إلى روح الفنانة التشكيلية الراحلة بنحيلة الركراكية

من طفولة الحب والإبداع إلى شيخوخة التجاهل والمعاناة

الإثنين 16 نونبر 2009 - 07:22
الراحلة بنحيلة الركراكية

مع التباشير الأولى للشباب والأنوثة والعاطفة، بدأت رسائل العشاق تهل على فنانتنا وهي تحمل، إلى جانب الكلمات العاطفية الساذجة، رسومات للقلوب المطعونة بسهام العشق.

لم تثن الأمية الأبجدية فنانتنا عن فهم مضامين رسائل العشق، مستعينة بحسها الفني المبكر، كما لم يثنها العجز عن الكتابة عن تحرير رسائل فنية تجيب بالرمز الفني عن الكلمات الحالمة.

مسار رومانسي سيفجر الطاقة الفنية البكر، الكامنة في وجدان الركراكية بنحيلة، الشابة اليانعة الباحثة عن الحب قبل الفن.

تماهت مع "صويراتها" وهي تجيب الفرشاة عن رسائل الحبيب/الجار بأسلوب أقرب إلى وجدانها، فكان أن استحال في شعورها الحب فنا والفن حبا.

لم تفطن الراحلة الركراكية يومها إلى أنها تنجز وتراكم عملا فنيا سيلفت الأنظار إليها، وكان يكفي بالنسبة إليها أنها أعمال تؤدي وظيفتها العاطفية، وتبلغ الحبيب قدر الهيام الذي يختلج في الصدر، فهذه غاية ما كانت فنانتنا تنشده.

الصدفة وحدها أخرجت بنحيلة من شرنقتها، أو هذا ما تحقق حين طرق باب بيتها الجار ليشكو ابنها، حار الجار أمام الرسومات، أيشتكي أم يتساءل فكان أن ضحى بالهدف الأول على حساب الثاني، بعدما شدته الإجابة التي ألقت بها جارته الركراكية على استحياء "إنها رسوماتي و ليست رسومات الأبناء"، هكذا وجدت بنحيلة أول من يقرأ رسوماتها بعيون فنية خالصة لا تتأثر بسحر العاطفة، و يشجعها على عرض لوحاتها على أجنبي متخصص في تجميع وبيع اللوحات الفنية ذات الطابع الساذج، هذا الأخير ما إن ألقى نظرة على لوحاتها حتى أعجب ببساطتها، وتعهد باقتناء كل ما لديها من رسومات، واعدا إياها بإقامة معرض لأعمالها حالما تتمكن من إنجاز لوحات بأحجام تليق بالعرض.

لم تصدق فنانتنا أن بين جوانحها طاقة هائلة على العطاء إلا حينما شرعت في الاستعداد لمعرضها المرتقب، انطلقت تمزج الألوان بعاطفتها وتشيد لوحات بسيطة بعمق مركب حتى استوى لها المعرض لتدخل منه إلى العالمية.

و في ظرف قياسي أضحت الفنانة الركراكية بنحيلة سفيرة للفن الفطري/الساذج، تجول الكثير من البلدان الأوروبية عارضة ما يثير إعجاب الآخر، الذي يرى في لوحاتها البسيطة جمالية بدائية تعبر عن فطرة إنسانية لم تطرز بنظريات التجريد والتشخيص والانطباع...

