لقاء بالدار البيضاء حول الرواية المصرية والمغربية

الأربعاء 27 ماي 2009 - 07:37
شعيب حليفي

التأم شمل مجموعة من النقاد والباحثين المغاربة، خلال ثلاثة أيام في لقاء أدبي حول الرواية المصرية والمغربية، حمل شعار "الرواية وأسئلة التخييل والمجتمع".

وشهد الملتقى، في دورته الثانية التي نظمها مختبر السرديات بالدارالبيضاء ومندوبية وزارة الثقافة بشفشاون، مقاربة 14 نصا روائيا مصريا بالدارالبيضاء يومي 14 و15 ماي الجاري، فيما جرت مناقشة 8 روايات مغربية يوم 16ماي الجاري بمدينة شفشاون.

ونوه شعيب حليفي في كلمته الافتتاحية، بالكاتبين محمد برادة، وجابر عصفور اللذين كانا وراء التأسيس الفعلي لفكرة ملتقى الرواية المصرية المغربية منذ 1996، إلى جانب نخبة ممن شكلوا عماد الملتقيات السابقة، مشيرا إلى أن القائمين على هذا الملتقى سيعملون من أجل استمرارية هذا الحوار الثقافي .

وقال حليفي، إن الرواية، "اليوم، تفكر بشكل أجلى وأكثر جرأة وصدقا من باقي الخطابات، خصوصا حينما تتأهب للحكي عن الذات والآخر، لأنها تحسن الإنصات وتجرؤ على البوح والدفاع عن قلعة الخيال المتاحة للجميع. كأنها تستفز الحنين الراقد في أحشاء رماد لا تذروه رياح..لأنه سماد التخييل، وأعتقد أن الرواية هي رماد كل الثورات المغدورة والتي تلاشت وتحولت إلى تخييل روائي، لذلك فإن أمة بلا خيال أو تخييل تستحق أن يضعوا حولها سياجا من حديد . ونحن أمة لا نملك غيره بديلا عن أصواتها التي فقدناها، أو تلك التي ضاعت منا وسط خطابات مفتونة بالكذب والوهم".

وأوضح حليفي أن الكتابة التي تنجز داخل جغرافية واحدة، لا يمكن أن تكون معزولة عن كل العناصر المشكلة لهذه الجغرافية من عوامل لا محدودة تساهم في بناء أي نص أو خطاب، بدءا من ثقافة الكاتب وأسلوبه في صوغ التعبير عن رؤاه ولغته وتأويلاته، ثم السياقات والأنساق وكل العناصر المنفلتة، لأن الروائي صانع بالدرجة الأولى بأساليب وأدوات فنية وتقنيات تحول كل ما يلتقطه من خامات أو رماد إلى أشكال ذات دلالات حية ومتفاعلة تمر عبر قناة التخييل وكل"اللعب البلاغي" الذي يعتمده الروائي في ورشته الخاصة، معتبرا أن الرواية، بهذا المعنى، تخييل يعود إلى الواقع ليلاعبه ويصارعه، إنها مثل العلم، تجر عناصرها، الحقيقية أو الوهمية، إلى مختبرها لتحولها إلى خلق آخر قابل للانباء وحمل أصوات الراوي الظاهرة والباطنة، الأصيلة والمزيفة، عبر روابط بلاغية ونوافذ تضيء بالسخرية والنقد معاني بينة وخفية.

وأكد حليفي أن التخييل الروائي في النص المصري، يتجدد باستمرار وهو يفرك اليومي ويحاوره بفنية متجددة ليصنع منه لؤلؤا شديد الأثر في النفس، انطلاقا من صورة الريف الرائقة بلغة روائي ماهر هو الراحل يوسف أبورية، أو التماس استيلاد صور الواقع من الأسطورة داخل قرية صغيرة في إبداع سعد القرش، أو استحضار الأسطورة والحكاية الشعبية لنقض البطولة كما عند محمد العشري، أما الروائية أمينة زيدان فإنها تختار العودة إلى أرشيف منسي لمدن الهامش، لتكتب ضد المرحلة الراكدة وتحفر في الوعي والهوية في مواجهة زحف الاختلال العالي وقد أصبح مألوفا وثابتا.

وكما ترتبط الرواية المصرية بروحها الحية الطموحة، المتوثبة العطشى، فإنها متصلة في رحابة السرد باستشراف المحتمل ومصارعة نروده، كما هو الحال مع وحيد الطويلة، أما سعيد مكاوي فيواصل تجدير أسئلته الجمالية بقلق فني واجتهاد ملموس وهو يلاعب الخيال بين طبقات المعاني.

أليس التخييل الروائي هو جوهر الحياة وديمومتها؟ يقول حليفي، أليس هو لون الفجر والانفراج والبحث عن نهار جديد بتجريب آخر والحفر في الدلالات عن بوح ممكن بصيغة جديدة وتمثلات تعبر عن رغبة في القول وهو ما نلمسه بخصوصيات كل تجربة عند خليل الجيزاوي، وطارق إمام، ومصطفى ذكري، ومنى برنس، وسيد عبد الخالق، وفؤاد قنديل، وهويدا صالح، ونائل الطوخي .

أربعة عشر نصا روائيا تضيء جزءا من التجربة الروائية المصرية ونحن لا نبث فيها سوى عن تعبيرات التخييل وتطلعاته.

من جهته تناول الباحث عبد الرحيم مؤدن، موضوعا بعنوان "حكاية قرية في حجم العالم في رواية أول النهار لسعد القرش"، وهي رواية تدور، يقول الباحث، حول قرية تنهض من العدم بعد أن اجتاحها النيل، وغادرها أهلها إلى مكان بعيد، سموه "أوزير"، وتبدأ الحكاية، من جديد، حكاية الموت والحياة، الوجود والعدم.

