طاهر رياض لـ المغربية:

لا نقد للشعر في العالم العربي اليوم

الخميس 09 يوليوز 2009 - 09:43

ذكر الشاعر الفلسطيني طاهر رياض أن فكرة تنظيم تظاهرات على مستوى العالم العربي، احتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية لهذا العام، مرت بشكل باهت في العديد من مدن وعواصم العالم العربي، وحتى تلك القريبة من القدس، لم تشهد تظاهرات مناسبة، ولا لقاءات تعكس المكانة ا

وأشار الشاعر، الذي حل رفقة مجموعة من الشعراء والكتاب الفلسطينيين، ضيفا على مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف، الذي خصص دورته الأخيرة للاحتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009، إلى أنه لاحظ على مستوى المغرب العربي اهتماما واضحا ومشكورا، ليس احتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية لسنة واحدة، بل من أجل ترسيخها عاصمة دائمة للثقافة العربية، لأنها جوهر الوعي العربي، وجوهر الصراع الوجودي.

وأضاف رياض، الذي أصدر أخيرا ديوانا بعنوان "ينطق عن الهوى" منعته الرقابة بالأردن بدعوى تعرضها للمقدس الديني وتطاولها عليه، في تصريح لـ "المغربية" أن ديوانه مازال ممنوعا بالأردن، وأنه استعاد النسخ التي احتجزتها الرقابة، وقام بتوزيعها في العالم العربي.

وقال " للأسف في الوقت الحاضر هناك من هو ضيق الأفق، ولا يستوعب أن الشعر هو عالم الاستعارات، والرموز، والكنايات، وليس عالما للأفكار المباشرة المضادة، أو المواكبة. على أي حال، ليس هناك اليوم من يمنع الكتاب عن من يرغب فيه، ففي عالم الأنترنت والفضائيات، من الغباء أن نمنع أحدا من الكتابة، أو النشر".

وحول تجربته الشعرية المائزة، التي يستحضر فيها الرموز الدينية، والمعاني الصوفية، المتضمنة في الكتب السماوية، واشتغاله على صهرها في النص الشعري، التي راكم فيها لحد الآن ستة مجاميع شعرية: "شهوة الريح" 1983، و"طقوس الطين" 1985، و"العصا العرجاء" 1988، و" صلاج الوقت" 1993، و"الشجار على مهلها" 2000، ثم "ينطق عن الهوى" الصادر هذا العام عن "دار أزمنة للنشر" ببيروت، ذكر رياض أن ديوانه الأخير، الذي أطلق فيه العنان لهواه الشعري، يعد تطورا في تجربته الشعرية ككل، التي أصبحت أكثر طراوة من التجربة السالفة، باشتغالها على البعد الصوفي في الكتابة الشعرية، واستخدامها للمصطلحات الصوفية والدينية برؤية معاصرة ومختلفة عما سبقها.

وعن الواقع الشعري العربي، الذي يعج بأسماء كثيرة من الشعراء، أشار طاهر رياض إلى أن "الشعراء كثر، ولكن الشعر قليل جدا، فنحن نسمع يوميا أسماء شعرية تكاد توازي أسماء المغنيين الجدد.

وهناك من الشعراء من جرأ الناس على كتابة الشعر، وعلى النشر لسهولة ما سمي بقصيدة النثر. أنا لا أنتقص من قيمة قصيدة النثر، ولكن الكثيرين استسهلوها، لدرجة يمكن فيها لأي كان أن يكتب أي شيء ويسميه قصيدة نثر وينشرها على هذا الأساس دون حسيب أو رقيب. وبعد إصداره لمجموعة أو اثنتين يصبح شاعرا مكرسا، يفتي في الشعر وفي الثقافة. إن هذا الأمر مزعج فعلا، ومع ذلك تظل هناك أسماء مهمة في قصيدة النثر، أو في القصيدة العمودية، تقدم الجديد، وهي أسماء قليلة جدا".

أما عن النقد الشعري السائد في العالم العربي، فذكر رياض أنه "لا نقد للشعر في العالم العربي اليوم، هناك محاولات نقدية ولكنها لا ترقى إلى مستوى النقد الحقيقي، لأنها لا تقدم مناهج لقراءة النص الشعري، بل تقلد المناهج الغربية، وتحاكم من خلالها النص الشعري العربي مثل أي نص آخر. ليست هناك معايير ولا مواصفات حقيقية للدراسات النقدية، وهذا كله أدى إلى الفوضى الشعرية التي نشهدها اليوم".

وأضاف أن الحركة النقدية العربية على ضعفها تتجه أكثر للكتابة عن الرواية والقصة القصيرة، ولا تلتفت للتجارب الشعرية، ولا تواكب حتى التجارب الشعرية المتميزة، التي تركت بصمات في الشعر العربي ككل.

وعن الشاعر العربي الكبير الراحل محمود درويش، تحدث رياض لـ"المغربية" بالكثير من الأسى عن صديقه، واعتبره مقيما دائما، وليس راحلا، بفضل تجربته الرائدة. وأشار إلى أن الكثيرين لم يكونوا يعرفونه بشكل جيد، فهو إنسان طيب، وشاعر حتى النخاع، لم تحجب تجربته الشعرية، التي ينعتها الكثيرون بـ "الغابة الشعرية" تجارب الشعراء الفلسطينيين الآخرين، وقال " لا يحجب صوت شاعر صوت شاعر آخر، إذا كان شاعرا حقيقيا، لكن الذين حجبوا هم الذين قلدوا تجربة محمود درويش، منذ البداية، فلم يستطيعوا مواكبة تطوره المستمر، ومغامراته الفنية والجمالية، ولذلك قالوا إن درويش حجب تجربتهم.

