي، إلا أن الكتابة خارج البيولوجيا. وإن كان اثنان لا يختلفان حول الغبن الذي تعيشه المرأة، فإن الهاجس الإبداعي الحقيقي أن ينتصر لجنس الكتابة من دون أن تنسى جنسوية من تكتب عنهن وعن خصوصية حيواتهن ولغاتهن.

كتابة المرأة يجب ألا تكون ثأرا من الرجل ومن خطابه الذكوري، والخطاب الفني هو استعادة الحق بالقول وبالخطاب الإنساني من دون تمييز. إلا أن الكتابة التي تقارب بموضوعها المرأة يجب أن تبقى خارج أي إيديولوجيا، لأن كل الإيديولوجيات كانت أكثر استبدادا من الأنظمة، أو الفكر الذي كانت تحاربه.

نحن نشبه مجتمعاتنا

بعدما كانت النسوة يشعرن بالتهميش وإهمال ما يكتبنه، بات العالم شديد الاهتمام بهن، ميزانيات كثير من المؤسسات والجهات الثقافية تذهب لمصلحة مؤتمرات تعنى بأدب المرأة، مما يثير احتجاجا صامتا لدى الذكور.

من واقع تجربتي ومشاركتي بكثير من هذه الندوات في مختلف العواصم العربية أقول إن كثيرا منها يسعى إلى تحقيق الجذب الإعلامي، وإن ما يقدم من خلالها من نقد ما زال عاما وبعيدا من الجدية. وإن بعض الندوات يستجيب للموضة الرائجة فحسب، وتختلط فيها المفاهيم كما تقع في تقييم مجحف بحق الإبداع أولا عندما تضع كل الكاتبات في سلة واحدة. ثانيا تكشف هذه الندوات عن انسياق النقد إلى الساحة دون أن يكون مطلعا بما فيه الكفاية على ما يمكنه من إصدار الأحكام.

أما الكلام عن أدب المرأة العربية فما زال ممكنا، إذ لا أعتقد أن الحواجز قد زالت بين ما هو أنثوي وما هو ذكوري، جمع كبير من العامة، بل والأكاديمية والنقاد والكتاب ما زالوا في مرحلة الحيرة حول المصطلح وآثاره وتبعاته.هناك الكثير مما يجب قوله إلى أن تحدث عملية غربلة تفصل القمح من الزؤان.

وفي شأن التخوف من صعود حركة نسوية عربية جديدة، انطلاقا من الأدب بعد ما بلغت النسوية نهايتها في العالم، لا أعتقد أننا قطعنا المرحلة ذاتها مع نساء العالم، عادة نتلقف الحركات العالمية بعد أن تستنفد أغراضها في العالم مثل الحداثة. في الواقع لست أتخوف من حركة نسوية عربية جديدة.

نحن وإن جمعتنا المؤتمرات ما زلنا جزرا معزولة، نشبه مجتمعنا ونعاني إحباطاته. لا نملك الأدوات اللازمة للقيام بحركة جمعية تنطلق من الأدب أو سواه، ثم إن تعبير صعود إيجابي لا يستوجب التخوف. ربما قصدت نشوءا، عندها ووفق ما أرى أستبعد مثل هذه النتيجة، إذ قبل أن تظهر بوادر جادة متشكلة من تلك الظاهرة وما يدور حولها سنكون قلبنا الصفحة ورحنا نستورد نتائج مرحلة جديدة انتهى منها الغرب، فلا نحن نتطور بصورة طبيعية ولا نأخذ وقتا كافيا لهضم كل مرحلة وفهمها... هذا الشك حول ما يمكن أن نفعله يجعلني أعتقد أن التوقف عند التنظير وأخذه محمل الجد قد يعثران مسيرة الكتابة، وأن من الأجدى للكاتبة العربية الانصراف إلى تجويد فنها وإبداعها وترك التصنيف والتنظير لأصحابه.

