نسمات من زمن الحب

في رحاب الشوق 10

السبت 20 يونيو 2009 - 08:26

عبرت بعض جماعات الصوفية عن هذه المرتبة من الشوق حين سئل أحدهم:
(هل تشتاق إليه) - يقصد الله سبحانه وتعالى- فقال: إنما الشوق لغائب وهو حاضر لا يغيب.

فالشوق له دلالات وصور يفيض بها الله على العبد، فالله مشتاق لعبده كاشتياق العبد بل أكثر، والشوق عند أولياء الله روح العبادة وريحانها.. فالعبد مشتاق لربه ولجنته وثوابه، مشتاق لرؤية وجهه الكريم. فالجائزة الكبرى للعبد المشتاق لربه هي جواره في جنة الخلد ومن أفاض الله عليه برحمته متعه بالنظر إلى وجهه جل وعلا.

وذلك يفسر إعجاز القرآن الكريم بفهمه مكنون النفس البشرية بقوله تعالى مخاطبا اليهود: (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم إنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) سورة الجمعة.

فإن اعتقدتم أنكم أولياء لله فتمنوا الموت لأن الولي يحب لقاء وليه، ومن أيقن أنه ولي لله وجبت له الجنة، وهذا يخالف ما في ضمائرهم ونيتهم. فالمشتاق لله تواق للقاءه حريص عليه، وثبت ذلك في دعاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله:
"أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ الخ.."

فالشوق سمة العبد المؤمن، وكلما اقترب العبد إلى ربه بالعبادات كلما ازداد قربه ووصاله أكثر، وبشر الله المشتاقين له من عباده فقال: (من كان يرجو لقاء الله فإنا آجل الله لآت ) سورة العنكبوت.

فكأن الله عز وجل يطمئن المشتاق، أنه لا بد من أن يصل إلى محبوبه، وأن تقر عينه به. فالعبد المشتاق إلى الله مشغول به حتى يلقاه والشوق غايته القرب، لكن في هذه المرتبة من الشوق لا ينتهي معه فكلما رأيت من جمال المحبوب زدت شوقا إليه.

فقد كان سيدنا أبو هريرة - رضى الله عنه- شديد الشوق لله عز وجل فكان كثيرا ما يدعو: "اللهم إنى احب لقاءك، فأحب لقائي".

فالشوق في مرتبته الثالثة هو استحضار للمحبوب في كل شئون الحياة، فالمحب تواق للقاء حبيبه فرح به مستعد له، والشوق الأعظم هو الشوق لله تعالى.

وتتباين طريقة التعبير عن الشوق بين الشخص وغيره فتختلف الصور، فهناك ما يأخذه شوقه إلى دنيا محبوبه فلا يرى في دنياه إلا من يحب، وهناك من يعتمل صدره هواجس محمومة بغية اللقاء، لا يستطيع إظهارها، فيحاول إخفاءها بإنغماسه في الحياة ملتمساً لنفسه شئ يشغله أو يلهيه وإن حاول فلا يستطيع، فهو أسير لمحبوبه، يشاركه لحظاته وينبض بنبضه.

وعندما يتغلل الشوق لنفس المحبوب يتنحي تأثير العقل، فتجد تأثير القلب صار أقوى، وتخف سطوة العقل وتهدأ. وهذا التفسير ما عبر عنه الفلاسفة بأن الحب جنون، والحقيقة أن المحب عاقل واع يحاسب على كل تصرفاته، لكن الاختلاف أن قوانين الحب تختلف عن الواقع. فالمحب منجذب إلى حبيبه لا يري في دنياه إلا هو، قلبه أسير له، يتحين الفرصة للقاء

فعندما يشتد عليه الشوق يتوكأ على ذكرياته عسى أن تنجده من لواعج الشوق ولفحات الهيام، ويا ليتها تطفئ من ظمأه بل هي كالسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فاشتد ظمأه أكثر. وعبر الشاعر عن ذلك بقوله: "ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته حتى يعود إليها الطرف مشتاقا"، فالعين تشتاق للرؤية والأذن تطرب بالصوت والعقل يهيم برائحة العطر ..

والقلب يزهو بالقرب، فقد سيطر الشوق على المحب وأصبح جل غايته أن يروى ظمأه بلقاء حبيبه وهو أمام شوقه لا يرى عواقب تصرفاته أو تبعاتها، فلا يري من الوجود إلا محبوبه، فينكر الناس ويعبر عن حبه أمامهم جميعاً بل قد يصيح بأعلى صوته معبرا عن شوقه، وعذره أنه أسير في ملكوت محبوبه، وهناك ما يفخرون بجنونهم في الحب، ومن أقوال أحدهم:

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم *** ما لذة العيش إلا للمجانين
وسنتطرق للحديث عن جنون الحب في مقال أخر، ومن أجمل ما قيل عن الشوق ما كتبه الشاعر الغنائي عبد الفتاح مصطفى، وغنته كوكب الشرق أم كلثوم في رائعة (أقولك إيه):

أقولك إيه عن الشوق يا حبيبي أقولك إيه ومين غيرك داري بي
أقول ليالي في هواك أسهر وأفكر ومهما قلت لك في القلب أكتر
شوية إني أقول لك حبيبي يا ريت فيه أكتر من كلمة حبيبي
دي أجمل كلمة في الدنيا حبيبي بقولها لك وبرضه مش كفاية

فمهما عبر الحبيب لازالت الكلمات قاصرة والمعاني محدودة لتعبر عما يجيش في صدر المحب من مشاعر، والشوق من العلامات التي إن ظهرت تبعتها علامة أخرى تلازمها ولا تفترق عنها...

ولنسمات الحب بقية
ومضات من نور
الحب إن لم يكن لك فهو معصية.. والهيام إن لم يخاطب شغاف قلبك فهو خطيئة .. وأنت مليكة الحب في أرضي وأنا هائم في هواكي.. ولست أدري أرضيت بحبي .. أم لم ترضي؟

للتواصل: [email protected]




تابعونا على فيسبوك