نسمات من زمن الحب

11- الانشغال

السبت 27 يونيو 2009 - 08:36

مهما عبر الحبيب ما زالت الكلمات قاصرة والمعاني محدودة لتعبر عما يجيش في صدر المحب من مشاعر ، والشوق من العلامات التي إن ظهرت لحقتها علامة أخرى، فمن تداعيات الشوق، كثرة التفكير في المحبوب واستحضار تصرفاته وأفعاله ولسان حب المحب يقول:

"أفكر فيك بلا انقطاع أتخيلك معي في كل لحظة، فأنت معي منذ أيقظ الصباح عيوني، فأنت الحبيب الغالي والصديق، ذكرياتنا تخفق بأجنحتها كسرب من الفراشات الملونة فتنير طريقي بالأمل والنور، هنا ضحكنا حتى نسينا أن للحزن مكان في دنيانا ... وهنا لعبنا حتى تعب اللعب واستغاث منا، أنا مشغول بك حتى وأنا معك".
هكذا حال المحب .. شغله المحبوب يفكر فيه باستمرار لا تحلو الحياة إلا معه، يشارك حبيبه لحظات حياته يؤنسه في وحدته، يشير عليه بالحل في مشاكله يعينه، يقويه يكون له السند والحائط الذي يأمن نفسه بجواره ومعه.

والانشغال ليس حكرا على المحبين، فحسب، بل علامة للعديد من المشاعر المتباينة، فهو تعبير عن الإعجاب، أو الاهتمام، أو التعاطف مع الآخر، أو الإحساس بالمسؤولية تجاهه، أو الخوف منه أو عليه، وليس بالضرورة أن يكون موجه لشخص بذاته، بل قد يكون الشاغل مسألة أو هم ألم بصاحبه أو ضائقة أرهقت كاهله. أما أرقى أنواعه هو الانشغال بالمحبوب، وتتمثل في التفكير باسترجاع كلامه، إيحاءاته، همساته، حركاته، فالمحب مشغول به عن الآخرين في حالة من السكر، منتشياً باستحضار روح حبيبه في كل المواقف والأماكن، وإن لم يسعفه مخزون ذكرياته، فيصنع من حياته اليومية شريطا من الأحداث والذكريات، التي لا تنتهي ولا يمل منها، فالمحب هائم في عالم حبيبه، يفكر في صمت، يتجه إلى العزلة وإن جمعته الأحداث بمئات الناس، فيتخيل نفسه وقد جمعه الله مع محبوبه في جزيرة يملأها الحب والسعادة.

ومن أعراض الانشغال: الشرود والعزلة وقلة التركيز وكثرة التفكير، وتتفاوت شدة الأعراض ودرجتها، وفقا لحالة المحبوب ودرجة تعلقه بالآخر، فمنها ما يظهر على المحب واضحا جليا ومنها ما هو خفي في ذاته، وللانشغال درجات عدة نذكر منها ما يعرف باسم الانشغال الطارئ، وهو أن ينشغل الشخص بأمور أو مسألة لفترة زمنية ومع انتهائها تنتهي حالة الانشغال وتختفي، أما الانشغال الزائل فيمثل في أن أحد الطرفين معجب بالآخر، أسره عطره، وسحره كلامه وخطواته، فانشغل به، يتحين فرصه كلامه ولقائه، فعند اللقاء إما أن يتجدد الانشغال مرة أخرى وإما أن يفتر، فإذا دق الحب الباب وفتحت القلوب ذراعيها تغير الحال وتبدل.
والدرجة الثالثة تتمثل في قوة شخصية المحب ورباطة جأشه، فهو منشغل بحبيبه، يأبى أن يظهر انشغاله للناس لظنه أن ذلك ضعفا، أو مجالا للملامة والنصح، فيظهر للناس عدم اكتراثه، بينما مشاعره منفطرة من الانشغال بحبيبه فيعتزل مشاعره أمام الناس لينأى بها عن اللوم والتقريع.

ووصف الشاعر السعودي أحمد شاهر البلوي انشغاله بالمحبوب فقال:

أبدا ما غبت عن عيني ولا غاب القصيد وغبت ولا هدتني الغربة كثر ما هدني غيابك
أنا لا شفت لي شوفه ولا ذاب الخفوق وذبت على بابك تركت خطاي على بابك
وإذا اللي مزعلك مني هجوسي سيدي ما أذنبت أنا اسرح بك وأنا وإياك ولا باقول بأسبابك

فالشاعر ينفي غياب الحبيب، وأن الغربة هي البعد عن الحبيب، فلا يدق القلب إلا له وإذا كان زعل المحبوب لانشغالي عنه، فأنا منشغل به حتى ونحن معا.

والدرجة الرابعة تتمثل في انصهار الحبيب في محبوبه تماما فالحياة في بعده ماهي إلا حصيد خرب، يعيشها بجسده بينما قلبه وفكره وروحه معلقة بحبيبه، يعيش وسط الناس يحاورهم، ويجالسهم، ويتواصل معهم بجسده، بينما روحه على الشاطئ الآخر، حيث يكتمل القمر بدرا، فله في حبيبه المستقر والمتاع، وآخرون يتعدى الأمر ما سبق بأن يعتزلوا العالم، يغزلون من ذكريات الحبيب شرنقة يعيشون داخلها، لا يريدون الخروج منها، فالشرنقة هي الأمان والحصن الذي يحميهم من العالم الخارجي ... عالم يرفضونه لأنه لا يجمعهم بأحبائهم، وأمثلة ذلك في الآباء والأمهات الذين نذروا حياتهم لأبنائهم، فانشغالهم بأبنائهم يتعدى مرحلة الطفولة والصبا والشباب، حتى وإن استقروا وشقوا طريقهم بالحياة فما زال الآباء والأمهات يتعاملون معهم بمنطلق الأولاد، الذين يحتاجون للرعاية والمشورة وأنهم مهما كبروا، فما يزالون صغارا في أعينهم.

أما أرقى درجات الانشغال وأعلاها، حين يكون المحبوب هو الله سبحانه وتعالى، فالمحب في هذه الدرجة يستشعر لذة لانشغاله لا تضاهيها لذة أخرى، فإن العبد إذا أصبح وأمسى وليس همه إلا الله تحمل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ الله قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وورد من أدعية السلف:

اللهم !.. اقطع عني كل شيء يقطعني عنك..
فالعبادة هنا هي الانشغال بالمحبوب واستحضاره ...
ولنسمات الحب بقية

ومضات من نور

تعاتبيني ... إن سكت قلمي عن الكلام وانتحى من الصمت سبيلا للخصام، وأنت التي عاتبني الناس فيك .. فأنت منى الوحي والإلهام والغرام.

*كاتب مصري
للتواصل: [email protected]




تابعونا على فيسبوك