مشكل ترسيخ حروب الثنائيات

ليست المشكلة في تعدد المؤتمرات أو الاحتفاء بالمرأة الكاتبة لأنه يندرج تحت الاهتمام العام بالمرأة، نتيجة التحولات الفكرية للمجتمع العربي، أو كرد التهمة الغربية عن قمع النساء والتعصب ضدهن.

لكن المشكلة هي في ترسيخ حروب الثنائيات الذكورة والأنوثة، والمقولات النقدية التي تجاوزها إبداع المرأة كثيرا، سواء في اقتحام الطابوهات المحرمة - الدين والسياسة والجنس - أو بامتلاك الأدوات الإبداعية، والمعرفة بالذات والآخرين على مستوياتهم كافة. نتيجة التعليم والانكشاف والتحرر الاقتصادي بالعمل، مما أخرج النساء من المكان الضيق، والمجتمع الصغير إلى التماس مع محيطها العام بل والعالم، ومعرفة كل الآخرين بالسفر، وإتقان اللغات والعمل والتعليم والإطلال على التراث الديني واللغوي والفكري. واقتحام مجالات عمل كانت قصرا على الرجل، مما نوع في المنجز الأدبي للمرأة العربية، وجعلها تستنبط أشكالا جديدة فيه، مع تميز بعض هذا المنجز "بالمعرفة" التي يتيحها الانكشاف على العالم، والممارسة العملية وتنوع التجارب.

هناك أزمة نقد تفضحها هذه المؤتمرات، مقولات نقدية جاهزة - تعميم، تكريس أسماء شللية ومجاملة هي الوسط الثقافي العربي بشكل عام، وتكرار للأوراق مع بعض التعديل فيها. ومعظم النقاد المشاركين لا يتابع المنجز الجديد، ولم يطل على مجمل إبداعات المرأة العربية ليحق له إصدار الأحكام، أو المقارنة، أو الحكم على التجربة.

ويبدو "الاستسهال" النقدي في التطبيق على "النموذج" النسائي، وهذا حق نقدي ولكن ألا يصبح ظاهرة عامة في أوراق المؤتمرات، التي توقفت عند أسماء تكرست منذ عقود، إما لقيمتها الفنية، أو ريادتها، وما تمنحه الريادة من تسامح مع النتيجة الفنية أو لانتماء سياسي أو فكري أو لارتباط بقضية وطنية.

وتتجلى أزمة النقد العربي بارتباطه بمدارس نقدية حداثية سقطت في بلادها وظهرت نتيجة ظهور "الرواية الجديدة" التي أطلق على أصحابها "الروائيون المأزومون".

أما عن ظهور حركة أدبية نسوية عربية بعد أن خبت في الغرب، فهو أمل جميل لكنه بعيد المنال لأن المرأة الكاتبة كلما أطلت واعترفت بالمنجز الأدبي للنساء العربيات للأسف.

القياس على الغرب مضلل

القياس على الغرب في مسائل النساء قد يضلل أحيانا، فإشكالية المرأة العربية على مستوى الطرائق التعبيرية في ما يتعلق بهمومها سوف تختلف، ولا بد عن تلك المتداولة في الغرب، خصوصا التعبير الأدبي.

انتهاء النسوية بعد صعودها المحتدم لفترة لا بأس بها في المجتمعات الغربية لا يعني بالضرورة أفولها في المجتمعات الشرقية، فهي لم تبدأ بعد ولم تصل حركة سياسية فاعلة ذات أجندة معبرة عن أولويات النساء، التي على رأسها التعليم والعمل والمشاركة في قرارات المجتمعات المصيرية والتي مازالت حتى اللحظة الراهنة في أيدي المالكين للثروة والسلطة من الرجال.

