العوفي يتحدث عن ‘سؤال البصري في القصيدة وأسئلة التجربة المغربية

الإثنين 13 أبريل 2009 - 08:06

يشارك مجموعة من الشعراء والنقاد والباحثين والفنانين المغاربة، في الملتقى الوطني الثاني للشعر والتشكيل " بمدينة جرسيف، من 23 إلى 26 أبريل 2009. تحت شعار "الشعر والتشكيل.. أسئلة التجاور والتجاوز".

سيشهد الملتقى، الذي تنظمه جمعية "الهامش الشعري" بجرسيف، بتعاون مع المجلس البلدي للمدينة، و"الفرع الجهوي لاتحاد كتاب المغرب" بتازة، تنظيم ندوتين نقديتين أساسيتين
حول علاقة الشعري بالتشيكلي، يشارك فيهما كل من موليم العروسي ورشيد المومني، وبنعيسى بوحمالة، و بنيونس عميروش، ويحيى بن الوليد، وبوجمعة العوفي، ونجاة ازباير، وعمر العسري، وعبد اللطيف بوجملة ورشيد الحاحي.

كما سيشهد الملتقى تنظيم أمسيات شعرية، ومعارض فنية إضافة إلى العديد من الأنشطة الموازية.

وانطلاقا من محوري "سؤال البصري في القصيدة" و"أسئلة التجربة المغربية"، قال الشاعر والناقد الفني بوجمعة العوفي، "إن إضاءة الخصائص البصرية للنص الشعري الحديث والمعاصر تظل مسألة أساسية، بالنظر إلى أهمية الهيئة البصرية، التي أخذ يتمظهر عليها هذا النص الجديد من حيث فضائه الخطي، والمساحات النصية، والتشكيلات المكانية والخطية أو"الجرافيكية"، والإشارات الخارجية (طريقة تشكيل العناوين، والحواشي، والهوامش، وعلامات الترقيم، والخطوط، والألوان، والفراغات، والبياضات، والعلامات غير اللغوية وغيرها)".

وأضاف العوفي، في ورقة نظرية أعدها كأرضية عامة ومؤطرة لندوتي هذا الملتقى أن "هذه الملامح البصرية للقصيدة الحديثة والمعاصرة لم تعد خافية على عين القارئ، ولم تعد استعمالاتها مجرد نزوة أو ترف جمالي عابر، بل أصبحت واقعا جماليا جديدا في الكتابة والتداول الشعري الحديث والمعاصر (إبداعا وقراءة)، ما يحتم على كل قراءة، أيضا، أن تأخذ بالاعتبار وجود هذا "الواقع الجمالي الجديد" ووجود هذه الإشارات الخارجية وغير اللغوية في مساحة النص أو القصيدة، وأن تعمل على تأويل بنياتها الدلالية الظاهرة والعميقة، وتأثيرها المباشر في تعبيرية النص الشعري البصري وجماليته وتلقيه.

ومن ثمة، يصبح لهذه الإشارات والعناصر البصرية في هذه القصيدة بلاغات أخرى (خطية ومكانية وإشارية وعلاماتية)، ينبغي الالتفات إليها ضمن أبعاد ومداخل وأنماط نقدية جديدة، يكون قوامها "القراءة البصرية" عوض "القراءة اللغوية".

ووجود الناقد/القارئ البصري بدل الناقد/القارئ اللغوي، باعتبار القصيدة المعاصرة والجديدة، سواء في المغرب أو غير المغرب، قد تجاوزت راهنا ـ على الأقل ـ في العديد من نماذجها وتجاربها طور الشفهية والإنشاد والسماع، إلى طور القراءة بالعين وتشكيلات الكتابة. أصبحت القصيدة الجديدة والمعاصرة تدوينا لمخزون بصري ومشاهدات، مجموعة إشارات ومساحة من الاتصال والتواصل البصري، تدرك بالعين أولا ثم بباقي الحواس".

وبخصوص محور"أسئلة التجربة المغربية" قال العوفي "يتقاطع الشعري والتشكيلي، في التجربة الشعرية المغربية المعاصرة، ضمن رؤى وإنجازات وتجارب وآفاق أخذت تهتم أساسا بالبنية المكانية والخطية للقصيدة ومساحاتها وفضاءاتها النصية وجمالية الكتابي فيها، لن تكون سوى"الإبدالات البصرية - الجمالية"، التي نفترض أنها ربطت القصيدة المغربية المعاصرة بوعيها البصري والمكاني والتشكيلي النوعي الجديد في آخر المطاف".

وأضاف العوني "لعل هذا الاختيار أو المسعى، الذي تحدده وتمليه أساسا هذه التقاطعات الباذخة والممكنة في رحم القصيدة المغربية المعاصرة بين البصري والشعري، قد يتحدد أيضا بغواية أو قناعة راسخة أصبحت متوفرة لدى بعض الشعراء ـ على الأقل ـ في كون التشكيل المكاني والفضائي البصري ـ بغض النظر عن مستويات وأشكال وعيه وتحققه ـ قد أصبح واقعا جماليا للقصيدة المغربية المعاصرة ومكونا أساسيا من مكونات الخطاب الشعري المغربي المعاصر".

