منح بيت الشعر في المغرب، أخيرا، جائزة الديوان الأول للشاعر محمد أنوار محمد، عن ديوانه "أحتمل الوجود" الصادر عن دار الأمان بالرباط.
واعتمدت اللجنة التي ضمت كلا من الشاعرة ثريا ماجدولين رئيسة، وأحمد محمد حافظ، وأحمد العمراوي، وجمال الموساوي أعضاء، في اختيارها لديوان"أحتمل الوجود" على قوته البنائية، وما يطبعه من وعي بالصورة الشعرية والاشتغال الجدي على اللغة، إضافة إلى ما تحبل به هذه المجموعة من عناصر ومقومات الكتابة الشعرية المدركة للرهان الشعري ولاحتمالاته.
في الحوار الذي خص به "المغربية" تحدث الشاعر محمد أنوار محمد عن صدى الجائزة،
وعن رهانات الشعر ودوره في إغناء الحياة الثقافية. وكشف عن آخر أعماله الأدبية، وقال إن إبداعات أخرى مازالت في طور مشاريع. وبخصوص السرقات الأدبية، أبرز في الحوار ذاته أنها ستستمر، وأن أسلافنا أبدعوا عدة عبارات لكشف خطورة هذه السرقات، تتحدث عن الأخذ الظاهر والأخذ الخفي، كما ميزوا بين أخذ اللفظ وأخذ المعنى.
ماذا يمثل الشعر بالنسبة إليك؟
في البداية مثل لي الشعر خيارا، مع الوقت أصبح يمثل ضرورة. في مرحلة من الطفولة قرأت سيرة الملك الحميري سيف بن ذي يزن و "أغاني الحياة" للشابي. ما أحتفظ به دائما من قراءتي لسيرة الملك الحميري المكونة من أربعة أجزاء، بالإضافة إلى السرد، أنها كانت مؤثثة بقصائد شعرية عمودية.
وترسخت في ذاكرتي تلك القصائد، التي قيلت في لحظات حرجة ( هكذا ترسخت في ذاكرتي ولا أدري أذلك صحيح أم لا). قبل بدء المعركة يتقدم الفارس للمبارزة، فيقول شعرا. إن المبارز يقول ما يحتمل أن يكون آخر شيء في حياته قبل الموت.
يودع الحياة بالشعر لأن المعركة تحتمل الموت. لقد ترسبت في داخلي فكرة أن الشعر وسيلة أساسية للتعبير عن الذات في اللحظات الحرجة. هذه الفكرة ترسخت أكثر مع الشابي. الشابي صارع الحياة بالشعر، وهو يشبه الفارس في سيرة سيف بن ذي يزن عندما ينشد الشعر ويتقدم نحو الموت. تكوّنَ لدي وعي بأن هزم الموت يمر عبر الشعر.
الشعر شيء جدي كالمعركة. إن هذا جعلني أقول شعرا في الشعر " ميتاشعر"، وأن أعيش صراعا بين ذاتي كشاعر وذاتي كقارئ، وذاتي كإنسان عاد وذاتي كمحب للحكمة، وذاتي كمتمرد وذاتي كمساير... فكنتُ صديقي وكنتُ عدوي، وكنتُ الذي يعرفني والذي يجهلني... هذا التذاوت في داخلي، كان أحيانا يستعصي علي. أحيانا كنت أحاول الهروب من المعركة، فتعترض طريقي الكلمات العميقة الكامنة، وأشياء العالم التي تستدرجني إلى تأويلها...فأجدني مرغما على الاستمرار. هكذا يبدو الشعر ربما كخيار وكضرورة في الآن نفسه.
هل ما زال الشعر يطعم خبزا في بلادنا؟
النظر إلى النفعية والجمالية في الشعر يختلف من شاعر إلى آخر. هناك شاعر يستحضر البعد النفعي، وهذا حقه. وهناك شاعر يستحضر البعد الجمالي، وهذا حقه أيضا. لا أقول الشعر وأنا أفكر في الخبز.
لكن لا أرفض أن يعيش الشاعر من شعره. أستشف من السؤال أيضا إحالة ضمنية إلى أزمة القراءة. عبارة تتردد كثيرا. لقد تعلمت في دراستي أن الأزمة تتمثل في فشل نظام ما في أداء مهامه.
الخلل في المبدع أم في الموزع أم في القارئ؟ أنا مثلا طبعت الديوان على نفقتي، وأوزعه على نفقتي، وهناك مكتبة كبيرة في الرباط، قلت للمكلف فيها "أريد أن أضع لديكم ديواني للعرض"، فنظر إلي وقال ببرودة "ليس لدينا حيز لذلك"... وعندما كنت موليا لمحت درجا فارغا، فوضعت يدي فوق الدرج، وشرعت في سحبها ببطء مرددا "حيز لذلك ! حيز لذلك !". هل هناك أزمة قراءة؟ مقارنة مع ماذا؟ متى لم تكن هناك أزمة قراءة؟ أين الخلل؟ أسئلة تحتاج إلى كثير من التفكير والعمل الميداني للإجابة عنها.
