في كل صباح، يغادر عبد الرحيم منزله بضواحي مدريد قبل شروق الشمس بقليل. يحمل حقيبة عمله ويتأكد من أن هاتفه مشحون، ثم يجلس خلف مقود سيارته متوجها إلى ورش البناء الذي يشتغل فيه منذ سنوات. لكن الرحلة التي لا تتجاوز ثلاثين دقيقة أصبحت بالنسبة إليه مصدر قلق يومي.
يقول عبد الرحيم، وهو مهاجر مغربي استقر بإسبانيا منذ أكثر من عشر سنوات: "أخاف كلما رأيت دورية للشرطة. ليس لأنني ارتكبت مخالفة، بل لأن رخصة السياقة التي أملكها أصبحت مشكلة لا أعرف كيف أحلها".
مثل آلاف المغاربة المقيمين في إسبانيا، حصل عبد الرحيم على رخصة السياقة في المغرب. كان يعتقد أن الأمر بسيط، وأن سنوات خبرته الطويلة خلف المقود كافية لمواصلة حياته بشكل طبيعي. لكن الواقع كان مختلفا.
فالقانون الإسباني يسمح للمقيمين الجدد باستعمال رخصة السياقة المغربية لمدة ستة أشهر فقط. وبعد انقضاء هذه المدة يصبح لزاما عليهم تسوية وضعيتهم وفق الشروط القانونية المعمول بها.
بالنسبة لعبد الرحيم، لم تكن المشكلة في القيادة نفسها، بل في اللغة.
"أستطيع قيادة السيارة في أصعب الظروف، لكن عندما أصل إلى الامتحان النظري أشعر وكأنني عدت إلى مقاعد الدراسة من جديد"، يقول بابتسامة تخفي الكثير من التوتر.
قصة عبد الرحيم ليست استثناء. فخلف عجلة القيادة في المدن الإسبانية يوجد اليوم أكثر من أربعين ألف مغربي يعيشون وضعية مشابهة، بين الحاجة اليومية إلى السيارة للعمل وإيصال الأبناء وقضاء المصالح، وبين الخوف من مخالفة قانونية قد تكلفهم غرامات مالية أو مشاكل إدارية.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى سنوات طويلة. ففي بداية الألفية الحالية أوقفت السلطات الإسبانية نظام المعادلة المباشرة لبعض رخص السياقة المغربية بعد اكتشاف حالات تزوير واختلالات في مساطر الحصول عليها. كما تبين أن بعض المقيمين بإسبانيا كانوا يعودون إلى المغرب لاستخراج الرخصة هناك ثم يطالبون بتحويلها مباشرة إلى رخصة إسبانية.
ومع تحسن العلاقات بين الرباط ومدريد وتحديث المغرب لأنظمة إصدار رخص السياقة، أعيد فتح باب المعادلة خلال السنوات الأخيرة عبر آليات رقمية تسمح بالتحقق من صحة الوثائق وتبادل المعلومات بين البلدين.
غير أن فئة واسعة من المغاربة ظلت عالقة بين النظامين.
فهؤلاء حصلوا على رخصهم المغربية بينما كانوا يقيمون أصلا في إسبانيا، وهو ما يجعلهم مطالبين باجتياز الاختبارات الإسبانية بدلا من الاستفادة من المعادلة المباشرة.
وسط هذا الجدل، تتزايد أصوات المحتجين أمام الإدارات والمؤسسات المعنية، مطالبين بإيجاد حلول تراعي خصوصية أوضاعهم الاجتماعية والمهنية. فبالنسبة للكثيرين، لا يتعلق الأمر برخصة سياقة فقط، بل بمفتاح للعمل والاستقرار وتأمين لقمة العيش.
ويجد عدد من العمال أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ ففقدان القدرة على القيادة قد يعني فقدان الوظيفة نفسها، خاصة بالنسبة لمن يشتغلون في البناء أو الفلاحة أو خدمات التوصيل، حيث تشكل السيارة وسيلة أساسية للوصول إلى أماكن العمل.
وفي المقابل، تؤكد السلطات الإسبانية أن السلامة الطرقية تظل أولوية لا يمكن التهاون بشأنها، وأن أي تسهيلات يجب ألا تتحول إلى باب جديد يسمح بمرور رخص غير مطابقة للمعايير القانونية.
وهكذا يبقى عبد الرحيم، مثل آلاف المغاربة الآخرين، عالقا بين حلم الاستقرار ومتطلبات القانون. يواصل قيادة سيارته كل صباح، متمنيا أن يجد المسؤولون في الرباط ومدريد حلا يضع حدا لسنوات من الانتظار والقلق.