يحتفي محترف إبداع بالأعمال الجديدة للفنانة ليلى الشرقاوي، والحروفي عبد الله حريري والتشكيلي عبد الرحمان وردان، في معرض تشكيلي مشترك يستمر إلى 15 ماي المقبل، برواق "ورشة الإبداع" بالدارالبيضاء.
المعرض الجماعي يجمع بين أعمال مختلفة، رسخت وجودها الفني عبر تجربة امتدت لسنوات، وينفتح على مجموعة من القراءات، لذلك ارتأى الفنانون التشكيليون الثلاثة أن يجعلوه مشرعا على جميع الاحتمال والدلالات، فهو معرض يحلق بلا عنوان، ويسبر مسالك عذراء لم تمتد إليها ريشة أي رسام أو نحات. تجربة جديدة ترفد من معالم الأثر والنوستالجيا وأضواء قوس قزح، كما تبعث يقينياتها من الاختلاف إلى الاختلاف.
وفي هذا السياق، تقول الفنانة ليلى الشرقاوي، التي تبحر بالمتلقي في العوالم الخفية داخل الحدائق السرية في لوحاتها المفعمة بالمشاعر الرقيقة والأفكار المتخيلة ومكنونات الأرواح.
إن المعرض الحالي هو تجربة ثلاثية ممتدة في المكان والزمان، وهي رسالة مفتوحة، وبلا عنوان، لأن هناك ثلاث تيمات تكشف عن نفسها في تجاوزها القماشة والسند والإطار. وأضافت في تصريح لـ "المغربية" "الرسم لغة وأسلوب حياة، فلكل حركة أثر، والشكل ذاكرة حية تعطي للحياة معنى ووجودا، وزادت موضحة أنها تسعى من خلال لوحاتها إلى الاحتفاء بالنوستالجيا، وإبراز الجوانب الداخلية للروح بالقبض على تمظهرات الواقع عبر سفر دائم في الزمان والمكان.
وأبرزت الشرقاوي أنها ترسم بأحاسيسها وتحول لحظات الحياة اليومية إلى نبضات إستيتيقية وتهتدي بقيم التواضع الإبداعية.
في لوحات ليلى الشرقاوي تتحدث الأشكال عن حنين الفضاءات الهندسية والانفعالات الباطنية التي طبعت تربيتها العاطفية كامرأة وكفنانة. تخلق المادة والألوان، وفي الغالب الأبيض والأسود والرمادي مع لطخات من اللون الأمغر، عالم من الصور يتميز بالبساطة التي تحيل على الحلم والانتظار كوسيلة لتفسير العالم والحياة، تتحاور لوحات ليلى مع الموت لتتخلص منه.
لا شك أن نجد شاعرا وناقدا جماليا مثل إدريس العلوي المدغري يشيد بتجربة الشرقاوي الفنية بالقول، "الشرقاوي كائن ضوئي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهي من خلال أعمالها تدعو المتلقي إلى السفر في الزمن والفضاء، وتأخذ المتلقي والمهووس بالصباغة إلى المتخيل الأندلسي بأسلوب بديع يجعلك قريبا من المكان، وكأنك تعيش في إحدى المدن الأندلسية التي تعبق بالحضارة الإسلامية، وهو ما أكسبها نوعا من التفرد الذي يظهر بجلاء في أعمالها التشكيلية، وفي منحوتاتها".
ميثاق ليلى البصري يحتفي بالأشكال وتقودها تجربتها المتميزة في عالم الألوان والنحت إلى البحث عن الجديد، فهي دائمة الانشغال بفن النحت والتشكيل معا، وتؤمن بأن الفنان المبدع المجدد هو القيمة المضافة في عالم مثالي، وفي مدينة أفلاطونية يشكل التشكيل سدرة منتهاها الجمالية.
