احتضنت مدينة شفشاون يومي 18 و19 يوليوز الجاري، الدورة 24 من المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث، الذي نظمته جمعية أصدقاء المعتمد بن عباد بدعم من وزارة الثقافة، تحت شعار "القصيدة المغربية: هويات ممكنة"
وحول الجديد، الذي حملته هذه الدورة الرابعة والعشرين من المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث، صرح الناقد شرف الدين ماجدولين، مدير المهرجان لـ "المغربية"، أن هذا المهرجان أعرق مهرجان شعري في المغرب، يعود إلى الستينيات من القرن الماضي، التأم منذ سنوات بعيدة حول قضايا، ومحاور، تداخل فيها الهاجس الجمالي بالهموم الإنسانية، وبالانشغالات الفكرية والسياسية.
وأضاف أنه على امتداد أزيد من أربعين سنة، "تطارح الشعراء، والنقاد المغاربة أسئلة المنجز الشعري، في جدله مع المرجعية الأدبية الكونية، وقضايا الحداثة، والتلقي، والتجريب، وإشكال الغرض الشعري، ورهانات ترجمة الشعر، وقصيدة النثر، وغيرها من القضايا، التي طرحت في خضم لحظات، اصطخبت دوما بأعمق التجارب والإنجازات الشعرية، وشهدت حضور أصوات تباينت طرائقها في التعبير الشعري، منها من استمر في حضوره معنا، ومنها من آثر البحث عن ضفاف أخرى، أكثر استيفاء لشروط التألق واللمعان، قبل أن ينتهي هذه السنة إلى محور هو إقرار ضمني ببداهة التجاور بين اللغات، والأنواع، والأهواء، ومناقضة لأوهام الغلبة، والاستقواء الرمزيين، وضعنا له عنوان "القصيدة المغربية هويات ممكنة". كما راهنت الدورة الحالية على ضمان الاستمرارية، وسعت إلى تثبيت هوية المهرجان الشعري، في مشهد يزدحم بالمواعيد الفنية ذات الإمكانيات المالية الضخمة، والإقبال الجماهيري الواسع".
وعن الانجازات التي حققها أعرق مهرجان شعري بالمغرب للشعراء والشعر بالمغرب، و مساهمته في مسايرة أسئلة الراهن الشعري المغربي، ذكر ماجدولين أن استعادة بعض تفاصيل المسار، الذي قاد تجربة مهرجان أصدقاء المعتمد إلى التحول، من موطئ قدم لتجارب جديدة في تشكيل المعنى الشعري، إلى قاعدة لإضفاء الشرعية على أصوات يافعة، والدفع بأخرى إلى مجاهل البحث عن نسغ تكوين مستعصي، ثم إلى لحظة للبحث عن التماسك والاستمرار، قد يكون مراجعة مضيئة لما يمكن أن ينهض به هذا المهرجان مجددا. ذلك أن العنفوان لا تحميه النوايا الطيبة، وإنما يسنده الإيمان العميق بجدوى الاستمرار. وقال "نعتقد أن مشاركة الشعراء المغاربة، ليس في برنامج القراءات فحسب، بل في التفكير في صيغته، ووظائفه، وسبل تطويره، وانخراطهم في همومه، وتفاصيله هو الكفيل وحده بمده بدفقات دم جديدة، ودرء أحاسيس الفسولة واللاجدوى.
صحيح أن تحولات الزمن الثقافي المغربي، وتغير سياقات الإنتاج والتداول الأدبيين، مع ما اتصل بهما من أزمات، نعيش بعض لحظاتها الأكثر حدة في الوقت الراهن، ولد قيما بعيدة عن تلقائية وهج البدايات، مما حد تدريجيا من تأثير المهرجان الشعري، بيد أن الشيء الأكيد، أن المهرجان مستمر في تمثيله للذاكرة الحية، المحصنة للوجدان الجماعي، وإن كانت ذاكرة أفراد معدودين. فالشعراء المغاربة، بكل أصنافهم ومراتبهم وانحيازاتهم العقدية، ليسو في العمق إلا مجازا كبيرا لرفض تعثرات الواقع، وأعطاب الحاضر الثقافي".
وأضاف أنه بقدر ما كان المهرجان، رمزا للذاكرة، صار من اللازم مع مضي الزمن ألا يتحول إلى أيقونة جامدة، مكرسة لرؤية منغلقة، تستكين إلى مديح الذات والقناعة برصيد الماضي، وأن يصبح محطة عبور إلى أفق أرحب يوسع من دائرة الانفتاح، على اللغات، والتجارب، والقناعات، والأجيال، مع تفاوت المراتب والصيغ والانحيازات الشكلية. من هنا كان التطور المرتهن لتحولات القصيدة المغربية ضمانا للاستمرار والتجاوز ومجابهة أزمات الفعل والتداول.
