يواصل التشكيلي مبارك بوحشيشي، بحثه في كل ما يمكن أن يجعل لوحاته تعبر عن ذاتها بطريقة تلقائية، وتجعل من الألوان والأشكال سلطة يسائل من خلالها إشكالية الفضاء واللامكان.
يأتي معرضه الحالي، الذي يحتضنه رواق "ورشة 21" بالدار البيضاء، في هذا الإطار، إذ يمكن للون أن يصير هوية "للفضاء، للإنسان، وللمكان والذاكرة والعين"، يقول إنه "بوثقة تنصهر فيها الأطياف، والاختيارات المتقلبة، إنه ينفلت، خصوصا في ميداني الفن وأسلوب العيش من كل سلطة علمية كي يمجد عفويته و بوهيميته".
ويضيف بوحشيشي، الذي يقدم في معرضه الجديد، المنظم ما بين 16 و24 يونيو الجاري، 26 لوحة جديدة، في تصريح لـ"لمغربية"، أن الفن يجب أن يتطور، خصوصا أننا نجد أنه أحذ في العالم كله، مسارا آخر دخلت فيه المعلومة، وبالتالي من واجب الفنان أن ينخرط في طرح أسئلة كبرى ذات بعد إنساني كوني، وأن ينخرط في المخيال العالمي بدل الانحسار في قوقعة المحلية المفرطة، مشيرا إلى أن "الأهم في العمل الفني أن ننظر إلى الشخص الذي أبدعه، لأن الفنان يذوب في أساليب التذوق والتلقي من دون خلفيات أو حساسيات مسبقة، وموضحا أن مغربيته يحملها في داخله أكثر مما يعبر عنها بشكل ملموس في لوحاته.
ويعتبر بوحشيشي الفن بوابة مفتوحة لمعانقة الآخر، بثقافته المختلفة وحضارته وتقاليده الخاصة، مؤكدا أنه من هذا المنطلق يصبح رسالة إنسانية لا تعترف بالحدود الجغرافية بقدر ما تقدس الحوار والتلاقح.
يعترف بوحشيشي أن العمل الإبداعي بالنسبة له مقاومة، إذ يجب فيه حزم حقائب الإبداع وحملها إلى جبهات المراكز وفضاءات الأنترنت الرحب، بحثا عن الضوء والمعلومة..
لعل العمل التشكيلي الذي انخرط فيه مبارك بوحشيشي، منذ مدة، يكاد يتحايل على "التجريد الغنائي أو "التجريد الهندسي"، كما يقول، "لكي لا ينضوي تحت أي مسمى منها، فهو يريده بطعم يشبه اختلافه، يستوعبه ويستوعب خصوصيات تكوينه النفسي والفكري، يطرح من خلاله رؤاه المتحركة منها و الثابتة المقاومة لأي تغيير.
وإذا كانت العين وذاكرتها آلة تصنع اللون والشكل، فإن الفعل التشكيلي، عند بوحشيشي، "عمل آني يعتمد على إخضاع الذاكرة, و منها البصرية، لعمل استرجاعي مفرط في التجريد، أروم من خلاله إلى تجريد بسيط يقتصد في استخدام المفردات و"الموروثات" الشكلية و اللونية مع تحكم في سلوك الذات / الوسيط / الآلة و تطويعه أثناء طقس الرسم رغبة مني للوصول إلى حقيقة تشكيلية".
ومعروف أن مساحات اللون التي يعتمدها بوحشيشي، ممتدة كانت أو محصورة في انتشارها العمودي تنحو نحو التقابل، والتراكب، كأسلوب يمنحها صفة المساحة اللونية المركبة، المدمجة أحيانا، والهشة أحيانا أخرى، حيث تخترقها العين و تنتقل في جغرافيتها، وحيث المساحة المسطحة ظاهريا تلامس العمق وتمنحها ثلاثية أبعاد ووظيفية محسوسة من خلال جنوح قوي إلى ألوان تتراوح بين الرمادي والبنفسجي، وأحيانا أخرى مزيجا من الألوان المتداخلة.
يقول بوحشيشي "أعتقد أن عموم الألوان في أعمالي مؤهلة لاستيعاب شطحات جسدي وحمولته السيكولوجية لاستيعاب صمتي الداخلي وصمت جغرافيا فضاء الجنوب، الذي أسكنه و يسكنني، فضاء أراه يتآمر مع أعمالي لتجسيد اللامنتهي، واللامكتمل مادمت أعتقد أن المكتمل عاجز أو مقفل، ميت ولا متفاعل".
ويرى بوحشيشي أن التشكيليين المغاربة حالمون، والحلم في نظره إدراك جيد للواقع وثورة على الإمكانيات، موضحا أن جيل الرواد استطاع ترسيخ" الحداثة" وأن الشباب اليوم يخطون نحو "منتهى الحداثة" ليسائلوها بأدواتهم المتنوعة والثائرة عموما وليستشفوا أبعادها بتجارب ناضجة لا تخلو من المغامرة و التجريب.
يشار إلى أن مبارك بوحشيشي يستعد لمعرض آخر بباريس نهاية الشهر الجاري، يستمر إلى غاية 12 يوليوز المقبل.