بدوره تحدث الفنان الحروفي عبدالله الحريري، الذي اختار أن يواصل إبداعاته الإشكالية والشائكة، التي تمزج بين الحرف واللوحة حيث يجعل المتلقي يقف أمام شكل مركب يجمع بين التحرر والانسياب، عن تجربته التي تمتد لأزيد من أربعين سنة. تجربة وصفها بالغنية، وقال في تصريح لـ"المغربية" إن المعرض الجماعي يجمع بين ثلاثة عناصر بتجارب مختلفة فهو ينطلق من الاختلاف إلى الاختلاف، وأضاف أن أعماله الموسومة بالرمز والعلامة تحتفي بمسار فني ضارب في الزمن، فالأعمال استثمرت تجربة أربعين سنة من الإبداع الحروفي، وتحديدا الحرف العربي.
وأبرز حريري أنه تأثر بالمدرسة الإيطالية، خاصة الفنان الإيطالي ألبيرو بوجدي. ويعد عبدا لله الحريري من بين الفنانين التشكيليين الذين اعتمدوا العلامة والرمز تيمة لجانب كبير من أعمالهم الفنية.
بيد أن العلامات، يضيف حريري، تؤرخ للمواضيع الأولى لفناني ما قبل التاريخ الذين خلفوا آثارا منقوشة، تدل على ثقافتهم وأفكارهم، على الكهوف، ويمكن القول إنها تمثلات لثقافة ومجتمع معينين، من هنا فالعلامات لغة بعناصر متنوعة ومختلفة على مستوى التأويل، نجدها في الفن البدائي، انطلاقا من الرسوم الجدارية، كما نجدها في الفن القديم، وفن النحت الفرعوني المصري، الذي طور الكتابة الهيروغليفية التي تضم سمات وعلامات ورموزا مختلفة لها قيمة رمزية تمثل الأشياء والأفكار المراد إشاعتها، كما أن السومريين اكتشفوا بدورهم كتابة تعتمد بدورها على الرمز أساسا، وسموها الكتابة "السومرية". وفي الحضارة العربية الإسلامية ظهر الخط كفن قائم الذات، وتتجلى عظمته في قدسيته.
من جانب آخر فقد وظف الفنانون المعاصرون لغة العلامة في لتعبير التشكيلي لتمثل نظراتهم للمقدس بكل تمظهراته وتجلياته وتأثيراته، ويبقى هامش الفن والجمال، الهدف الذي يرسخ القيم الروحية في سلوك الفرد والجماعة على حد سواء.
من جانبه قدم الفنان التشكيلي عبد الرحمان وردان، الذي يعود بألوانه المنيرة والمتوهجة التي تعكس طبيعة كينونته، وتفجر كتلة من المشاعر تذكر بذلك الصراع بين نور الحياة وظلمة الموت، جديد أعماله في المعرض السالف الذكر، فالفنان يوظف قشور الجوز والزعفران ما يعطي للوحاته هذا اللون الدافق والدافئ الشديد الحمرة الذي يحيل على سحر الجنوب المغربي. العادات الأمازيغية ورموزها ودلالاتها تكشف بشكل جواني عن الذاكرة الجماعية، التي تنهض على ميثاق إبداعي، فهي مكون أساسي للهوية الثقافية للفنان.
مثل لغة بصرية أصيلة تبدو اللغة الأمازيغية من خلال حروفها "تيفيناغ" مطواعة وفي متناول ريشته عبر مرجعية فريدة. من هنا ينفرد وردان بمفردات تشكيلية استثنائية توحي أننا أمام فنان يستثمر منظومة رمزية تقليدية يكشف عنها في إطار جمالي عصري متحرك.
لفك شفرات رسائل وردان البصرية لا نستدعي فقط، تأملاتنا الحالمة، وإنما نستدعي التجارب الأركيولوجية التي تطبع ذاكرتنا الجماعية.
أعمال الفنانين الثلاثة المعروضة في محترف إبداع تشتغل على الذاكرة والحلم معا. إنها نوستالجيا تثير سبل المستقل، وكما قال الراحل عبد الكبير الخطيبي الذي غادرنا أخيرا، إنها "صيرورة الذاكرة".