تعرض كل من الفنانتين البريطانتين، إيلين كودوين وفانيسا سامرس فيرلاند، بمتحف "لورانس أرنوت" بمراكش إلى غاية 28 أبريل الجاري، لوحات من فن الفسيفساء، مختلفة ومتميزة.
وإذا كان عمل إيلين مستمد من الهندسة الحسية، فإن فانيسا تعتمد على التجسيد، لكن الفنانتين تلتقيان في شيء أساسي هو الألوان والضوء الذي يعطي لهذا المعرض تميزه.
في لوحاتها تحاول كودوين، ملامسة الأسطورة البيزنطية في كل تجلياتها. ومن خلال استلهام الضوء تنقلنا الفنانة إلى سانت صوفي وإلى عهد الإمبراطور غوستينيان، بالتشكيلات التي تظهر على الحائط والأرض وتعطي رونقا خاصا، تحيل على العصر الذهبي لفن الفسيفساء البيزنطي، ما يؤكد أن الفنانة كودوين هي وريثة هذا الفن المستمد من التاريخ القديم، حتى يخيل للناظر أنها حارسة هذا الفن، الذي أبدع فيه فنانون لم يضاهيهم أحد في ذلك الزمان.
تعتمد الفنانتان على تقنية تناسق الألوان وتناغمها، وهو أمر يمكن من منح الحياة لأعمال فنية تتحرك مفعمة بالحياة، خصوصا أن المواد المستعملة هي من الرخام والذهب والفضة، التي يكون لعملية ارتداد الضوء الكاشف الحقيقي لهويتها وشخصيتها.
إن العمل الذي أنجزته كودوين على الخصوص يتشكل على مجموعة من الحلي، التي تحيل على ثقافة غابرة في التاريخ العميق، ومن خلال المعرض نكتشف علاقتها بالمواد المستعملة في تركيب اللوحات، من منطلق اهتمامها بتناسق المواد. فهي تستعمل قطع رخامية من كل نوع ولون، وهي غالبا ما تستمد أعمالها من الأشكال الهندسية المستعملة في عدد من المباني التاريخية، خصوصا في إيطاليا، حيث الكنائس والمعابد البيزنطية التي توارثتها الأجيال المتعاقبة، ومع أن كودوين عاشت واشتغلت لسنوات في مدينة مراكش إلا أن مشاعرها مازالت مرتبطة بالحضارة البيزنطية، وليس غريبا أن نرى الفنانة تهتم كثيرا بتناسق القطع وتقاطعها مع الضوء، ما منحها مزيدا من التميز.
ولا عجب أن تتوفر على كل هذا الغنى الثقافي بالنظر إلى ارتباطها بالعديد من الحضارات الشرقية.
تقول كودوين عن معرضها لجديد، "إنه الثاني منذ حللت بمدينة مراكش سنة 2001، وهو نتاج متابعة ومعايشة لكل ما توحي به هذه المدينة، فمراكش منحتني فرصة الاكتشاف، خصوصا في ظل التمايز الخاص للألوان المستمدة من أشعة الشمس الصافية".
نجحت كودوين إلى حد بعيد في منح الحياة لهذه الأشكال الهندسية، التي مكنت المتلقي بصفة عامة، من اكتشاف حمية جديدة من الإبداع الهندسي، وبالنسبة للفنانة كودوين، فإن الاشتغال على الفسيفساء مكنها أساسا من فهم طبيعة الحياة السابقة للبزنطيين، الذين كانوا في ما مضى الأقوياء والأفضل أيام شموخهم الحضاري.
إذا كان هذا حال كودوين، فإن الأمر لا يختلف كثيرا، لدى فانيسا، التي تؤكد أن مدينة مراكش هي ملهمتها، رغم أنها تعيش بمراكش، منذ أزيد من 20 سنة، إلا أنها مازالت في طور الاكتشاف، اكتشاف كيف يعيش الآخر حضارته وثقافته، ورغم أن الفسيفساء من ثقافة الإغريق وروما القديمة إلا أن المغاربة نجحوا في استيراد هذه الثقافة، وخلقوا منها أشكالا جديدة، وأثثوا بها منازلهم ومساجدهم، وتؤكد فانيسا أن هذا ما أعطى للزليج المغربي جماليته وتميزه وخصوصيته.
لقد عرفت فانيسا كيف تخلق من قطع الفسيفساء أشكالا خاصة، لها علاقة بالطبيعة وبالحياة، لوحاتها تحمل أشكال ورود وفراشات وقوارير وكؤوس، إنه نوع من الفن الذي يجسد الحياة بكل تجلياتها الزمنية الضاربة في أعماق التاريخ.
معرض كودوين وفانيسا هو محاولة جادة لتشكيل نوع من الفن الحي والمستمد من الثقافة الغربية القديمة.
من جهة أخرى، تعرض الفنانة البلغارية بيليانا فودن أبوتام إلى 10 ماي المقبل، برواق "ري للفن المعاصر" بمراكش أعمالها الفنية حول موضوع "التذكير بالأصول البربرية".
وتقدم هذه الفنانة، التي درست تاريخ الفن والمسرح بأكاديمية الفنون الجميلة بريرا بميلانو (إيطاليا)، من خلال هذا المعرض ولأول مرة لوحات تشكيلية رقمية من الحجم الكبير، تجسد فيها المرأة المازيغية في أناقتها وغنى زيها وحليها التقليدية والطبيعة والفضاء الداخلي للسكن البربري.
وحسب بيليانا، هذه الفنانة المولوعة بالتكنولوجيات الجديدة، فإن "البنية الرقمية الإثنية" وهي عبارة عن صور للأزياء الفلكلورية البربرية التي جسدتها على شكل مسلسل رقمي بواسطة الحاسوب، تعبر عن تاريخ يتموقع بالخصوص في عالم "الحقيقة الرقمية".
وبظهور التكنولوجيات الجديدة في المجال الفني خلال الثمانينيات من القرن الماضي، فإن تطور الحقل الثقافي وتبادل الثقافات بين الشعوب الرامي إلى العولمة، يعرف سرعة متتالية ومستمرة خلال القرن 21، ما ساهم في تحول مفهوم الخلق والإبداع منذ ذلك الوقت.
وفي هذا الإطار وجد الفن، الذي يواجه هذا المد العالمي، لغات من نوع جديد ترتكز حول مواد وآليات جديدة تمكن الإبداعات الجديدة من الانتشار على شاشات الملايين من مستعملي شبكة الأنترنيت عبر العالم.