أجمع المتدخلون خلال الجلسات، التي تواصلت يومي 10 و11 أكتوبر الجاري، بواشنطن في إطار الاتفاقية السنوية الرابعة للتحالف المغربي-الأميركي، على أن "الثقافة المغربية مؤهلة لتنخرط ضمن التيار الأميركي الرئيسي، بفضل الحيوية والتنوع والعمق الثقافي للجالية المغربية
وفي قراءة توخت الاستنباط المنطقي، شكك المحاضرون في أن يكون مسار حياة الأزموري، حالة فريدة أو استثنائية، خلال هذه الحقبة التاريخية، مؤكدين أن عددا مهما من أبناء شبه الجزيرة الإيبيرية كانوا من أصول مغربية، مشيرين في الوقت نفسه إلى أن سكان المدن الساحلية المغربية مثل الصويرة، وأزمور والجديدة، كانوا يمتلكون ثقافة بحرية مشهود لهم بها.
كما كان للعرب المقيمين بإسبانيا، مهارة عالية في استعمال "الإسطرلاب" وقراءة الخرائط والتحكم في طرق الإبحار في أعالي البحار، مستعينين بالنجوم إلى جانب أدوات ووسائل الإبحار الأكثر تقدما في ذلك الوقت، ما يسر طريقهم إلى العالم الجديد، في وقت كان فيه كريستوفر كولومبوس، يبحث عن ذوي المهارات البحرية لمساعدته.
وتساءل المتدخلون إن كان من المعقول ألا تكون هذه الشعوب، ضمن التدفقات الأولى للهجرة نحو العالم الجديد، حاثين المؤرخين في هذا السياق، على القيام بتسليط الضوء على هذا الجزء من تاريخ العلاقات المغربية الأميركية، وجعله ميسرا ومعروفا لدى العموم.
وشددوا على أن يتضمن مشروعا تأريخيا من هذا النوع مساهمة مختلف الفئات العمرية للمهاجرين المغاربة في جميع مناحي الحياة بالولايات المتحدة الأميركية، من خلال تسليط الضوء على نجاح عدد كبير منهم في بناء المجتمع الأميركي.
وأشاروا إلى أنه بمقدور المغاربة الذين أصبح عددهم يناهز 150 ألف مغربي، أن يتركوا بصماتهم في الثقافة الأميركية، وأن ينخرطوا بشكل أفضل في الحلم الأميركي مع بقائهم أوفياء للتراث المغربي، بالنظر للجاذبية، التي يتمتع بها المغرب في المتخيل والذاكرة الجماعية الأميركية، منذ اعترافه بجمهورية الولايات المتحدة، مرورا بالمكانة التي تحظى بها مدينة الدارالبيضاء في المخيلة الفنية الأميركية بفضل الفيلم، الذي حمل اسم كازابلانكا، وأيضا، مدينة طنجة التي تحتضن الممثلية الأميركية، التراث الأميركي الوحيد خارج تراب الولايات المتحدة، والتي أقام فيها العديد من أدباء أميركا منهم بول بولز، وتينسي ويليامز، وكذا مدينة الصويرة التي خلدها أورسين ويلز من خلال تقمصه لدور أوطيلو.
وكان الباحث المغربي مصطفى واعراب، في كتابه "استيبانكو الأزموري مغامر مغربي في أرض الهنود الحمر1500- 1539"، أعاد إلى صدارة المشهد الثقافي العربي والعالمي، ما يعتبره أسطورة، بطلها فتى مغربي جرى أسره وبيعه إلى "نبيل" إسباني أرسله إلى أميركا، فأصبح أول أجنبي يتصل بالسكان الأصليين في جنوب غرب الولايات المتحدة في القرن السادس عشر، وكانت نهايته تراجيدية.
وقال واعراب، إن الأزموري تحول إلى إرث مشترك يتجاوز المحلية إلى العالمية، مشددا على أن "المغاربة والعرب يتقاسمون اليوم مسؤولية إحياء ذكراه" مع الأميركيين لإعادة تقديمه إلى العالم العربي، الذي ينتمي إليه، ثم إلى العالم كأحد مشاهير الرحالة والمغامرين العرب.
وأضاف في "ندوة الرحالة العرب والمسلمين..اكتشاف الذات والآخر" التي احتضنتها الرباط، أخيرا، أنه بعد هذه القرون على مقتل الأزموري، نشهد من خلال هذا الكتاب على المستوى العربي "بداية اهتمام خجول بسيرة حياته ومغامراته، في مقابل الجهل العربي بهذه الشخصية المثيرة، هناك حضور لها واهتمام بها" على أكثر من مستوى في الولايات المتحدة.
ويقول واعراب، إن الأزموري حاضر اليوم في التاريخ الأميركي الحديث، كأحد الذين لهم فضل في استشكاف مناطق الجنوب الغربي، وإنه خلال مراحل احتداد الوعي السياسي بين الزنوج في أميركا كان الأزموري "أبا روحيا ملهما، باعتبار أصوله الإفريقية فأطلقوا لقبه المسيحي إستيبانكو على بعض أبنائهم"، كما أطلق اسمه على بعض مرافق متفرقة في أميركا، كما أن بعض الكتاب الغربيين اعتبروا إنجازاته "أهم من رحلات" المغربي ابن بطوطة والإيطالي ماركو بولو.
ويصف واعراب تلك الرحلة بأنها "واحدة من أعظم الملاحم الاستكشافية التي شهدتها حركة استكشاف القارة الأميركية" حيث تمثل صمود إرادة الإنسان أمام قسوة الطبيعة والبشر في رحلة تيه طويلة، بلغت ألوف الأميال من شرق الولايات المتحدة إلى جنوبها الغربي، سيرا على الأقدام.
وشدد واعراب على أن إعادة الاعتبار للأزموري"هي حرب على النسيان"، داعيا إلى تكريم هذا الرائد المغامر، الذي نال في أميركا شهرة لم يسع وراءها، لكنه ما زال في وطنه غريب الاسم، مضيفا أن سيرة "استيبانكو الأزموري" تصلح أن تكون اليوم مدخلا لتصحيح صورتنا لدى الآخر، في هذا الزمن الذي تسيطر عليه الصراعات الدينية والعرقية.