يستعد مغني الملحون والباحث في التراث الموسيقي المغربي، جمال الدين بنحدو، لإصدار كتابه الثاني، مطلع الشهر المقبل، بعدما أصدر كتابه الأول "شهدة ملحونية"، الذي قدم له عضو الأكاديمية المغربية الدكتور عباس الجراري، سنة 2006.
ويضم المؤلف الجديد، الذي سيصدر عن دار النشر القرويين، بين دفتيه 140 صفحة من الحجم المتوسط، ويحمل عنوان"مدخل إلى موسيقى الأديان".
ويقول جمال الدين بنحدو، في مقدمة كتابه الجديد، الذي يتمحور حول علاقة الموسيقى بالدين، إن ما دفعه لتأليف هذا الكتاب، هو اهتمامه بالموسيقى كعلم وكظاهرة وجدانية ذات سحر أسطوري تجعل من البشر أن يرقوا إلى مستوى يعلون به عن مصاف الحيوان، ليصير إنسانا كاملا، وإيمانه الراسخ بملازمة الموسيقى، بكل تمظهراتها للبشر عبر تاريخه، ومنذ ظهوره على أرض البسيطة، وملازمته كذلك على المستوى الفردي، حيث تلاحقه منذ أن يكون جنينا وإلى أن يوارى الثرى.
ويضيف بنحدو "راعني ما يراود أذني من تناقضات تصدر عن جهات دينية، تحرمها بقوة، وأخرى تتعامل معها وتغوص فيها إلى أقصى الحدود. وبما أن العالم اليوم يعيش على إعادة صياغة الخطاب الديني، من خلال الدعوة إلى حوار الأديان والحضارات، والتعايش والسلم، كان لزاما وحتما، على باحث مثلي يشتغل في مجال الموسيقى دراسة وإبداعا، أن يبحث في هذه العلاقة الوطيدة بين ما هو ديني وموسيقي".
ويرى المؤلف أن هناك نقاطا كثيرة تجمع رجل الدين بالموسيقي، فكلاهما يعمل في مجال وجداني روحاني وأنطولوجي، بهدف راحة وإسعاد الناس، والرقي بهم، إلى درجة عالية من الرفعة والسمو.
ويكشف بنحدو عن أن هناك أسبابا ذاتية وموضوعية، هي التي كانت وراء اختياره لموضوع الدين وعلاقته بالموسيقى، فيقول "فأما الأسباب الذاتية، فمن بينها إبراز ذلك الانسجام الروحي الذي أحسه وأعيشه أثناء قيامي بواجباتي الدينية، ودخولي عالم التأمل، الذي يربطني بعلاقة روحانية ووجدانية بالله سبحانه وتعالى، وعلاقتي بالموسيقى، التي تنقلني من عالم إلى آخر، والتي أدركتها وأنا أحاول أن أخطو خطواتي، الأولى على درب الحياة.
كنت دائم الاستغراب حين يطلب مني أحدهم أن أترك الموسيقى، لكونها شيطانية وحرام؟، فكانت أشياء كثيرة تخالجني، جعلت من موضوع موسيقى الأديان شبحا يطاردني ويقلق مضجعي، ولما أتيحت الفرصة ووصلت إلى مرحلة مهمة من التنقيب والبحث، أدركت أنه آن الأوان لبدء مشروع، يبدو أنه سيكون شاقا، لما يحتاجه من وقت ومن مصادر ومراجع تستدعي السفر أحيانا، لذلك ارتأيت أن أجعل من هذا الكتاب، الذي يحمل اسم "مدخل إلى تاريخ موسيقى الأديان"، الخطوة في مسيرة الألف ميل".
أما الأسباب الموضوعية فيجملها المؤلف في قلة الأبحاث التي اشتغلت على هذا الموضوع، بل ربما انعدامها، ما جعله يبحث هنا وهناك عما ذكر في الكتب السماوية، وكتب التاريخ أحيانا، وكتب الموسيقى أحيانا أخرى.
ويضيف بنحدو أن "هناك أفكارا ظلامية ظلت تروج لمقولة إن الموسيقى منافية للدين وللعلم والبحث العلمي جعلت من أغلب العلماء الاقتصار على السمع والتطريب، عكس الفحص والتمحيص، كما أن ما عاشته مجتمعاتنا الإسلامية من فترات ظلامية جعلت من المجالات العلمية والدينية تطرد الموسيقى لتنمو بشكل غير صحي ومشوه داخل دوائر الجهل والأمية".
وحتى يستطيع الكاتب تبيان ضرورة علاقة الموسيقى بالدين، كان لازما عليه أن يقارب البحث جوانب ثلاثة هي المسار التاريخي، والمنهج التأويلي والأسلوب النقدي في آن واحد معتمدا على عدد من الدراسات المتخصصة والنصوص المقدسة والوثائق والصور والنقوش القديمة.
لذلك جاء الكتاب مقسما إلى ثلاثة فصول، حمل أولها اسم "مفهوم الموسيقى: قضية المحتوى والشكل"، ويضم ثلاثة أبواب أولها يتمحور حول "ماهية الموسيقى"، وثانيها حول "الغناء والمفاهيم المرتبطة به ومدى علاقتها بالموسيقى؟"، وثالثها حول"الغناء الروحي: الموسيقى الروحية أو الدينية". أما الفصل الثاني فيحمل عنوان "الموسيقى في عصر ما قبل التاريخ"، ويضم أيضا، ثلاثة أبواب أولها يتمحور حول "الموسيقى في العصر الباليوتيكي"، وثانيها حول" أولى الحضارات الموسيقية"، وثالثها حول "الحضارة الموسيقية المصرية الفرعونية، آلهة الموسيقى: والتدوين والكتابة الموسيقية، عند الفراعنة".
في حين يحمل الفصل عنوان "الموسيقى والأديان السماوية الثلاث"، الذي يضم أيضا، ثلاثة أبواب يتمحور أولها حول "اليهود والموسيقى اليهودية"، والثاني حول "الغناء والطقوس المسيحية"، والثالث "موسيقى الدين الإسلامي".