هنري ميشونيك فتح في تنظيره للشعر مسالك جديدة في المقاربة والتحليل

الجمعة 24 أبريل 2009 - 08:22

نعى بيت الشعر في المغرب, رحيل الشاعر الفرنسي هنري ميشونيك, الذي تكرس في المشهد الثقافي العالمي لا بوصفه شاعرا وحسب، وإنما بوصفه أيضا أحد أعمدة نظرية الشعر الأساسيين.

واعتبر بيان لبيت الشعر, توصلت "المغربية" بنسخة منه, أن ميتشونيك يعتبر واحدا من المفكرين المنشغلين بقضايا اللغة، والفلسفة، والمقدس، والديني، وتأويل التَّوراة وترجمته, ما جعل منه كاتبا متعدد الاهتمامات.

وأضاف البيان ذاته أنه, إلى جانب الدواوين الشعرية, التي خلفّها هنري ميشونيك، ثمة مؤلَّفات نظرية توجه فيها إلى قضايا الشعر والترجمة, إذ تكرس هذا الكاتب في الثقافة العربية بوصفه شاعريا، أرسى تصورا نقديا للشعرية وفتحها على إمكانات تأويلية خصيبة, موضحا أن ذلك ما شرع في التأسيس له, منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، أي منذ ظهور كتابه التأسيسي Pour la poétique، سنة 1970, الذي واصل قضاياه بإصدار جزأين متمّمين عام 1973.

واعتبر البيان ذاته أن التصور النقدي, الذي راهن عليه ميشونيك للشعر في مؤلَّفه Critique du rythme, 1982، الذي عضّده وبلور قضاياه في كتابه Politique du rythme , politique du sujet، 1995, سيترسخ في نقد الإيقاع، إذ واصل هنري ميشونيك تفكيك الأسس الإبستيمولوجية للشعريتين البنيوية والسيميائية، وأرسى تصورا نقديا لمفهوم الإيقاع انطلاقا من مسعى عام، تجسد في إرساء نظرية للخطاب بما هي نظرية للذات, نظرية تتجاوز ممكن الشعريتين السابقتين, إنه المسعى ذاته الذي تحكم في نقده لتصور هيدغر للغة, يؤكد بيان بيت الشعر.

فتح هنري ميشونيك في تنظيره للشعر، مسالك جديدة في المقاربة والتحليل وهيأ للمنشغلين بأسئلة الشعر مواقع خصيبة، عولت على صرح معرفي مكين. وكانت هجرة هذا التنظير إلى الشعرية العربية المعاصرة، والمغربية منها, على وجه الخصوص, في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، حدثا علميا، به ابتهج الدرس الشعري المعاصر وتشعبت سبل بحثه عما يضيء الشعر ويعدد مواقع مقاربته، استحقاقا لمجهوله.

"إلى المجهول", بهذه العبارة الممهورة بالأسرار والغموض وما لاينتهي، أصدر هنري ميشونيك كتابه نقد الإيقاع. لم يجد إهداء أقرب إلى مغامرة التنظير غير المجهول. بموت هذا الشاعري، يضيف بيان بيت الشعر في المغرب, يأخذ المجهول وجهة أخرى، لها صمت الأبدية. لكن المجهول، الذي إليه أهدى ميشونيك الكتاب، يغدو في يتم حقيقي. ذلك أن التنظير للشعر مهمة لا تعثر دوما على من يتحمل مسؤوليتها بالعمق, الذي أرساه هنري ميشونيك.

من جانبه, اعتبر الشاعر محمد بنيس, وفاة هنري ميتشونيك (في الثامن من ابريل الجاري), صدمة ثانية, بعد صدمة رحيل عبد الكبير الخطيبي.

