يندرج كتاب المؤرخ المغربي عبد الأحد السبتي، الصادر حديثا عن دار توبقال للنشر بعنوان "بين الزطاط وقاطع الطريق: أمن الطرق بالمغرب ما قبل الاستعمار"، ضمن مشروع فكري يمتد على مدى أكثر من عقدين من الزمن
ويسعى من خلاله السبتي إلى البحث في تاريخ المغرب وتجديد فهمه بالاستناد إلى ثلاثة أمور رئيسية: أولا، متابعة الإنتاج الإسطوغرافي المعاصر في الجامعات المغربية، متابعة كمية وتحليلية في الآن نفسه، والإنتاج الإسطوغرافي التقليدي، الذي اشتغل عليه منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي في دراسة حول الأدبيات الجينيالوجية. ثانيا، الاشتغال على مدة زمنية طويلة، تمتد من الحقبة المسماة بالعصر الوسيط، إلى الزمن الراهن، مرورا بمرحلة ما قبل الاستعمار ومرحلة الحماية. وثالثا، تتبع نتائج أبحاث العلوم الاجتماعية، وبالأخص الأنثروبولوجيا، وأيضا تتبع إبداعات الفاعلين في ميادين معرفية أخرى، وبالخصوص في ميدان الأدب.
ويلاحظ المتتبع لأعمال عبد الأحد السبتي، وهي كثيرة، أن همه المعرفي الرئيسي، هو تفكيك الكتابة التاريخية المغربية وكشف مواطن الانحباس فيها، وإخراجها من الأنفاق الإسطوغرافية، نفق تقديس النصوص، أو المقاربة الأرشيفية الصرفة، نفق الرد على الكتابات الاستعمارية، نفق الاقتصار على الأبحاث المرتبطة بالشهادات الجامعية.
تموضع كتاب عبد الأحد السبتي، الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه الدولة ناقشها السبتي عام 2005 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، في سياق تجاوز الإسطوغرافية الجامعية على النحو الذي تظهر به في الدراسات الأساسية من رسائل وأطروحات ذات البناء التقليدي، وإخراج البحث التاريخي من التناول المعطياتي، والتناول الأرشيفي، والتناول الوطني، وفتحه على التفسير، وذلك بالتنبه إلى قضية المجال كإشكالية رئيسية، واستثمار مفاهيم جغرافية وأنثروبولوجية لرصد بنيات المغرب قبل الاستعمار، أي تلك التي ورثها منذ العصر الوسيط، على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وهذا التموضع يتخذ من التركيب إطارا للدراسة.
وفي واقع الأمر، إن عملية التركيب هذه هي التي مكنته من فتح أفق عريض من الوجهة المعرفية، وجعلت الكتاب، برأي المهتمين، يحتل مكانة أساسية، ليس فقط في حقل التاريخ، وإنما أيضا في حقول معرفية أخرى، وفي طليعتها الأنثروبولوجيا، والجغرافيا.
وفي هذا السياق نستحضر ما قاله المؤرخ الفرنسي مارك بلوك (Marc Bloch) عندما تحدث عن التركيب التاريخي، كونه يسدي خدمات أهم من الكثير من المونوغرافيات، وأيضا كونه يمنح للتاريخ مكانة بارزة بين العلوم الاجتماعية. فإذا كانت المونوغرافيات تمنح إمكانية فهم القضايا المحلية، ومن ثمة الأخذ بالأدوات الضرورية لفهم القضايا ذات البعد المجالي الأكثر سعة، فإن المنحى التركيبي يبقى ذا فائدة معرفية كبيرة لأنه يوسع منظار المؤرخ، ويحفزه على مراجعة المسلمات وصياغة الفرضيات وتغيير مسارات الفهم والتأويل، ومن ثمة توجيه الدراسات.
ولعل التمفصل الرئيسي لهذا التركيب يتجلى في معالجة إشكالية التاريخ الاجتماعي للمغرب، عبر موضوع تنجذب حوله قضايا كبرى، وتظهر فيه التقاطعات الاجتماعية والسياسية والثقافية.
لقد ركز عبد الأحد السبتي على ظاهرة اجتماعية، هي "الزطاطة"، لكتابة تاريخ اجتماعي تنعكس فيه التمفصلات المهيكلة للبناء الاجتماعي: المعرفة والسلطة، والمادي والرمزي، والمركز والهامش، وحددَ، في المنطلق، دلالاتها التاريخية والاجتماعية. فالزطاطة تعني في الأصل، إلى حدود التدخل الاستعماري في المغرب "ما يؤديه المسافر لمن يخفره، ويحميه في الطرق غير الآمنة التي يرتادها اللصوص والقطاع"، لكنها دلالة متغيرة في الزمن. فهي مؤسسة اجتماعية وسياسية ذات أساس تاريخي، وذات امتداد اجتماعي أيضا، من حيث الدلالة الاستعارية.