وأوضح العوني أن "هذا ما يمكن نعته بـ "تكليم البصري" أي ما يمكن أن تقرأه العين في العمل الشعري/الفني وتترجم رمزيته أدوات أخرى كاللغة (لغة الشعر أساسا) أو عناصر أخرى يفتنها الدليل البصري، كأن ننظم قصيدة معبرة عن محتوى لوحة (بمفهوم " الإكفراسيس Ekphrasis" أو كتابة التصوير) ونجنح لمقاربة مستوى "التطابق في ما بين البصري والمتلفظ به".

ويرى العوني أن السؤال يوصلنا بمسالكه الوعرة والمتشعبة إلى صقع آخر من أصقاع اللذة الجارفة، متاخمة الشعر للتشكيل، إذ يظل كلاهما شفافا حد الصفاء الضوئي، ومرهفا حد انتفاء الحدود. كلاهما مجبول على تعاليم الليل وشهوة الانمحاء. ولعلاقة الشعري بالتشكيلي مقامات وخطابات شاهقة المعنى. والشعر كما يورد الجاحظ " صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير " أو كما ينسب لـ "سيمونيدس" اليوناني قوله "إن الشعر صورة ناطقة أو رسم التصوير بشعر صامت".

تنبني هنا ألفة واضحة وملغزة، وتقاطع مثير بين الشعري والتشكيلي، على مستوى صياغة الرؤية واستعمال الأدوات، وتنشأ بينهما تخاطبات جمالية وتلاقحات آسرة، يعمق كل منهما جسد الأخر ويضاعف من رمزيته. وتلمع في ذاكرة الإنجاز التشكيلي/ الشعري الكوني (إبداعا وقراءة) مزاوجات رائعة بين غوايتين متقاربتين، القصيدة والصورة.

وخير مثال على ذلك، ما تدين به التكعيبية في الرسم لكتابات الشاعر غيوم أبولينير. إذ كان هذا الأخير يكتب قصائده بنوع من الترسيم الخاص، يشكلها على الأصح. وكان "حساسا تجاه مظهر القصيدة المطبوعة على الورق، إذ حمل الإخراج الخاص على الصفحات بقصيدةPont Mirbeau على سبيل المثال، أو بقصيدة Cortège بعدا بصريا سيتفخم مع قصيدة Calligrammes. ينضاف الترتيب التشكيلي إذن إلى القراءة الخطية البطيئة نسبيا".

من ثمة، تنطرح أمام الباحث والمتتبع لمسار التجربتين الشعرية والتشكيلية المغربية المعاصرة ـ على سبيل المثال ـ هذه العلاقة الطارئة والمثيرة، التي أصبحت تجمع الإبداع الأدبي، في بعض أجناسه وأشكاله، بالإبداع التشكيلي (سواء كان صباغة أم نحتا أم تصويرا فوتوغرافيا أم غرافيكا) عبر العديد من التجارب والتدوينات الجمالية/الأدبية، التي انخرطت بشكل أو بآخر في هذا التمظهر أو الرهان الجديد للكتابة الشعرية.

لسنا في حاجة للتأكيد، هنا، على أهمية علاقة الأدب بالفنون، أو علاقة الشعر بالتشكيل على وجه الخصوص، إذ يحفل تاريخ الفن والأدب بالعديد من التقاطعات المثمرة والملغزة بين الشعري والتشكيلي، سواء على مستوى الممارسة الإبداعية، كتشكيل القصيدة بصريا أو تكليم البصري بالشعر. أو على مستوى محاورات الأدباء للأعمال الفنية بالنقد والتحليل وتقريب مدلولاتها الجمالية والتعبيرية من الجمهور.

وبرزت في المغرب، على مستوى الإبداع المزاوج بين الشعري والتشكيلي، العديد من التجارب، التي شكلت حقائب فنية مميزة أسست لهذا التقاطع الواضح بين الشعري والتشكيلي، بدءا من تجارب محمد بنيس وأحمد بلبداوي وبنسالم حميش... إلى مزاوجة القصيدة بالعمل الفني التشكيلي، بين كل من محمد بنيس وضياء العزاوي، وحسن نجمي ومحمد القاسمي، ثم حبريات رشيد المومني وغيرها من الإبداعات الأخرى.

أما على مستوى القراءة، فظلت كتابات العديد من الشعراء والأدباء في المغرب من أمثال عبد اللطيف اللعبي، ومحمد بنيس، وإدمون عمران المالح، ومحمد السرغيني، بمثابة نوافذ ضوء أساسية على المشهد الملون للحركة التشكيلية بالمغرب.

من بعض هذه المنطلقات، تكون محاولة "الهامش الشعري"، وفي "ندوتي جرسيف" تحديدا لهذه السنة حول"علاقة الشعري بالتشكيلي"، انشغال ملح في إضاءة بعض أسئلة هذه العلاقة وممكناتها التعبيرية والجمالية.




تابعونا على فيسبوك