كانت الأمسيات الشّعرية، التي نظّمها بيت الشعر في المغرب أيام 22 و23 و24 من ماي المنصرم، بقلب مدينة فاس، باذخة بكل معنى الكلمة، بعدما تهيأت السبل اللوجستيكيّة والرمزية لإنجاح مثل هذه التظاهرة الثقافية، التي اعتاد البيت على تنظيمها في مثل هذه الأوقات من كل
وتمثلت مهمتها في النّهوض بأوضاع الشعر المغربي، والتعريف بممثليه الأساسيين والحديثين من شجرة نسبه الرمزية نقديا، بعدما انتعشت داخل التداول الصحفي القراءات الانطباعية والمغرضة، وانسحب إلى العتمة والصمت قطاع مهم من ذاكرة الشعر الذي لا يعرف عنه المغاربة شيئا كأنما هي اللّعنة تطرده، وتطارد شعراءه بالأدواء والخيبات.
وكانت الأمسيات التي احتضنها مركب الحرية الثقافي، انطلقت بكلمة رئيس البيت الشاعر نجيب خداري الذي عبّر عن قيمة الأمسيات في زمنها، وعن أهمية الاحتفاء بالشعر المغربي الذي تأتّى له أن يدفع بحداثته إلى الأمام، لافتاً إلى الاعتراف الذي بدأ يحوزه شعراؤه بعد نيلهم جوائز عربية ودولية لها رمزيّتها التي لا تخفى.
فيما حصر عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس الناقد عبدالرحمان طنكول كلمته في إبراز ضرورة الشعر الذي ينتصر للجمال في زمن القبح والرداءة، وليس هناك من داعٍ آخر أكثر من هذا يدفعنا للاحتفاء بالشعر باعتباره مأوى الكائن الإنساني في الوجود الذي يعبره.
وبمناسبة فوزهما بجائزة ديوان الشعرية التي يمنحها اتحاد ديوان الشرق الغرب ببرلين، قدّم الشاعر الزجال مراد القادري باسم بيت الشعر في المغرب إلى الجمهور، الشاعرين عبداللطيف الوراري وإدريس علوش اللذين ألقيا نصوصا من ديوانيهما الفائزين "ترياق" و"آل هؤلاء".
ولأنه محجوبٌ ومنفيٌّ في الأنفاق، فكر بيت الشعر المغربي في "جيل الثمانينيات"، ذلك الجيل الشعري الذي كانت مَهمّته في سيرورة التحديث الشعري داخل القصيدة المغربية مهمة للغاية، ولا يمكن لأيّ كان أن يهوّن من قيمة منجزه الإبداعي في أكثر من صعيدٍ، بنائي ودلالي.
إلى جانب الشهادات المؤثّرة والنصوص الشعرية المعبّرة التي تراوحت مضامينها بين الهمّ الذاتي والجماعي بأبعاده القومية والوجودية، وألقاها أهمّ شعراء الجيل الثمانيني بمختلف حساسياتهم وأساليب كتابتهم الشعرية ورؤاهم للحياة والعالم من أمثال: محمد الصابر، ومحمد وعلي الرباوي، ومحمد عزيز الحصيني، وأحمد الطريبق، وثريا ماجدولين، ومحمد بوجبيري، وبوجمعة العوفي، وأحمد هاشم الريسوني، ومحمد بودويك، وعبدالسلام المساوي، ومحمد حجي محمد، والزهرة المنصوري وعزيز الحاكم.
والتأمت الدورة الأكاديمية حول "جيل الثمانينيات في الشعر المغربي المعاصر"، بمشاركة عدد من أهم نقّاد الشعر المغاربة بمن فيهم بنعيسى بوحمالة، وحسن مخافي، وخالد بلقاسم، ونبيل منصر، وعبدالعزيز بومسهولي، ويوسف ناوري ويحيى بن الوليد، الذين طرحوا في مقارباتهم تصورات مختلفة ومتنوعة (تاريخية، نقدية وفلسفية) ترفي النظر إلى مفهوم الجيل، وما يأتي منه في التأريخ للشعر المغربي وحداثته.
لقد وضعت الندوة الأكاديمية "جيل الثمانينيات في الشعر المغربي المعاصر" في مهب الأسئلة من جديد، بقدر ما أضاءته وكشفت فتوحاته النصية، وأكدت أننا، بالفعل، أمام جيل شعري مختلف وحقيقي ترك قصيدته، بمختلف تلويناتها وحساسياتها، تهجس بالسؤال وتستشكل واقع الذات والناس، فيما هي كانت تصغي بشكل خاص ونوعي إلى الزمن الذي عبرته بزخمها وأسئلتها، زمننا نحن.