رغم أنها حققت جزءا مما كانت تحلم به من الانتشار وطنيا و دوليا، فإن الراحلة الركراكية بقيت في بساطة لوحاتها، تجسد فنها شكلا ومضمونا، فهي تلتقي الآخرين بتلقائية الطفولة، وتنفق ما تجنيه من لوحاتها على الهدايا، لتوزعها بفرح الطفولة وتساند بما تبقى معارفها وكل من طرق بابها طلبا للمساعدة، لتبقى خالية الوفاض وكأنها بغير التزامات، ولا يهمها بعد ذلك أن يكون رصيدها البنكي صفرا على الشمال، ما جعلها في كثير من الأحيان عاجزة عن تسديد واجبات الكراء لمرسمها المتواضع الذي أخلته أخيرا بحكم قضائي، حتى المستشفى الذي دخلته في الأيام القليلة الماضية قبل وفاتها لمدة 15 يوما بغرفة الإنعاش لم تتمكن من أداء فاتورته، رغم شهادة الاحتياج التي أدلت بها، ورغم بطاقة الفنان التي بحوزتها، وهي التي كانت تعاني مشاكل صحية كثيرة، إضافة للربو الذي يتطلب كل أربعة أيام قنينة الأكسجين التي تصل تكلفتها إلى ألف درهم.

هل كتب للفنانة الراحلة بنحيلة الركراكية الملفوفة دوما داخل حايك أبيض و نقاب أسود مثلها مثل أي امرأة صويرية عادية، أن تكون ضحية لقدرها الفني لتظل نسيا منسيا إلى أن باغتها الموت الأسبوع الماضي؟

قليل من كثير في حق فنانة من طينة الركراكية

حميد بوهالي: فنان تشكيلي

ماذا عساني أقول في حق إنسانة من حجم الفنانة بنحيلة الركراكية، ومن أين يمكن أن يبدأ من يريد التحدث عن شخصية فذة اجتمعت فيها العديد من المواهب، وتجسدت فيها كل المزايا والصفات الحميدة، فالراحلة كانت فنانة كبيرة لم تمر مناسبة من المناسبات الدينية أو الوطنية أو الاجتماعية إلا وكانت حاضرة فيها بتميز.

ما تركته الفقيدة من إرث فني يتجاوز العشرات من اللوحات، يحتاج لمن يعتني به العناية اللازمة ويعمل على أن يطلع عليه الدارسون والمهتمون، لا أقصد أسرتها وإنما الوصيين على الشأن الفني والثقافي ببلادنا.

الراحلة كانت أيضا، زجالة لامعة تهابها القوافي ـ وهذه خاصية قد تغيب عن الكثيرـ كانت إنسانة رائعة الخصال، جمة الأدب، سمتها التواضع للجميع ومع الجميع، كانت تخالط كل الفئات، و تهتم بأمور وأحوال الناس على اختلاف أفكارهم، كانت رحمة الله عليها أما للصغير وأختا للكبير، لا تبخل أبدا بأفكارها ومالها على كل من قصدها طلبا للنصح والدعم.

هذا غيض من فيض وقليل من كثير في حق فنانة من طينة الراحلة بنحيلة الركراكية، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الركراكية رمز للوطنية والعصامية
هشام شكار: إعلامي


رغم هاجس الموت المحدق بها في آخر زيارة للفنانة الراحلة بنحيلة الركراكية، وبعد وهن وعناء قالت "رمزيتي لحاف الحايك الصويري المحافظ،، خماره مسدل على حدود العين الكحيلة يجعل مني جوهرة طينية للأطلسي، في شروقه ورعوده البارقة... وطنيتي لحافي، وقد شرفني الملك المحبوب بوسام العرش، وزادني رونقا وبهاء ضد النسيان".

الفنانة بنحيلة واحدة من الفنانات الفطريات اللواتي ولجن عالم الفن التشكيلي بالصدفة وحفرن لهن مكانة على صفحاته بعصامية نادرة، وأصبحن حديث كبريات وسائل الإعلام الوطنية والدولية.

عشقت الفقيدة سماع الحضرة الصوفية، ودعتني في آخر لقاء لي معها عند عتبة الباب المطل على بحر الظلمات على إيقاع سعالها الخافت "ادخلوا إلى قلبي أفواجا واخرجوا منه أمواجا".

رحم الله الفقيدة وأسكنها فسيح جنانه مع الأنبياء و الشهداء والصديقين.




تابعونا على فيسبوك