وأشار ماجدولين إلى أن المهرجان، من جانب آخر، "عكس إلى حد بعيد أسئلة المنجز الشعري المغربي، بيد أن هذا المعطى التاريخي لا ينبغى أن يجرنا إلى الحديث عن تأسيس شعرية حديثة، وطليعية. المهرجان في هذا السياق، يجب أن يتناول على نحو بعيد عن المبالغات غير العلمية، وأن ينظر إليه في حجمه الحقيقي، ضمن سياقه التاريخي الخاص، وهو ارتسام يشكل في اعتقادي أحد تجليات تبجيل الماضي وأسطرته، التي تدمغ استعادتنا للحظة المنقضية والغائبة. الحكاية ببساطة يمكن تمثلها باستيعاب نوع الفراغ الحاصل حين ذاك على مستوى الملتقيات الثقافية، بحيث شكل المهرجان حدثا استثنائيا في الحركة الأدبية المغربية، كانت تستدعى له أسماء شعرية مهمة (مثلما تستدعى الآن أسماء أخرى لا تقل أهمية)، وتكون اللحظة مناسبة للتداول بين الشعراء والنقاد حول القضايا المركزية التي تشغل تفكيرهم، من القضية الفلسطينية إلى سؤال الحداثة، إلى "أوجاع النكبة" إلى غيرها من القضايا الكبرى، التي هيمنت على الضمير الجمعي في منتصف القرن الماضي المصطخب بالحراك.
ويحدث الأمر ذاته اليوم مع تبدل الإطار الحاضن. فبدل المهرجان الشعري الوحيد نحن أمام موجة من الملتقيات والمهرجانات الشعرية الملتئمة خلال السنة، بعضها تنظمه جمعيات صغيرة في مدن نائية، وبعضها مختص في دعوة الجيل الجديد من كتاب الإنترنيت، وهي ملتقيات مفيدة وتتكامل مآربها مع المقصد الثقافي لمهرجان الشعر الوطني بشفشاون، الذي يسعى إلى البحث عن نوع من التوازن في الأسماء المدعوة، بحيث تمثل الأجيال والتجارب، والحساسيات المختلفة".
وعن الدور النقدي والإبداعي للمهرجان، ذكر ماجدولين أنه مازال حاضرا في نواته الأصلية، وما تغير هو اللحاء الخارجي فقط، تبعا للتحول العميق، الذي عرفة الإبداع الشعري المغربي عبر العقود الأخيرة. وقال إن ما صنع الشعرية المغربية الحديثة ليس المهرجانات، كما كانت، أو كما هي مستمرة اليوم، إنما صنعتها عوامل ثقافية وفكرية وجمالية أكثر تعقيدا، وما لحظة المهرجان إلا تجميع لحصيلة ثراء أو بؤس ناجز سلفا، إنه أشبه بمرآة محايدة، لا منبعا لصياغة الرؤية والحس التعبيريين.
وشارك في المهرجان كل من الشعراء: عبد الكريم الطبال، و والمهدي أخريف، وثريا ماجدولين، وأحمد لمسيح، ومحمد بودويك، ورجاء الطالبي، وإسماعيل أزيات، وأحمد بلبداوي، وعبد السلام الموساوي، ومحمود عبد الغني، ومراد القادري، ومحمد بشكار، وخالد الريسوني، وعبد الجواد الخنيفي، وحسن نجمي، وعبد الحميد جماهري، وأمينة المريني، وكمال أخلاقي، وفاطمة الزهراء بنيس، وعبد الحق بن رحمون، وإدريس علوش، ونجيب خداري، وعائشة البصري، وعبد اللطيف شهبون، وفاطمة الميموني، وعبد السلام مصباح، ومحمد بنيعقوب، وإيمان المنودي.
وعرفت التظاهرة مشاركة نخبة من الشعراء المغاربة، من حساسيات وأجيال مختلفة، تناوبوا على قراءة قصائدهم الجديدة بفضاء القصبة الأثري. كما تطارحوا مجموعة من الإشكالات المتعلقة بالقصيدة المغربية، التي لا يمكن حصرها في القصيدة العربية الفصيحة، ولا في قصيدة النثر، المهيمنة في الوقت الراهن، بحيث اعتبر النقاد والشعراء المشاركون في الندوة النقدية حول "القصيدة المغربية: هويات ممكنة"، وهم عبد الله شريق، وحسن مخافي، ومحمود عبد الغني، ورجاء الطالبي، ومحمد المسعودي، أن القصيدة المغربية أشبه ما يكون بأرخبيل تتجاور فيه كل الجزر مكونة فضاء وطنيا مشتركا، دون أن تكون مندمجة في بعضها البعض. ولهذا فالشعر المغربي هو جماع تجارب عربية، وأمازيغية، وفرنسية، وإسبانية، وقصائد فصيحة، وأخرى زجلية، وعمودية، وتفعيلية نثرية، وقصائد القضايا والتفاصيل اليومية، إنه هويات مفتوحة على الممكن، لا يشترط فيها التجانس، والتناغم، والانسجام.