في اتجاه الأفق لجواد امديدش

سيرة ذاتية تبحث في سنوات ما بعد السجن

السبت 25 يوليوز 2009 - 13:33
جواد امديدش يتوسط ربيعة المرضي وخديجة رياض

صدر أخيرا للكاتب والمعتقل السياسي السابق جواد امديدش كتاب جديد باللغة الفرنسية بعنوان "vers le large" أي في اتجاه الأفق أو المدى عن "دار مرسم للنشر" بالرباط

واحتفت بالكتاب أخيرا المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالدارالبيضاء، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، مساء يوم الثلاثاء 21 يوليوز بالمكتبة الوطنية بالرباط، بحضور المؤلف وخديجة رياضي، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وربيعة المرضي، زوجة المناضل الراحل إدريس بنزكري، التي قدمت قراءة في الكتاب، ومجموعة من المناضلين السياسيين، والمعتقلين السابقين، الذين رغبوا في مشاركة الكاتب تقديم عمله الإبداعي الثاني، بعد عمله الأول "الغرفة السوداء" الصادر عام 2000، الذي حظي بانتشار واسع في طبعتيه الفرنسية والعربية، وجرى إخراجه في فيلم سينمائي بعنوان "درب مولاي الشريف" من طرف المخرج السينمائي المغربي حسن بن جلون.

"في اتجاه الأفق"، رواية تطالعك منذ صفحاتها الأولى بعوالم السجن، وبالتحديد السجن المركزي بالقنيطرة، الذي قضى فيه الكاتب أربع عشرة سنة وبضعة أشهر من الاعتقال، رغم انسحابه من منظمة "إلى الأمام" بفترة قبل اعتقاله، وعدوله عن العمل السياسي، إذ يقدم في الجزء الأول من الكتاب المعنون بـ " السجن المركزي بالقنيطرة" 19 فصلا قصيرا، يتحدث فيها جواد امديدش عن سنوات السجن بالقنيطرة، ليس من جانب ذاتي، بل من جانب غيري أيضا، ويسرد قصص بعض السجناء، الذين لا يفصح عن أسمائهم الحقيقية، احتراما لهم ولمعاناتهم، متطرقا للعديد من المواضيع الفلسفية، التي ظهرت بشكل عرضي لدى العديد ممن كتبوا عن سنوات الاعتقال والسجن بالمغرب، وأبرز تلك المواضيع، كما ذكر الكاتب نفسه في اللقاء التقديمي للرواية بالرباط، السنوات التي تمر من عمر الإنسان في السجن من غير أي وجه حق، والإحساس بالملل والرتابة، والمرأة، التي يشكل الحرمان منها معاناة مضاعفة بالنسبة للإنسان السجين.

وفي هذا الإطار، صرح جواد امديدش، أن مجموعة من السجناء كانت لهم علاقات مع النساء وهم داخل السجن، ومنهم من تزوج في السجن، وعن نفسه قال "لم يكن ممكنا بالنسبة إلي تقبل علاقة مع أي امرأة وأنا معتقل".

ومن بين الموضوعات الأخرى التي يتناولها الجزء الأول من هذا العمل، الحمق أو الجنون، تناولها الكاتب من خلال شخصيتين رمزيتين، رغب من خلالهما في التعبير عن فقدان العقل في السجن، الذي كان يهدد الجميع، إذ قال إن كل واحد من السجناء، كان له حمق من نوع خاص.

وفي الجزء الثاني من الكتاب، الذي يحمل عنوان "في اتجاه الأفق"، يتحدث الكاتب في 11 فصلا قصيرا عن مرحلة ما بعد السجن، وتحديدا اللحظات الأولى لاعتناقه الحرية، التي كانت صدمة بالنسبة للكاتب وهو في سن 38 من عمره، التي عبر عنها في اللقاء بقوله "يخرجوننا من الأسوار، التي سجنونا فيها سنوات طويلة، ويقذفون بنا إلى العالم الخارجي، هكذا دون تهيئ . لقد كان أمرا فظيعا بالنسبة إلي، لم أتقبله بسرعة وراودتني مجموعة من الأسئلة: إلى أين سأذهب؟ وهل ستتحملني عائلتي كما تحملتني وأنا في السجن؟".

إضافة إلى العديد من التفاصيل المتعلقة بآخر ليلة في السجن، وأول يوم من الحرية، يتناول الكاتب في الجزء الثاني من الكتاب مجموعة من المواضيع والملاحظات التي قام بها بعد خروجه من السجن، حول مدينة الدارالبيضاء، وحول النساء، وتحديدا زوجات المعتقلين السياسيين، اللواتي طالبهن الكاتب بالكتابة عن معاناتهن، وعن المشاكل، التي عاشنها وأزواجهن خلف القضبان. هذا ناهيك عن بعض البورتريهات، التي أعدها الكاتب عن بعض المعتقلين السياسيين، والتي سبق له نشرها في الصحافة، وضمنها في كتابه لما لها من أبعاد فنية، برأيه، وخاصة منها بورتريه الكاتب والصحافي، والمناضل السياسي الراحل عبد الفتاح الفاكهاني، الذي اعتبر امديدش رحيله، خسارة للثقافة، والصحافة المغربية.

رغم أن عنوان الكتاب "في اتجاه الأفق"، يفصح عن تناول الكاتب لسنوات ما بعد الاعتقال، إلا أن تلك السنوات كان لها تأثير كبير على الكاتب، وعلى كتابته، خاصة كتابه الأخير، الذي يخصص فيه جزءا كبيرا للحديث عن السجن، ولا يتحدث عن الفترة التي تلت الاعتقال والسجن إلا بشكل مقتضب. وهو الأمر الذي عبر عنه الكاتب في رده على سؤال لـ "المغربية" بقوله "السجن لم يفارقني ولو للحظة واحدة، ومن المستحيل أن أكتب كتابا مستقبلا ولا أتحدث فيه عن السجن. فمن قضى ليلة واحدة في درب مولاي الشريف لا يستطيع نسيانها، فكيف بي أنا، الذي قضيت أجمل أيام عمري في السجن. السجن مازال يسكنني، ولا أظن أنه سيغادرني أبدا، فأنا أحلم أحيانا بالعودة إلى سجن القنيطرة، من أجل أن أستعيد بعض اللحظات، وتلك الوحدة الإيجابية ، التي مكنتني من القراءة بكثافة".

يطرح كتاب "في اتجاه الأفق"، الذي يقع في 168 صفحة من الحجم المتوسط، منذ البداية إشكالية جنس الكتاب، الذي يصر صاحبه على تجنيسه بالرواية، فيما هو سيرة ذاتية وغيرية، يلجأ فيها إلى التخييل، وإلى عدم الكشف عن العديد من الأسماء، وهو الأمر الذي أثار حفيظة أحد المعتقلين السابقين، الحاضر في اللقاء، الذي لم يتقبل الطريقة التي كتب بها امديدش عن أصدقائه في السجن، وطالبه بإنصافهم على مستوى الكتابة، لكن الكاتب لم يتقبل تلك الملاحظة، وقال إن كتابه عمل إبداعي بالأساس.




تابعونا على فيسبوك