وما حدث لقرية "ماركيز" في مائة عام من العزلة، حدث، أيضا، لقرية "أوزير"مع الفارق الاجتماعي والتاريخي.

قرية منعزلة عن العالم، ومنتمية إليه في آن واحد.عزلة الطين، وانفتاح الماء (النهر) على الخير والشر،المقيم والمهاجر، الغريب والعشيرة، الغاصب الفرنسى، والمقاوم للاحتلال.
قرية بناها اثنا عشر فردا، بعدد شهور السنة، فتحولت إلى أسطورة تجاوزت كل السنوات، وتعاقبت عليها سلالة عمران، عبر ثنائيات الحب والحقد، الحرية والعبودية، القوة والضعف، الجسد والروح.

إنها رواية نهرية، تتعاقب عليها الأجيال، وهي تصارع قدرها الذي تداخلت فيه لحظات المتعة بلحظات اليأس، وتشتعل فيه المأساة في لحظات الانتصار، وتزرع بذرة الأمل في لحظات الموت، أو الغياب.

وحول (الوعي والهوية في رواية "نبيذ أحمر" لأمينة زيدان) اعتبر يوسف بلقايد أن الرواية فرصة لإبراز عناصر جديدة وداعمة في الكتابة الروائية بمصر والتي تحتاج إلى مقاربات أكثر جرأة ونوعية .

وهذه الرواية وفية للأسلوب العام للسرد المصري المحتفي بالحكاية وهي تنمو عبر أربعة فصول وعقود لتضيء وعي وجسد وأحلام "سوزي محمد جلال "، بدءا من الزمن الستيني، رفقة عائلتها وأصدقائها وأعدائها ، وحول مدينة السويس، التي عاشت الهزيمة والمقاومة بعد حرب يونيو 67، وحرب أكتوبر 73 من القرن الماضي، حتى أن السويس المدينة وسوزي الشخصية المحورية صارتا إشكالا جديرا بالتحول إلى صور رمزية.

وتروم المداخلة التي قدمها ناصر ليديم بعنوان"حينما يصبح القتل شعرا وتصبح الرسائل حياة قراءة نقدية في روايتي هدوء القتلة لطارق إمام و الرسائل لمصطفى ذكرى"، مقاربة متنين سرديين لكاتبين مصريين بتجربتين متباينتين، انطلاقا من محاولة استشعار الأبعاد
والمحددات الكامنة وراء تحريك الآلة السردية عبر مجموعة من الميكانيزمات والأدوات الإجرائية المسيّرة للحكي في تجاه اللاحكي، كما أن هذه المداخلة ستحاول القبض على المشترك النصي بين الروايتين، اعتمادا على تيمة الحقيقة و الخيال، مستحضرين بذلك تخييل الحقيقة في المدونة السردية للروائيين، والكيفية التي تناولا بها هذه الآلية الإبستيمية.

المداخلة الموالية لمحمد خفيفي "الحكاية والدلالة في رواية خيال ساخن لمحمد العشري"، التي اعتبر فيها الرواية تجربة إبداعية لا تعلن القطيعة مع إنجازات الروائي السابقة، غير أنها تفتح للقراءة أفقا ثريا نستطيع من خلاله الكشف عن توجه جديد في مسار التجريب الروائي المرتهن لاستحضار الأسطورة والحكاية الشعبية.

إدريس الخضراوي في ورقته "أسئلة السرد العربي الجديد :تغريدة البجعة لسعيد مكاوي نموذجا" قدم دراسة من محورين، الأول كان فرشا نظريا بصدد النقد والمعرفة والرواية، أما الثاني فقد حلل الرواية باعتبارها علاجا فهي تحتفي بالكثير من الإشارات التي تصلها بالواقع الاجتماعي العربي في فترة السبعينيات.

وقدم عبد الله قدوري، بحثا في موضوع (خصائص الحكي ومقومات البنية السردية في رواية" إني أحدثك لترى") لمنى برنس، مقاربا إياها باعتبارها تجربة جديدة في مجال الكتابة الروائية النسائية العربية، إنها رواية حب تحكي قصة فتاة أبت إلا أن تمارس حرية الفكر والجسد في متعة غير مألوفة لم نعهدها لدى بطلات الروائيات العربيات.

إن أهم ما يميز هذا العمل الروائي هو أنه يشكل حالة استثنائية في النصوص السردية التي شكلت من الحب والعشق والجنس موضوعا لها، بموجب جرأة الكاتبة في الوصف والحكي
والتمرد على كل أشكال الرقابة الذاتية والمجتمعية، وعلى كل أشكال التقاليد والمقومات الأخلاقية السائدة في المجتمعات العربية الشرقية، لذلك اعتبرت هذه الرواية نموذجا من نماذج المسكوت عنه في الخطاب الروائي العربي.

وفي مداخلته التي تحمل عنوان "شيء من الكلام في "مواقيت الصمت"، حاول المصطفى ابن الرضي أن يبرز الحالات التي تتفاعل داخل هذا النص من خلال الوقوف عند بعض عتباته متمثلة في العنوان الذي انتهى من خلال تحليله إلى أنه يمارس نوعا من التحرش بقارئه، وأنه يدل على عكس ما يريد تبليغه للقارئ أي "مواقيت الكلام".

كما وقف عند امتزاج السرد الحكائي في الرواية بالأسطورة وبعض المأثورات والموروثات الشعبية التي أضفت على الحكي طابع الغرائبية والعجائبية، كما أسهمت بالإضافة إلى عناصر أخرى في تعقيد الشخصيات التي أقامت علاقات في ما بينها، يطبعها التركيب والإلمام بالدقائق والتفاصيل.




تابعونا على فيسبوك