كيف كان صدى هذه الجائزة؟
بداية، أنا سعيد جدا بجائزة بيت الشعر. عموما الجوائز في الغالب تمنح للمبدع إما في بداية مساره، وإما في منتصفه، وإما في نهايته. في نهاية المسار، المغزى من الجائزة يتمثل في التكريم والتقدير والاعتراف بالمنجز الإبداعي. في منتصفه، يكون المبدع لديه تراكم، فتمنح له الجائزة للتكريس والاستمرارية. أما في البداية، كما في حالتي، فالمغزى في الغالب هو التحفيز والتشجيع والإشادة بالبداية الموفقة... ثم إن بيت الشعر جزء من تاريخ الشعر المغربي المعاصر، بشعرائه، وبعمله، وإسهاماته في المشهد الشعري المغربي، بل العالمي. وهذا مصدر اعتزاز كبير.
بهذا الصدد أشكر اللجنة الكريمة برئاسة الشاعرة ثريا ماجدولين، وبعضوية الشعراء أحمد محمد حافظ، وأحمد العمراوي، وجمال الموساوي، على الثقة والشهادة التي أتمنى أن يؤكدها المستقبل. وأمام اهتمام الناس وفرحتهم بالجائزة، أشعر بسعادة ورغبة قوية في السير قدما في الكتابة.
كيف تلقى المهتمون بالشعر "الديوان"؟
ما أعرفه هو قراءة لمحمد فنساوي أعتز بها، و قراءة للناقد والشاعر " فؤاد أفراس" وقراءة للشاعر محمد ماء العينين، وتقديم للشاعر جمال الموساوي ساهم في نشر الديوان في مواقع لم أجد إليها سبيلا. أنا متفائل، وأرى أن الديوان سيأخذ المكانة، التي يستحقها الآن أو في المستقبل. ولا أنسى هنا رسائل ومكالمات الترحيب والتشجيع، التي خصني بها بعض الشعراء.
هل الشعر يأتي في مرتبة متأخرة بالنسبة للرواية؟
ظاهر الأمور يقول هذا، لكني لست متأكدا من ذلك. عندما كنت بصدد البحث عن موزع للديوان، اتصلت هاتفيا بمدير مؤسسة للتوزيع ورحب بي كثيرا، أخبرته أنه لدي ديوان شعري، وأرغب في توزيعه، فقال لي "يا السي أنوار، الشعر لا يقرأ، لهذا لا نوزع الدواوين الشعرية، وهناك رواية لم تبع منها إلا نسخة واحدة، وإذا كان لديك مؤلف من غير الشعر والرواية والقصة، فأهلا وسهلا". هناك أحكام عامة تحتاج إلى تمحيص وتدقيق. أظن أن الشعر لا يزال حاضرا، و لا يزال يحتل مكانة متميزة في الذاكرة الإنسانية... ومتعة الشعر فريدة لا يمكن أن يحققها أي جنس آخر للكتابة.
ما هو جديدك؟
الجديد مؤلف يجمع بين النثر والشعر " لا خير في معرفة لا تنتهي في الفراغ ". وهو جاهز، سأبحث فقط عن ناشر، وأصدره هذا العام. هناك مشاريع لم أحسم فيها بعد.
هل أنت مستعد لكتابة نص روائي؟
كتبت قصتين قصيرتين لقيتا ترحيبا من طرف بعض الأصدقاء والمبدعين. ولدي مشاريع قصص قصيرة أخرى قد أنتهي منها هذا العام. لذلك سأفكر في إصدار "مجموعة قصصية" أولا، ولدي أيضا مشروع رواية. لكن كما تعرف القول شيء، والفعل شيء آخر. أتمنى أن أوفق.
كيف ترى دور الأنترنيت في نشر الإبداع ومشكلة السرقات الأدبية؟
الأنترنيت وسيلة إيجابية لتعميم المعرفة ودمقرطتها. ويساهم إيجابيا، أيضا، في نشر الشعر وتطوره. بالنسبة للسرقات الأدبية، فهي كانت وما زالت وستستمر. وقد ابتدع أسلافنا عدة كلمات للتعبير عن درجات خطورة أخذ الشاعر من الآخر. فتحدثوا عن الأخذ الظاهر والأخذ الخفي، وميزوا بين أخذ اللفظ وأخذ المعنى... وسمحوا ببعض الأخذ بشروط معينة كالاقتباس والتضمين مثلا.
بالنسبة إلى الشاعر، الذي ينشر نصوصه لأول مرة على الأنترنيت، عليه أن يحرص على أن تكون نصوصه عصية على السرقة، وأن تكون خاصة وفريدة، بحيث لا يكون بمقدور أي أحد أن يسرقها.
لكن قد تؤخذ صورها الشعرية المبتكرة..وهذا ما أراه خطيرا أيضا. وأرى أن الحد من هذه الظاهرة، يمكن أن يتحقق بالفضح والإعلان عن ذلك، حتى يرجع الحق لأصحابه، وحتى يدافع الآخذ عن أخذه إن كان قد فعل ذلك بحسن نية، أو في إطار ما يسمى بالتناص.
الشاعر محمد أنوار محمدمن مواليد سنة 1972 بكتامة، حاصل على الإجازة في شعبة القانون العام وشهادة الدكتوراه في علم السياسة والقانون الدستوري، يعمل حاليا أستاذا للتعليم الثانوي التأهيلي بمدينة الرباط.