أكد إبراهيم سعيد الظاهري، مدير دائرة الثقافة والإعلام بإمارة عجمان، على هامش مشاركته، أخيرا، في ندوة أكاديمية بمدينة مراكش، أنه لم تعد هناك قطيعة ما بين المثقف العربي والمؤسسات الثقافية لاسيما الرسمية،
خصوصا بعدما اكتشفت هذه الأخيرة أن أهل الفكر والإبداع والنقد غير قابلين للتدجين والاحتواء أو المساومة.
ولاحظ الظاهري، وفق ما جاء في بلاغ للمنتدى الثقافي العربي، توصلت "المغربية" بنسخة منه، أن تلك المؤسسات نفسها، في سعيها لإخراج المثقف من دائرة التهميش، مطالبة باحترام خصوصية المثقف والحساسية الثقافية التي يصدر عنها، انطلاقا من الإيمان بالحق في الاختلاف، إذ لا يمكن أن يكون هناك استنساخ للتجارب والأصوات الإبداعية والنقدية والفكرية. ويقول الظاهري أيضا" إنني كمسؤول عن مؤسسة ثقافية رسمية لا أنتظر من الآخر الذي يقارب ثقافتي أن يكيل المديح لأعمالي الروائية أو المسرحية أو التشكيلية، وإنما أن يتفاعل معها بموضوعية ونقد بناء".
وأضاف البلاغ ذاته، أن مدير دائرة الثقافة والإعلام بدائرة عجمان، ينظر نظرة تفاؤل إلى مستقبل العلاقات الثقافية ما بين مشرق الوطن العربي ومغربه، معتبرا أن كثيرا من العوائق الناجمة عن سوء الفهم وغياب التواصل تبددت وزالت، وتأسست ـ عوضا عنها ـ لبنات جسور الحوار والتبادل الخلاق.
واستدل على ذلك بالروابط الثقافية التي تعززت، خلال السنين الأخيرة، ما بين المغرب ودولة الإمارات العربية المتحدة، موضحا أن الأمر لا يقتصر فقط على النشاطات الثقافية والفنية، التي تقيمها المؤسسات الرسمية في كلا البلدين، بل يشمل أيضا منظمات المجتمع المدني. وفي هذا السياق، استدل بمشاركة الشاعر المغربي محمد بنيس في احتفالية ثقافية خاصة بإبداعات الشاعر الفرنسي الشهير مالارميه احتضنتها الإمارات، وأيضا بجائزة الشيخ زايد للكتاب، التي آلت إلى محمد بن عيسى، الوزير المغربي السابق وأمين عام منتدى أصيلة الثقافي، بالإضافة إلى حضور العديد من النقاد والأدباء المغاربة في مؤتمرات وفعاليات ثقافية متنوعة بالإمارات. وفي المقابل، أصبح ثمة حضور لافت للانتباه للمثقفين الإماراتيين في العديد من التظاهرات الثقافية والفكرية والإبداعية، التي تقام بالمغرب، من ضمنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ موسم أصيلة الثقافي والأيام الثقافية الإماراتية بالمغرب والمهرجانات المسرحية وغيرها.
وأثنى الظاهري على سمة التنوع والخصوبة التي تطبع الإبداع المغربي في مجالات الأدب والنقد والبحث والعلوم الإنسانية، ما جعله من بين النماذج الرائدة التي أمست جديرة بالاقتداء في المشرق العربي، خاصة في الإمارات. واعتبر أن من مميزات العمل الثقافي بالمغرب كونه يتوزع ما بين مؤسسات رسمية وغير رسمية، وأن لكل واحدة من هذه المؤسسات توجهها، الذي يختلف عن الأخرى، ما يجعل فرص التعامل معها متعددة، وفق المسار الذي اختاره المثقف.
وجوابا عن سؤال حول قلة الاهتمام بالبحث العلمي في الوطن العربي، قياسا لما هو موجود في بلدان غربية أو شرق ـ أسيوية، ما يؤدي إلى هجرة الكفاءات العربية إلى هناك، أكد الظاهري أن المشكلة تكمن في أن المؤسسات التي يفترض أن تناقش هذه الأمور غير قوية ولا مسؤولة، قاصدا بها هيئات الإعلام والبرلمانات.
