ترددت أن أكتب في هذا الموضوع، وزاد التردد بعد أن تلقيت تعليقا من أحد القراء في الموقع الذي انشر فيه مقالاتي .. يتهمني بأنني متحيز للمرأة، وأن جل كتاباتي في صفها ويرى ذلك نتيجة أنني رأيت فقط الجانب المشرق منها ولم أرى غيره ؟
ومع احترامي لرأي القارئ العزيز لكنني اختلف معه, فالمرأة في اعتقادي أصل الحياة ودونها لا يستقيم الكون ولا يستقر، والمرأة ليست الحبيبة فقط، بل الأم والأخت والزوجة والبنت, ولولا هؤلاء لفقدت الحياة بهجتها وذبلت أوراقها وبهتت ألوانها.
فلكل شيء وجهان الحسن والقبيح، لكن في عالم الحب... العيون لا ترى إلا ما يثلج قلبها بالسلوى والآذان لا تشنف إلا بما يطرب مسامعها بنغمات الحب، والأنامل لا تشعر إلا بالوفاء والامتنان .. فعندما يدق الحب تُفتح كل الأبواب الموصدة لتتبدل القوانين ويظهر قانون جديد غايته إرضاء المحبوب وإسعاده.
التفاني من بين المعاني المثيرة الجدل, واختلف في تفسيرها الكتاب والأدباء، إذ يتداخل المعنى في معاني أخرى، فما بين الإيثار وبذل النفس والمال والتضحية، تجد معنى التفاني، تلك القيمة الرائعة التي ندرت وتاقت النفوس للحديث عنها والتثبت من وجود ناس يحبون بصدق ويعشقون بكل كيانهم ويتفانون في الآخر منكرين ذاتهم.
وكثيراً ما يلتبس على الناس الفرق بين التضحية والتفاني لقرب المعنيين, فالتضحية أولى خطوات التفاني ولا تتحقق إلا بتوفر شرط رئيسي يتمثل في ألا يرى المحب في حبه إلا محبوبة وتنصهر كل مشاعره وغاياته في إسعاد حبيبه وإن كان في قمة الشقاء، وينشد الراحة سكن لحبيبه وإن أرهقته الحيرة وأدمى قلبه التعب.
والكثير من المحبين مضحين ولكن القلة- متفانين, حيث تتعانق الأرواح، فكل منهما لا يفارق الآخر، يناجيه قلبه كل لحظة, يبث أشواقه وحبه مع كل ثانية تمر, ومع كل دقة قلب تدق.
قصص الحب الحقيقية يسطر أصحابها حكايتهم على صفحات التاريخ، فتصبح مع الوقت كالأساطير تتناقلها الأجيال كتراث ثقافي وروحي لا غنى عنه،
وللبيئة والثقافة دور مهم في ترعرع الحب وذبوله، فلكل زمان قيمه وتقاليده وأحكامه. واحتضن التاريخ قصصا عن التفاني تألقت في عصر بني أمية, إذ اشتهرت قبيلة بهذا اللون من الحب وكثرة العشاق الصادقين, الذين يسيطر عليهم الحرمان ويشتد بهم الوجد ليصل إلى درجة من الضنى والهزال تفضي إلى الموت في كثير من الأحيان.
وقديما (سئل أحد الأعراب قائلا له من أين أنت؟ فقال: من قوم إذا أحبوا ماتوا) وقال رجل منهم ( لقد تركت في الحي ثلاثين ق خامرهم السل وما بهم داء إلا الحب)
ولعل قصة مجنون ليلى غنية عن القص، فقيس الراعي البسيط أحب ابنة عمه حتى ملكت عليه نفسه فيتغزل بها في شعره ثم يطلبها للزواج فترفضه القبيلة, لأن قوانين البادية ترفض زواج فتاة تغزل شاعر بها في شعره, وتبدأ المأساة فيحاول أن يلتمس عند عمه قلبا رحيما يخاطبه أو إحساسا بشفقة يناشدها عند الآخرين ليجمعوا بين قلبين أضناهم البعاد، فيقابل بالتعنيف مرة وبالرفض مرات .. ويتيه قلبه قبل جسده ويصيبه الجنون ويعتري جسمه الذبول والنحول ليلقى حتفه .. قصة من مئات القصص للذين تفانوا في حبهم .
وعبر الشاعر اللبناني خليل جبران عن مفهوم التفاني في نظره بقوله :
حببت نساء ولكن كما حببتك لا لا
وقفت كل حياتي عليك وقفا حلالا
لم أدخر ذات نفسي يوما ولم أقن مالا
ولم أدرك على أن تلقي لأمري بالا
ولم أسمك عناء إجابة أو سؤالا
حصرت فيك مناي الحسان والآمالا
فكنت نور وجودي وما عداك ظلالا
لا شغل يشغل قلبي سواك حالا فحالا
جمعت في عيني اللطف كله والجمالا
وبالقياس إلى الحسن فيك قست الكمالا
فذاك ذاك التفاني في الحب أو لا فلال
والحديث عن التفاني يحمل في طياته الشجن .. فما بين رؤية تاريخية تنصف الرجل وما بين رؤية معاصرة ترفع لواء المرأة ... فقد تساهم الظروف والعوامل في تأكيد قيمة التفاني بين المحبين .. آو تراجعه حيث ...
ولنسمات الحب بقية....
"ومضات من نور
ترهقني الحياة .. وتحاول الظروف أن تقهرني.. ويبدأ الضعف يتغلغل إلى نفسي
إلى أن أحس بعبيرك يحتوني .. يلملم مشاعري .. يقويني .. يسكن ثنايا قلبي .. يحييني
يخرجني من ظلمات الإرهاق إلى سماوات من الحب
تكوني فيها ملاكي وحارسي وكياني.