الأدب النسوي باعتباره معنياً بهموم نوعية خاصة، لا يتعارض مع كل أدب يكتبه الرجل أو المرأة ويتوجه إلى ما هو عام وإنساني في مجمله، وفحص ما تكتبه المرأة قد يؤدي إلى اكتشاف ما هو نسوي أو ما تشابه مع ما يكتبه الرجل، لكن الكتابة الأدبية النسوية لها مهمات مختلفة، فهي تعمل على نبذ الوعي الاعتيادي المتوارث بخصوص المفاهيم المتعلقة بالمرأة ودورها المجتمعي، وتعيد النظر في تقسيم الأدوار الاجتماعية فلا تكرس المرأة فقط لصناعة الحياة، لكنها تجعلها شريكا فاعلا في صناعة العالم، وهو ما استحوذ عليه الرجل منذ فجر التاريخ. نعم هناك جدوى من المنتديات والمؤتمرات النسائية المتناولة لما تكتبه المرأة نسويا وما تعبر عنه من منظور وعيها المغاير لأهمية دورها في صناعة العالم وفي مفهومها كنوع ثانٍ. المسألة ليست أن تكون أولا تكون هذه المنتديات، لكن سؤال الجدوى الثقافية ومدى الفاعلية داخل المجتمع يجب أن يكون هو الهدف الأساسي لهذه المنتديات، فالجدية في رفد المجتمع بأفكار تعينه على إعادة النظر في ما استقر ورسخ بخصوص إشكاليات النساء وأدوارهن هو ما يجب أن تسعى إليه هذه المنتديات التي يا حبذا لو تعقد في الجامعات ودور العلم والأطر ذات التجمعات البشرية، لتستفيد منها وتهز عقولها ووجدانها بأسئلة التاريخ.

الأدب يعرف بما يحمله من قيم

مصطلح الأدب النسائي ليس من المصطلحات المتفق عليها، فثمة فريق يرى فيه انتقاصا من قيمة الأدب الذي تكتبه النساء، والحجة القوية التي يستند إليها، تعتقد اعتقادا راسخا - وصحيحا في أي حال - أن الأدب لا يعرف بجنسِ كاتبه بل بما يحمله من قيم فنية وإبداعية، وبالاستناد إلى قوة هذه الحجة جرى أيضا عزل الأدب الذي تكتبه النساء باعتباره لا يصل إلى المعيار الذكوري المحدد سلفاً. أما الفريق الثاني الذي يميل إلى استعمال هذا المصطلح - بل ويلح عليه - فإنه ينظر إلى الجانب الإيجابي لمساهمة الكاتبات في المشهد الأدبي والثقافي العام، ويحاجج بخصوصية الذات الأنثوية المبدعة التي يمكنها أن تعبر عن هموم المرأة بصورة أفضل من الرجل، نظرا لحساسية المرأة وخصوصيتها.

وقد نشأ هذا الأخير نتيجةَ واقع زيادة عدد المبدعات، وهو الأصل في إفراد المجال للدراسات النسوية من خلال علم الاجتماع الأدبي تحت اسم "النقد الأدبي النسوي"، مثلما لاحظت الشاعرة والباحثة الإماراتية ظبية خميس، وهو تيار شهد "تطورات مستمرة أخذت تجلياتها عبر دور نشر متخصصة في الفكر النسوي النقدي والاجتماعي، وكذلك صحف ومجلات ومطبوعات وندوات، إضافة إلى اتجاه الجامعات الأوروبية إلى استحداث أقسام دراسة خاصة بدراسات المرأة".

وبغض النظر عن حجج الفريقين أو عن تفرعاتهما النقدية، التي تطول جوانب أكثر دقّةً في المصطلح، من خلال جعل التنظير يرتقي إلى حدود المعيار الذي يمكن القياس عليه، فإن التيار الأعم يعطي المرأة الكاتبة منزلةً أقل من منزلة الرجل الكاتب، إذ يلاحظ في أحايين كثيرة أن المرأة الكاتبة مشغولة أكثر من اللازم بذاتها وهمومها الأنثوية، وأن البوح، باعتباره أقرب إلى الثرثرة منه إلى الأدب، هو مدار الإبداع الذي تكتبه وتدور في فلكه، كأن يقال: "ثمة إحساس بأن ما تكتبه النساء ما زال قيد السجن الذاتي"، وفي الجملة، فإن استعمال المصطلح ذاته ينطوي على حكم قيمي، ويمنع في الآن عينه أي تبديد يذكر للخلاف حول المصطلح نفسه.