وقال "نحن العرب نعلق المسؤولية دائما على الآخر، ونقول إنه يريد أن يفرض علينا الديمقراطية والتعددية السياسية وحرية التعبير بالقوة، بينما لا ننتبه إلى الخلل الكامن فينا". واعتبر أنه لا مبرر لعدم الاهتمام بالبحث العلمي لاسيما في البلدان العربية الميسورة، لكنه استدرك بالقول إن الخطوة الأولى بدأت على مستوى جامعات الخليج.
أما بخصوص عمليات الاستقطاب التي تقوم بها مؤسسات ثقافية وأكاديمية غربية للمثقفين العرب، فأرجع الظاهري ذلك إلى كون المسؤولين العرب عن الشأن الثقافي تركوا الساحة الفارغة لتلك الجهات. وتابع قوله: كل مثقف عربي يتعامل مع هيئة غربية ننعته بالارتزاق أو بكونه سلم نفسه للشيطان، والحال أننا نحن المسؤولين عن ذلك لعدم اهتمامنا به. على أنني أؤكد أن المثقفين الغربيين ليسوا أعداء لنا بالمطلق، بل يجب أن نقيم جسور الحوار معهم، شريطة أن يكون هذا التعامل دون استعلاء أو أحكام مسبقة، ويستحضر عامل احترام كل طرف للآخر". ودعا المثقفين العرب إلى استيعاب مستجدات العصر ومتغيراته، خالصا إلى القول إن العمل الثقافي لا يمكنه أن ينجح إذا تقوقع وانعزل عن محيطه.
يشار إلى أن المنتدى الثقافي العربي قدم توطئة للمحاور التي عرفها اللقاء، الذي احتفى بإبراهيم سعيد الظاهري، مدير دائرة الثقافة والإعلام بإمارة عجمان جاء فيها "في زمن أصبح فيه أغلب المتتبعين والمحللين يوقنون بخطورة الوضع العام، الذي يعيشه العالم العربي في الوقت الراهن، بسبب متناقضات، ومفارقات بنياته السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، التي جعلت منه فضاء جغرافيا وثقافيا سهل الاختراق، والتطويع، لصالح أجندات اقتصادوية، وسياسوية، تهدف بالأساس إلى تكريس حالة التبعية والخضوع والاستيلاب العربي أمام الآخر الغربي، وتجميد كل محاولات التنمية والإقلاع الحضاري الشامل، المبني على أسس تاريخية، وعلمية سليمة، ودعائم سوسيو اقتصادية وثقافية متينة، في ظل معطيات هذه الفترة الخطيرة، التي يبدو أنه قد أمسى من الملح جدا إعادة طرح السؤال حول "وضعية العالم العربي وثقافته بين إخفاقات الأزمنة الحديثة والمعاصرة وبين السيناريوهات الممكنة، في أفق السنوات والعقود المقبلة"، وكذلك حول "السبل الكفيلة بجعل أقدار ومصائر العرب ملك أيديهم لا أيدي الغير، الذي يعتبر أن الحرية والفكر النقدي والديمقراطية وحقوق الإنسان والكرامة هي قيم غربية خالصة الصنع، ولا طريق نحو المخرج من المآزق العربية الحالية سوى تغريب الإنسان والذاكرة والثقافة العربية.
فكيف يمكن من جديد إعادة الاعتبار للإنسان والثقافة العربية في زمن أضحت فيه الثقافة بشكل عام بضاعة معولمة تتحكم في إنتاجها وتسويقها، من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق، شركات عملاقة؟ وكيف يمكن استثمار الخصوصيات الثقافية العربية التي يزخر بها العالم العربي، من الخليج إلى المحيط، في اتجاه إنتاج رأسمال بشري مندمج ومنافس في عالم اليوم؟ ومن أين يمكن البدء في مسيرة بناء قيم جديدة تحفز على المبادرة والابتكار وتبني مسالك العمل المنتج وأخلاقياته، بدل بعض القيم العربية الشائعة التي تقوم على أساس الاكتفاء والانزواء والاتكال، وتبني منطق الاستهلاك والاجترار؟ وما هي الأدوار التي يمكن أن تؤديها المؤسسات العربية الرسمية والمثقف العربي في هذا الباب؟ وإلى أي حد يمكن القول إن العلاقة بين هذين الطرفين دخلت مرحلة التكامل والتعاون؟".