أما الشعراء الذين اختطوا لأنفسهم طريقا مغايرا، ومدارات شعرية جديدة خاصة بهم، مستمرون ومازالوا يقدمون الجديد والمبدع".

بالأسى والمرارة نفسيهما، تحدث أيضا الشاعر الفلسطيني طاهر رياض وعيناه تدمعان، في الحوار الذي اقتنصته منه "المغربية" في لقاء شعري بالرباط، عن الديوان الأخير للشاعر الكبير محمود درويش، الصادر أخيرا عن "دار رياض الريس" بلبنان بعنوان " لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي"، واعتبره إساءة كبيرة في حق الشاعر محمود درويش، وجريمة لا تغتفر، لأن ما نشر مجرد مسودات، وليس عملا شعريا متكاملا.

وقال " حينما فتح بيت الشاعر، المقيم بيننا دائما، لم أكن في عمان، فقرر بعض الأصدقاء أن يعطوا المخطوطة للروائي الفلسطيني إلياس خوري، وهو للأسف لا يعرف الشعر وليست له دراية بالوزن، ودرويش كما يعرفه الجميع، يهتم بالإيقاع، والوزن بشكل نادر، وما كان لينشر قصيدة قبل أن يراجعها مائة مرة، ويقرر أن هذه الكلمة بدل هذه، وهذا الحرف بدل هذا، ثم يمزق مسوداته. فأن يجري السطو على مسوداته، ونشرها كما هي، فهذا برأيي إهانة كبيرة للشاعر، وجريمة في حقه، وفي حق تاريخه. للأسف، أنا لم أطلع على المخطوطة، فقط رأيت بعض القصائد بخط يده قبل رحيله بيوم واحد. لقد جرى ما جرى، ولا أعرف كيف يمكن إنقاذ هذا الكتاب الفضيحة والجريمة؟".

وأضاف رياض، الناشر أخطأ وإلياس خوري أخطأ، لأنه ما كان يجب أن ينشر الكتاب قبل أن يعرض على شاعر متمكن، ليراجعه. والناشر يقول إنه لم يحصل على المخطوطة بيد الشاعر محمود درويش، مما جعله يعتقد أنها مصححة. ما كان يجب أن تنشر تلك المخطوطة، التي لم يتممها درويش، بل كان يجب أن توضع مع كتبه في متحف، لكن أن تنشر في ديوان فتلك جريمة، فلو كانت هناك قصائد منتهية لوضعها على جانب، أما تلك القصائد المنشورة فلم ينته منها ولم يكن ينبغي نشرها".

وحول درويش الإنسان، الذي سيصدر رياض قريبا كتابا عنه، يضم الكثير من التفاصيل والصور، التي ستنشر لأول مرة، ذكر رياض أن "أغلب الناس لديهم أفكار مغلوطة عنه، فهناك من يصفه بالغرور، والتكبر، وهناك من يصفه بالثراء الفاحش، وهذه أشياء مضحكة، لأن من يعرف درويش يعتبر ما يسمونه غرورا خجلا، وحياء وارتباكا، فقبل أن يقبل على أمسية شعرية كان يرتبك كتلميذ صغير، إذ كان خجولا ومتواضعا جدا، ويتابع الشعرية العربية، وحينما يجد اسما مهما يتصل به ويشجعه، كان إنسانا بكل معنى الكلمة وكانت له حالاته الإنسانية. الناس كانوا يعتبرونه إلاها، لقد كان إنسانا عاديا، يحب أن يطبخ بيده، ويحب الطبيعة، واستقبال الأصدقاء".

وعن التعاون الشعري المشترك بينه وبين الشاعر الراحل محمود درويش، ذكر رياض، أن درويش منذ "الجدارية" وحتى آخر مخطوطة، كان يعطيها له كشاعر، ولصبحي حديدي كناقد، ولصديق آخر محامي كقارئ عاد، ليعرف آراءهم، وغالبا ما كان يطلب منهم أن يكونوا قاسين في تقييمهم لشعره، وهذا ما يدل على تواضعه، وعلى قلقه الدائم أمام القصيدة.

من جهة أخرى، كان الشاعر طاهر رياض يستشير درويش في قصائده، وكانت له مع ديوانه الأخير" ينطق عن الهوى" قصة امتدت سنتين، لأنه في كل مرة كان يقدم العمل لدرويش، كان هذا الأخير يطلب منه التأني في الكتابة، وإعادة النظر في مجموعة من الأمور، لدرجة أفقدت طاهر رياض الثقة في نفسه كشاعر، ولكنه في آخر مرة قدم له فيه الديوان قال له "الآن تستطيع أن تقول هذا الكتاب اسمه طاهر رياض ينطق عن الهوى".

تعتبر تجربة طاهر رياض من أهم التجارب الشعرية الفلسطينية، التي تنتمي إلى جيل الثمانينيات، صقل فيها الشاعر تجربته، بعيدا عن تجارب أبناء جيله من الشعراء الأردنيين من أصل فلسطيني، فتميز بابتعاده عن الهم السياسي، والوطني بالمعنى المباشر، فقصيدته مشغولة بالهم الإنساني والوجودي عموما، التي تعبر عنهما بأسلوب خاص، وبلغة تستلهم الموروث العربي الإسلامي، والصوفي بصورة خاصة، لكنها تستلهم ذلك بطريقتها التي تعيد إنتاج هذا الموروث ولا تستخدمه بطريقة الكولاج، التي تسيء للقصيدة.




تابعونا على فيسبوك