فبعد الاستقلال، وبفضل "عملية استعارية تنتمي إلى معجم الرشوة" نجت الكلمة من الضياع، ودخلت في نسق معجمي يحيل على ممارسات يومية، إدارية - مخزنية بالدرجة الأولى، على ظاهرة اجتماعية، على سلوك ثقافي، أو يحيل إلى استعمال عامي يستند إلى "الخبرة العملية، والقدرة على إيجاد المخرج المناسب في الظروف الصعبة"، وهذه الدلالات العامية قد نلتقي بها أحيانا حتى في الخطاب الصحفي والسياسي.
ومن خلال مفهوم "الظاهرة الاجتماعية الكلية"، الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس (Marcel Mauss)، والقائمة على أساس تناسب ثلاثي الأبعاد، سوسيولوجي تزامني، وتاريخي تعاقبي، وفيزيو- سيكولوجي، تناول عبد الأحد السبتي قضية الزطاطة هذه التي تعبئ في آن واحد كامل المجتمع ومؤسساته. "فهي تكشف أساليب مختلف أنواع المؤسسات الدينية والقانونية والأخلاقية، وهي في آن واحد مؤسسات سياسية وعائلية. هذا إلى جانب المؤسسات الاقتصادية التي تفترض أشكالا خاصة من الإنتاج والاستهلاك، والظواهر الجمالية التي تنتجها هذه الوقائع والظواهر المورفولوجية التي تعبر عنها هذه المؤسسات".
إن ما يترقبه قارئ التاريخ من المؤرخ، سواء كان هذا القارئ محترفا أو مستنيرا، هو تفكيك الماضي وإشراكه في فهم هذا الماضي عبر موضوعات تتقاطع فيها القضايا والأسئلة، وتتعدد فيها مستويات قراءة النصوص وتأويلها. وتشكل هذه الرؤية المنهجية محطة مركزية في الكتاب. وتظهر مسألة تقاطع القضايا والمستويات والأسئلة في كتاب عبد الأحد السبتي من خلال التركيز على السياقات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتوظيف أجناس مصدرية متعددة، رحلية، وإخبارية، ومناقبية، وفقهية.
وتعدد السياق هذا هو الذي أخصب موضوع الزطاطة وموضعه في ملتقى متعدد المسالك، إذ تفرعت عنه المظاهر والحالات والأسئلة، وجعلت عملية التحليل تنتقل من تصنيف النصوص إلى تصنيف القضايا التاريخية، والاجتماعية، والثقافية، ومن تبيان شبكة المسالك، والطرق إلى استجلاء لغة تمثل التراب، ومن الكشف عن سياق الأحداث، والوقائع إلى إثارة إمكانيات المقارنة، والتنظير.
ومن القضايا الأساسية التي خضعت للمراجعة في سياق التقاطع المذكور، نذكر على سبيل المثال ثنائية "بلاد المخزن" و"بلاد السيبة"، التي تظهر في كتب الرحلة الاستكشافية، التي جمعت بين الوصف الجغرافي والثقافة الإثنوغرافية، خاصة كتاب شارل دو فوكو المؤلف في نهاية القرن التاسع عشر. فعندما يتناول عبد الأحد السبتي قضية الانتقال من المجال إلى التراب، التي تعبر عنها أشكال تأمين الطرق، فإنه يكتشف "قدرا كبيرا من المرونة، وتمفصلا معقدا بين التدبير المحلي والتدبير المخزني"، وهي أمور لا يمكن فهمها إلا بالتنبه للتشكيلات المجالية، التي تحيل على "خصوصية مفهوم التراب في النسق المغربي التقليدي"، وهي محطات المسالك الطرقية، وثنائية المجال (الغرب/الحوز)، وظاهرة الأطراف والتخوم، ومسألة الطرف القريب من المركز.
لقد فتح عبد الأحد السبتي، من خلال ظاهرة الزطاطة، مسلكا للبحث في تاريخ المجال، وانتقل عبر فصول الكتاب، ونصوصه، من تاريخ المجال إلى مجال التاريخ، ومن مجال التاريخ إلى تاريخ المجال. وبتعبير آخر، إذا كان صاحب الكتاب قد اتخذ من أمن الطرق قضية أساسية لتناول تاريخ المجال، تاريخ التراب الجغرافي بالمغرب في بعده الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي قبل دخول البنيات الاستعمارية الحديثة، فإنه جعل، من أمن الطرق، على نحو جدلي بين، موضوعا خصبا للتاريخ، ونافذة واسعة لفهم هذا التاريخ.
محمد حبيدة عن موقع رباط الكتب الإلكتروني.