لم يسلم الحب وعشاقه من الحزن واللوم والأسى في كل الأزمنة والعصور, فلا يزال التاريخ يذكي داخلنا بقصص العشاق, الذين ذابوا في الحب و تفانوا فيه معبرين بأحوالهم عن المحبين بكل اللغات والثقافات المختلفة.
ورغم أن الحب عاطفة فطرية, إلا أنه من العواطف التي تكتسب بالتعلم والتعود, فهناك من يفطرون على الحب فيحبون كل شيء, وطبيعتهم تطغى على الماديات التي تحيط بهم وتدفعهم إليها, وآخرون طغت معطيات الحياة عليهم فغلفت مشاعرهم بغطاء جليدي.
وتطرق الكتاب والشعراء للحب من أوجه مختلفة، ومن أرق تعريفات الحب ما كتبه أستاذنا محمد إسماعيل:
الحب ليس له شروط, ولا يرتبط بزمان أو مكان, فهو( انبساط) للنفس وللوجدان وللروح, يشعر فيه الإنسان أن ما مضي من عمره ذهب وانقضي, وأنه هابط للتو من الفضاء, يتلفت للدنيا مثل مولود جديد.
وما نخل
ص إليه أنه سر من أسرار الله تعالى كالقدر والروح, وكما ذكر الرسول صلى عليه وسلم:
(الأرواح جنود مجندة فما توافق منها ائتلف وما تنافر منها اختلف)
فالأرواح هي جند من جنود الله فإذا كُُتب لها القبول، تجدها تتقارب وتتجانس وتحل المودة ضيفاًً دائما بينهم وإن اختلفت، تجد الطرق كلها تؤدى إلى البعاد والنفور.
فهو هبة من الله لعباده إن شاء أنزله في قلوبهم ومتى شاء اقتنصه منهم
وقال أحد الشعراء:
إن القلوب لأجنـاد مجنـدة لله في الأرض والأهواء تختلف
فما تعارف منها فهو مؤتلف وما تنــاكر منها فهو مختلف
فبالحب يحل التوافق بين النفس والجسم والعقل, وتجد صداه في المحبين جليا لا يختلف عليه اثنين, فتفضح الهمسات ما يخفيه العقل ويداريه.
فهو القوة الخفية, التي تمنحنا التفاؤل والأمل والجلَد لتحقيق الهدف، انظر للمحبين تجدهم يصادقون الأمل, يصاحبونه يرعونه بأعينهم وينموه بحنينهم, فيطوون المسافات وتسقط بينهم حواجز المستحيلات.
وللحب أنواع عدة فمنها الرومانسي، به تشتعل المشاعر ليصل بأصحابه غالبا لغاية القرب و الزواج ، ويستمر الحب بعد الزواج بتنمية مشاعر التفاهم وحسن المعاشرة والاهتمامات المشتركة بين الطرفين.
ومن آثار المحبين في الأدب قصص كثيرة نذكر منها قصة عنترة العبسي, العبد القبلي مدنس النسب, الذي اشتهر بحبه لعبلة ابنة عمه، فتحدى كل الظروف ليصبح جديرا بها, ولعنترة أبيات من الشعر قالها في خضم المعركة يصف فيها عشقه لعبلة قائلا:
ولقد ذكرتك والرماح مني نـواهل .. وبيض الهند تقطر من دمى
فوددت تقبيــل الرماح لأنها .. بدت كبارق ثغرك المبتسم
فالحب هو الطاقة التي تحيل رماد الحروب إلى ورود وتشعل نبض القلوب، فيدق القلب, وتلمع العين, عندها تختلف المفاهيم وتتحرر القيود وتتقارب الحدود حتى تتلاشى.
وكما يقولون في الأمثلة (الحب يصنع المعجزات). فشتان مابين عنترة قبل حب عبلة وبعده., كان عبداً فقيراً مّن الله عليه بالقوة فهدف إلى نصرة الناس بقوته، وبعد أن أطل حب عبلة في قلبه اختلفت المعايير وتغيرت الأهداف من رغبته في كسب ثقة قومه والاعتراف بقوته.. إلى رغبته أن يسود قومه والاعتراف بنسبه ليكون كفئا لتزوج حبيبته.
ومما تحمله قصص التراث، قصة كليوباترا, التي تنازلت عن عرشها وجاهها لتنعم بالقرب من أنطونيو حبيبها.
إلا إن المدرسة الأعظم في تعلم الحب مدرسة الحبيب -صلى الله وسلم – في حب زوجاته, فيجلس بين أصحابه, ويسأله عمرو بن العاص - رضي الله عنه- : يا رسول الله من أحب الناس إليك .. ؟ فيرد عليه السلام- عائشة ولم يخجل بأن يصرح بحب زوجته أمام جمع من أصحابه وهو نبي الأمة, فمن يستطع فعل هذا اليوم؟ وتحكي السيدة عائشة أن عليه صلوات ربي وسلامه, إذا أراد الشراب سألها من أي موضع من الإناء شربت, حتى يشرب من الموضع نفسه, فيلامس موضع شفتيها، تعبيرا لحبه لها.
وأحب, صلوات الله وسلامه عليه, السيدة خديجة - أولى زوجاته - حبا جما, ليس في حياتها فحسب, بل استمر حبه لها بعد مماتها, فقد حزن لفراقها حزنا شديدا، ويذكر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كان يتفقد المسلمين بعد إحدى الغزوات, فإذا بامرأة عجوز تتجه نحوه, فرحب بها ترحيبا شديدا, وخلع عباءته وافترشها على الأرض واُجلس المرأة عليها قائلا: أكرموها, فقد كانت صديقةً لخديجة.
وفي لحظة صفاء يذكر الرسول اسم السيدة خديجة لعائشة، فتتحرك الغيرة في نفسها، فتقول له: ما لك تذكر عجوزا أبدلك الله خيرا منها ( تعني نفسها) ، فيقول لها، لا والله ما أبدلني زوجا خيرا منها، يغضب لرفيقة دربه التي فارقت الدنيا, لكنها ما فارقت روحه.
فالحب علاقة ثنائيه، بين طرفين, تتوجه فيها مشاعر كل طرف نحو الأخر, ليكون الحب هو بساط الريح أو فانوس سليمان ينشدان من خلاله السعادة أو كلمة ينصهر فيها الاثنان روحا وعقلا وقلبا ليتحدا في صنع حاضر جديد.
ومعظم المبدعين أكثرهم محبون, فأعظم سونيتات الشاعر الإيطالي بترارك كانت تدور عن قصة حبه لفتاة اسمها لورا في القرن الرابع عشر، وباتريس هي ملهمة دانتي في أشعاره وفى كوميديته الإلهية.
ومع ذلك فقد تفقد كلمة الحب سحرها أمام معطيات الحياة ويخبو بريقها و…
ولنسمات الحب بقية
* كاتب مصري
ومضات من نور
"تزداد دقات قلبي سرعة .. لمجرد التفكير بأنك آتية.. وإن أحلام عمري الماضي والمستقبل ستأتي معك راضية، وإن غدا سيشاهد يديك تربت على كتفي حانية ... وعيناك تعانق روحي وهمساتك تحيي جسدي .. فأسرعي خطاك فأنت دائي ودوائي"