محمد بنيس يحيي وازن لانتباهه للترجمة التي لم يلتفت إليها أحد بالمغرب

الخميس 11 يونيو 2009 - 07:55

خلف الجدل بين الكاتب والشاعر اللبناني، عبده وازن، والشاعر المغربي، محمد بنيس، حول الترجمة، التي أنجزها الباحث والناقد المغربي حسن حلمي لمختارات الشاعر الألماني فريدريش هلدرلين، ردود فعل متباينة في الأوساط الثقافية المغربية والعربية.

وللإشارة فإن ردود الفعل حول المختارات التي تحمل عنوان "مختارات شعرية"، والتي صدرت عن دار توبقال للنشر هذا العام بدعم من مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، كانت بين مؤيد ومحبذ للترجمة عن لغة وسيطة، انطلاقا من اللغة الأم، لأنها هي الأسلم والأصح، كما عبر الكثير من المثقفين المغاربة عن استغرابهم لتحامل الكاتب والشاعر عبده وازن، عبر مقالاته في صحيفة "الحياة" اللندنية بعنوان "خيانة مزدوجة"، على المغاربة وبالخصوص المترجمين، الذين استطاعوا في السنوات الأخيرة نقل العديد من الأعمال الشعرية والفكرية المهمة أمثال: الشاعر المهدي أخريف، الذي ترجم أعمال الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا إلى اللغة العربية وضمنها في عمل يحمل عنوان " كتاب اللاطمأنينة" صدر قبل سنوات عن منشورات وزارة الثقافة، والكاتب والناقد حسن حلمي، الذي أبدع في ترجمة الشاعر الألماني فريدريش هلدرلين، بشهادة الباحثين، الذين اعتبروها ترجمة متمكنة وناقلة لروح شعر هلدرلين، على عكس الترجمة العربية الأولى، التي قام بها الشاعر فؤاد رفقة عن الألمانية، والتي لم يستسغها أغلب الشعراء والنقاد، وعلى رأسهم عبده وازن.

تواصلت الكتابات والردود بين الشاعرين عبر منابر إعلامية عربية، عبد وازن عبر "الحياة" اللندنية، ومحمد بنيس عبر "القدس العربي"، كل واحد منهما يبرر مواقفه، فعبده وازن في انتقاده لترجمة حسن حلمي لهلدرلين، التي اعتمدت اللغة الإنجليزية لغة وسيطة، يقول إنها ترجمة ناقصة وعرضية ومصيرها السقوط، و أنه لا يمكن لهلدرلين أن يترجم عن لغة وسيطة نظرا لـ "عبقرية" اللغة الألمانية المتجلية في قصائده، وهو المنطلق الذي بنى عليه الفيلسوف هيدجر نظريته حول "الشعر والكينونة"، وما جعل عبده وازن يعتبره شاعرا استثنائيا، على عكس الشعراء الآخرين، ومن بينهم ريلكه، الذين ترجمهم شعراء عرب عن لغة وسيطة.

ولهذه الأسباب اعتبر عبده وازن احتفاء الشاعر محمد بنيس بترجمة حسن حلمي ونعته لها، في تقديمه للمختارات المترجمة، بـ"الحدث" أمرا مجانبا للصواب، وفيه الكثير من المغالاة، وربما، كما يقول، " تجاهلاً لفعل الترجمة في معاييره الثابتة وشروطه.

من المعروف أن الشاعر المغربي، محمد بنيس، ذو خبرة في هذا الحقل، نظرية وإبداعية، وقد قرأ حتما هلدرلين في الترجمة الفرنسية، التي توالى على إنجازها شعراء كبار يلمون بالألمانية من أمثال: جان بيارجوف وفيليب جاكوته وأندريه دو بوشيه وسواهم".

هذا ما حذا بوازن إلى نعت ترجمة حسن حلمي بالترجمة "الخائنة" بامتياز، وليس "الحدث، خصوصا أن بنيس يعلم أنه من المستحيل التساهل أمام نقل النصوص عن لغة وسيطة، بعدما أصبحت اللغات الحية في متناول أي مترجم يسعى إلى إتقانها.

قد تكون ترجمة حسن حلمي، حسب وازن، "جميلة ومتينة ومسبوكة وخلوا من الأخطاء اللغوية والهنات، وقد يمكننا قراءتها كنص رديف على هامش النص الأصل، لكنها تظل ناقصة وعرضة للشك والطعن لأنها غريبة عن النص الأم واللغة الأم".

وتحت عنوان " بعيدا عن كل خيانة مزدوجة" رد الشاعر محمد بنيس عن كل تلك الانتقادات، واعتبرها مجانبة للصواب، وإن كانت ذات مزية أساسية، وهي الالتفات إلى تلك الترجمة وللمجهود الذي قام به المترجم المغربي حسن حلمي في نقل أعمال الشاعر هلدرلين من الإنجليزية إلى اللغة العربية. وأشار بنيس في رده إلى أن المعرفة بلغة أصلية لا تعني فورا وحتما تقديم ترجمة أفضل من تلك التي تجري عبر لغة وسيطة، خصوصا أن هناك ترجمة وحيدة لهلدرلين من الألمانية إلى العربية قام بها المترجم فؤاد رفقة، الشاعر العارف بالألمانية والمتمرس بالشعر الألماني، لكنها مع ذلك تطرح أكثر من سؤال حول جودة الترجمة ومحافظتها على روح القصيدة لهلدرلين.