يجب قراءة الأدب النسائي بشكل مختلف

لطالما شكل المنتج الإبداعي في الأدب الذي كتبه الرجل تراكماً قبل أن يبدأ إبداع المرأة بظهور خجول، يحتل مكانه في هذا الميدان، لهذا كنا نرى صورة المرأة كما يراها الرجل، وكأننا ننظر بعين واحدة، إلا أن المرأة المبدعة لم تحاول في البدايات اقتحام بعضاً من المناطق من خلال أدبها، و ارتكز في البدايات على الذات، وكأنها كانت تحاول التعرف إليها واستكشافها وكشف تلك المناطق التي لا يمكن الرجل أن ينظر إليها.

وأعتقد أننا نلحظ اليوم وبشكل واضح أن مجمل إبداع الكاتبة العربية شكل تراكما قد لا يوازي ما خطه الرجل بالكم، إنما استطاع هز وزلزلة مفاهيمه، عن المرأة وأخذ يرى صورته في أدبها، ويرى وجهاً جديداً للمرأة بقي مجهولاً، إذ عندما أصبحت المرأة تخرج من مناطق الظل ولا تحجم عن كسر الطابوات، تبددت المفاهيم المنمطة لأدبها، التي درج النقاد على تصنيفها بنظرة دونية، ما أثار حفيظة البعض، ولم يعد غريبا وجود اتهامات جديدة تمس هذا المنتج وتلحقه بشخص الكاتبة المنتجة للنص، مما يشكل أذى واضحا وسوء فهم بين الطرفين، ولهذا أصبحت الندوات والمؤتمرات ضرورة لتصحيح الصورة لسرديات الكاتبة العربية أو المطالبة بقراءة وفهم عميق لإنتاجها، بدل الحكم المسبق عليه وتصنيفه بدرجة أدنى.

نعم، ما زلت أرى أن الكــلام عن أدب المرأة العربية ممكناً لأن الحواجز ليـــست وهما بين أدب يكــتبه الرجل وأدب تكتبه المرأة، وبنـــظرة مجــردة وموضوعية إلى الدراســـات النقدية لأدبها سنـــجد أمرين لا ثالث لهما، وهما يتوزعان بين الاحتفاء والمجاملة وبين الاتهام الذي يصل إلى حد الشتم أحياناً، كما أضيف أن إقامة ندوات تقتــــصر على الوجود النسائي غير مجدٍ، بل المشاركة الفاعلة للـــرجل النـــاقد والأديب هي مشروع حوار وإرساء لتصحيح بعض من المفاهيم والمصلحات المغلوطة عما تكتبه المرأة، وهنا لا بد من الإشارة إلى مصطلح - النسوية - الذي يعني الحركات النسوية التي تحمل مفاهيم مختلفة في الغرب، وتختلف بدورها عن الحركات النسوية التي نهضت في بدايات القرن الماضي في الشرق.

ومن هنا كانت فكرة عقد ندوة في طرابلس تحت عنوان (الحرية في الأدب النسائي) ليس لتكريس الفروق بين ما تكتبه المرأة وما يكتبه الرجل، بل لمنح إبداعها قراءة مختلفة من قبل النقاد الرجال ومشاركة الأديبات بتوضيح صورة الذات وطرح إشكالية الهوية من عدة زوايا. لهذا أجد فرقا واضحا بين الندوات التي تنظم في العواصم التي ذكرتها، إلا أن ما يجمعها هو الهم المشترك في تصحيح مسار النقد من خلال تناوله إبداع وكتابات المرأة العربية.




تابعونا على فيسبوك