نسمات من زمن الحب

12- لذة التفكر

الثلاثاء 07 يوليوز 2009 - 08:39

المحب يستشعر لذة لانشغاله لا تضاهيها لذة أخرى، فإذا أصبح وأمسى مشغولا بربه تحمل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ الله قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وورد من أدعية السلف:

"اللهم !.. اقطع عني كل شيء يقطعني عنك.."

فالعبادة هي الانشغال بالمحبوب واستحضاره في كل الأفعال والتصرفات، فالمحب لا يفعل شيئا يضايق المحبوب أو يخالف أوامره، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في رده على سائل (أما الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فهو يراك).

فالانشغال بالله والشعور بمعيته في كل تصرف هو أساس الدين، فالعبد المحب لربه يستحضر الله في كل معاملاته، بغية حبه ونيل رضاه، ومن ذلك قولهم في الأثر: "الدين المعاملة"، فمعاملتك للناس تعكس دينك وتقواك، والعبد المحب لربه يستشعر مراقبة الله في كل مكان وزمان حتى في ما يخرج من ينطقه (وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، فالله مع عبده إذا ذكره، لا ينساه بل يتقرب منه ويرجيه من رحمته ويطمعها فيها فهو القائل عز وعلا:

(أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).

فالرب سخي العطاء فهو الكريم الرحيم، وذلك تغليب لجانب الرجاء عند العبد وحسن الظن بالله، وهنا تتأتى لذة التفكر والانشغال، كيف لا ... والعبد يستشعر حب الله له، ولا يستطيع أحد أن يستشعر قيمة معية الله سبحانه وتعالى له إلا من أحسها وملئت فؤاده، فيشعر بعظمة الله تعالى وقدرته، وأنه سبحانه وتعالى يحميه ويحتويه ويقيه من كل شر أو ضرر فهو في سكينة كاملة مادام ملك الملوك إلى جواره. وقال أحد الشعراء في أبيات منسوبة لرابعة العدوية يصف حبه لله فقال:

أحبك حبين حب الهوى وحب لانك أهلا لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له فكشفك لي الحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

فعبر عن حب الله بالانشغال بذكره عمن سواه، فهو فالله حاضر في ذهنه، والمحبوب في حالة ذكر متصل، فجل العبادة هي أن تذكر الله، وأن تبتغى رضاه بذكرك، وورد في الإنجيل على لسان طوبيا داعيا أولاده: "وأوصوا بنيكم بعمل العدل والصدقات وأن يذكروا الله ويباركوه كل حين بالحق وبكل طاقاتهم" ( سفر طوبيا 14).

فحين تنقطع الأسباب بالعبد وتختلط عليه السبل، ويتيه في صحراء الجهل وضياع الأسباب، لا ملجأ له إلا ربه، فهو أقرب الناس إليه (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب).

والله يبشر أصحاب الجنة من عباده أنهم سينشغلون داخلها في شأن يشغلهم عن كل شيء دونه، وهو التنعم بالجنة والتمتع فيها فقال سبحانه وتعالى: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) - سورة يس.

والمحب المنشغل بالله يجد بركة في الدنيا وحظا كبيرا في الآخرة، أما المنشغل بمحبوبه، فهو تائه في حبه لا يبتغي سوى مبادلته الحب والإحساس به، تكفيه كلمة حب تأسر وجدانه، أو لمسه بلهفة تسحر عقله وتعلن مدى حبه وحنانه، فأضحى انشغاله بمحبوبه غذاء للروح والقلب، فيخيطون من أشعة الشمس الذهبية ثوب فرح يجمعهم، ويجمعون من ضوء القمر إكليل زهور يعطر بيتهم، فكل لفتة تحمل من الذكريات والمعاني الكثير، الأماني ستأتي يوما وتحقق، عندها سيغزون القمر بحبهم، ويبحرون لشاطئ بعيد بقلوبهم، ويرقصون حتى تنهك أجسادهم، ويركضون تحت المطر لتتبلل شفاههم ... فهم كالأطفال الصغار تجمعهم براءة الشعور ولذة اللعب كالطيور، ومكافأة الانشغال هي اللقاء، وتحول الذكريات لحقيقة تعاش وتستمر دون فراق.

إلا أن للانشغال وجه آخر أن لذة الانشغال لا تتحقق إلا في إطار علاقة واضحة بين الطرفين، كرابط شرعي أو تعاهد بين الأرواح والقلوب عندها فقط يتحقق للانشغال لذته، أما الانشغال المنقطع بأن ينشغل أحد الطرفين بالأخر دون أن يسطر الوضوح علاقتهم، فعادة ما يؤتي ثمارا غير مرجوة بأن يتعلق أحد الطرفين بالآخر دون غاية أو نتيجة، فأحد الطرفين لا يعلم بحب الآخر، وإن أحد الطرفين لا يعبأ بحبه فلابد أن يكون الانشغال متصل بين الطرفين والأجدى بالمحب ألا يشقى نفسه في إطار من التعلق لا يعلم ما هي نتائجه ...
ولنسمات الحب بقية

ومضات من نور:
يا صاحبة السمو... دخلتي حياتي كالرذاذ الذي يسبق المطر... فرويت أرض جدباء عافاها الأمل...عندها فقط تكلم القلب وأشرق القمر...وأصبحت في قربك سكران ... أحلم بأن لا يتوقف المطر.

* كاتب مصري
للتواصل: [email protected]




تابعونا على فيسبوك