وأضاف بنيس في رده أنه تناول ترجمة حسن حلمي من زاوية شعرية، وهي القيمة التي يدافع عنها في الكتابة وفي القراءة. وقال" لكن الطريقة التي تناول بها عبده وازن كلا من الترجمات المشرقية والمغربية تفرض علي التساؤل عما إذا كان هناك تحامل لا مبرر له على المترجمين المغاربة. إن عبده وازن يعامل جميع الترجمات المشرقية (ما عدا ترجمات رفقة) بحفاوة لا أستنكرها ولا أنقص منها.

وقال إن هذه الترجمات من بين ما يتركني فرحا بعربية تبقى مقاومة لاحتضار يتهددها في حياتنا. فرحي بهذه الترجمات كبير. لكنني أتأسف لكونه يحرم ترجمة الشاعر المهدي أخريف من هذه الحفاوة، مثلما يجرد حسن حلمي منها. وهما معا مغربيان قدما، برأيي، عملا كبيرا جدا للعربية وللحوار مع الشعر الإنساني. ما قدماه عبر سنوات من العمل المتواصل يستحق كل تنويه من طرف أي شخص يحس أنه معني فعلا بالثقافة العربية وبإبداعيتها. لا أقتنع بما يورده عبده وازن من ملاحظات على ترجمة كل من حسن حلمي والمهدي أخريف، وكنت أتمنى أن تتحاشى ما بدا فيها من لوثة تفضيل المشرق على المغرب". وهو الأمر الذي لم يستسغه وازن ونشر مقالا آخر يرد فيه على بنيس، ليتلوه مقال آخر للكاتب والمترجم حسن حلمي، نشره في موقع الإلكترون الثقافي.

وفي تصريح لـ "المغربية" ذكر الشاعر محمد بنيس أنه يحيي الشاعر عبده وازن لأنه أثار النقاش على مستوى العالم العربي حول الترجمة التي أنجزها حسن حلمي للمختارات الشعرية للشاعر الألماني هلدرلين، خاصة أنها لم يجري الالتفات إليها في المغرب، لا من طرف الأشخاص ولا المؤسسات. وأشار إلى "ما أعيبه على عبده وازن هو عدم مراعاته الشرط الثقافي الذي نعيش فيه، وانطلاقه من وجهة نظر هيدجر الشخصية في شعر هلدرلين، وتوسيعه للحكم في ما بعد على ترجمة الشاعر المهدي أخريف لشعر ونثر الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا. وهو ما رأى فيه الكتاب المغاربة تحاملا على المغاربة، وعبرت فيه عن خشيتي من تسرب لوثة تفضيل المشارقة على المغاربة في هذا الميدان، وهو ما أحسست به في مقالاته، ولو أنه بعيد عن الاطمئنان للخطاب التفضيلي".

وأضاف بنيس أن احتفاءه بترجمة حسن حلمي، هو احتفاء بكل ما هو جميل في هذا الزمن الثقافي المغلق أمام الإنتاجات المهمة والوازنة، حتى ولو كانت عن طريق لغة وسيطة.

وقال "إن ما قام به المهدي أخريف وحسن حلمي هو الأمل الكبير للثقافة العربية، كان بودي أن يفسح النقاش لأهمية هذه الترجمات، ولدلالة ترجمة أعمال شعرية أساسية في وقتنا الراهن، بمبادرات نبيلة من طرف شعراء من المغرب والمشرق، عوض إثارة مسألة اللغة الوسيطة في الترجمة، بطريقة تفتقد الكثير من السند النظري والمعرفي.

وفي رده على ما كتبه عبده وازن حول ترجمته لمختارات من شعر هلدرلين، ذكر حسن حلمي أنه قد سبق أن عبر عن موقفه من مسألة الترجمة عن لغة وسيطة في مقدمته للترجمة التي أنجزها لأشعار راينر ماريا رلكه، والتي صدرت بالقاهرة عن المجلس الأعلى للثقافة في سنة 2002.

وأضاف "لست أرى داعيا لأن أردد التعبير هنا عن ذلك الموقف الذي تلخصه وتحينه هذه العبارة: الأسلم أن تجري القبلات من وراء الزجاج في عصور تتفشى فيها أوبئة مثل حمى الخنازير. كم كان سيسعدني لو أن كاتب هذا المقال الذي أضطر الآن إلى الرد عليه، أو أن غيره من منظري الترجمة وخبراء "الترجميات"، اطلع على ما سبق أن عبرت عنه وناقشني في مضمونه بموضوعية ودون مزايدات مجانية. أما كان من الممكن أن أقتنع فأقلع عن "هذه العادة السيئة"، أو ربما أكف عن اقتراف "فعل / فعلة" الترجمة من وإلى أي لغة، فنرتاح جميعا من كل هذا السجال العقيم؟".




تابعونا على فيسبوك