وقال في مقال له بجريدة "القدس العربي" نورد مقتطفات منه: "عندما تعرفتُ على الأعمال الأولى لهنري ميشونيك، ثم تعرفت عليه شخصياً، تغيرت أشياءُ كثيرة في فهمي للشعر والشعرية، على السواء. هل هناك في الحياة شيءٌ غير الصدفة؟ بهذه الصدفة كنت عثرتُ على كتابه الأول "دفاعاً عن الشعرية"، الصادر عن غاليمار سنة 1970، وأنا أستقصي الكتب المعروضة في قسم الشعر في مكتبة "كومباني" جنب الكوليج دو فرانس بباريس. ثم بعد مدة قليلة عثرتُ على كتابه "نقد الإيقاع" في بيت الصديق شوقي عبد الأمير، الذي كان من أصدقاء ميشونيك. كنت انتهيتُ من عملي الجامعي الأول عن الشعر المغربي المعاصر.

ما زلت أذكر درجة القلق العليا التي كانت تصاحبني بعد هذا العمل. أسئلتي كانت كثيرة. وفي نفسي ضيق. ثمة ما لا أستوعبُ بعد، أوْ ما لا أطمئن إليه. رحلاتي الدائمة إلى باريس كانتْ تساعدني في الاقتراب من حركة الأفكار ومن مغامرات الشعر والفنون.

لستُ أدري ما الذي كنت سأكون عليه دون تلك الرحلات التي لم تتوقف لسنوات. المكتبات. لقاء الأصدقاء. معارف جديدة. زيارات المتاحف والمؤسسات الفنية. مشاركة في قراءات وندوات. في غمرة الرحيل نحو التعلّم، جاء اللقاء مع ميشونيك حاسماً وفاتناً. مثلما هو اللقاء مع كُتاب أفتخر بكونهم أساتذتي، علموني ما لم أكن أعلم. لا أنساهم ولا أخونهم.

الشيء الذي كان همّني في أعمال ميشونيك هو مقاربتُه النقدية للتصورات السائدة في العصر الحديث عن الشعرية، ثم نقده للسيميائيات في تصورها للشعر. أقصد بداية الثمانينيات. أظنها الفترة التي كانت الدراسات الشعرية والسيميائية والبلاغية فيها تتجاوب مع ما كانت الحياة الثقافية الفرنسية والأوروبية تعرفه بقوة في الفلسفة والتحليل النفسي واللسانيات. ميشونيك كان أستاذ اللسانيات. وهو شاعرٌ خاص جداً.
شيئاً فشيئاً كان ميشونيك يضيف مجالات جديدة إلى مجال قراءاته النقدية للنظرية الشعرية، منذ أرسطو حتى زمنه. وهو برأيي أهم شاعر أوروبي بعد ياكبسون في الدراسات النظرية الشعرية. عمله، الذي كان يتنامى بقوة عبر السنوات، كنت أجده متشعباً وحاضراً في خطابات. ولكنه، في الوقت نفسه، يملك من المعرفة ما يسمحُ له بالانتقال السريع والمفاجئ من ثقافة غربية إلى ثقافات شرقية (ومنها العربية) بطريقة تحسّ معها أنك في مكتبة ذات أجنحة متداخلة، رغم التباعد الحاصل بينها. مكتبة تعيد قراءة مكتبات عديدة تراكمت عبر التاريخ والحضارات. وهي كلها تسير نحو هدف واحد، هو النظرية النقدية للشعرية في زمننا الحديث".

يشار إلى أن ميشونيك برز في الشعر الفرنسي, منذ الستينيات. وهو مجايل لبرنار نويل, ولوران غسبار, وميشال دوغي, ولد سنة 1932 من عائلة روسية هاجرت سنة 1924 واستقرتت في باريس. مرت طفولته. مر ت أيام الحرب والمطاردة. وفي سنة 1956 عندما كان في الثالثة عشرة من عمره أحس أن عليه أن يكون شاهدا على هذا العذاب الذي يلحقه الناس بالناس. في السادسة عشرة كتب بعض القصائد. وكل ما استخلصه من طفولته ومراهقته, وفق ما أكد هو نفسه في إحدى حواراته, هو أن "القصائد تأتي من الحياة لتغيير الحياة".




تابعونا على فيسبوك