يشارك الفنان التشكيلي المغربي عبد العزيز عبدوس في ملتقى التواصل للفنون التشكيلية، الذي تتواصل فعالياته إلى 24 مارس الجاري، بفضاء باب منصور بمدينة مكناس.
وسيعرف الملتقى الذي ينظم برعاية "جمعية المواهب العربية"، مشاركة 84 فنانا من مختلف الأقطار العربية.
من جهة أخرى يعرض عبدوس 20 لوحة من آخر أعماله بقاعة محمد زفزاف بالمعاريف، ضمن فعاليات ربيع المعاريف، الذي سيمتد من 24 مارس إلى 4 أبريل المقبل.
تندرج تجربة عبد العزيز عبدوس القادم من قلب الأطلس، وتحديدا من مدينة خنيفرة، ضمن المدرسة الواقعية، فالشخوص حالمة وطافحة بنشوة الحلم، والأمل والحنين إلى مدارج الألفة والتوحد. بريشة لا تختزل الأشياء، وإنما ترسمها وفق منظرها الطبيعي، وعلى امتداد حياتها يتفاعل الفنان عبدوس بحدس باطني مع اللون والسند. فهو لا يرسم من أجل أن يحبس كائناته وأشياءه الصغيرة والكبيرة، في إطار اللوحة، بل أعماله تتجاوز الإطار والقماشة والسند، لتعلن عن نفسها في لعبة الكشف والمكاشفة.
التجديد هدف يحفز عبدوس لارتياد فضاءات رحبة بمواضيع مختلفة، فالإبداع، حسب عبدوس"ثمرة مجهود روحي وذاتي معا".
يقول عبدوس في حديث إلى"المغربية" ليس سهلا أن تنتزع صفة المشاركة في معرض يحمل بصمات 84 فنانا يمثلون مختلف الدول العربية من المحيط إلى الخليج، فالمنظمون اختاروا لوحتي "جمالية متوحشة" ضمن اللوحات السبع الأوائل للمشاركة في ملتقى التواصل للفنون التشكيلية، بمكناس.
خنيفرة المدينة المتفردة، والاستثنائية ألهمت عبدوس، وكانت خير معين لمغامراته المتعددة، كما يقول عبدوس، الذي كانت رائحة الصباغة تجذبه، كما يجذب الضوء الفراشة "إن مرحلة النضج الفني بدأت مع كائنات خنيفرة، وظلالها، إذ حاولت رفع القناع عن وجوه مهمشة، وأخرى تمثل السحر والجمال المدفون في خبايا الأطلس المتوسط، كما أرصد عبر ثلاثية العين والريشة والسند كل الأشياء الثابتة والمتحركة، انطلاقا من شخوص المنطقة، وأعراسها وتقاليدها إلى الأشياء التي قد نستفيق يوما، ونجدها أثرا بعد عين، أحاول أن أوثق بالريشة والصباغة، للذاكرة الجماعية لمدينة خنيفرة، قلب الأطلس المتوسط، إلى جانب الأشياء الجميلة التي دخلت طور الانقراض والاندثار".
بألوان حارة وباردة، يبدأ عبدوس مغامراته الفنية، فالألوان التي تسكن ذاته، هي الأصفر الأخضر المائل إلى الاصفرار. فميثاق عبدوس البصري ينشد الواقعية الحسية، والألوان يفتض بها بياض القماشة وطهارتها، هي ألوان الخريف، الذي يعتبره عبدوس بداية البدايات، وسدرة منتهى الإبداع والمبدع.
لوحات عبدوس تعبر عن تجربة عميقة وتمثل ثمرة تأملات امتدت لسنوات عديدة تمكن خلالها من فهم الواقع المحيط به، وهو الذي عانى كثيرا الطابوهات التي أبعدته منذ صغره عن الهواية التي عشقها، ولا يخرج الفنان عن أجواء المحيط الذي ترعرع فيه، وإن سعى إلى تجاوز تلك المرحلة الصعبة من طفولته، التي يتذكرها بكثير من المرارة.
يقول الفنان التشكيلي عبدوس عن هذه الفترة "إنها قاتمة بكل ما للكلمة من معنى بسبب حرماني مزاولة هوايتي، لمدة استمرت 14 سنة".
هذه المدة كانت كافية كي يفهم العالم من حوله، وإن أكد أن فنانا جزائريا كان السبب في عودته القوية بعدما عمل على تصوير الجوانب الخلفية في حياة مدينة خنيفرة. وفي تجربته الفنية يمج عبدوس اللون الأسود، ويرفضه في لوحاته.
ويقول "إنه لون يغتصب باقي الألوان" بشكل يفتح الباب أمام الكثير من التأويلات، ويضيف أن أفضل الألوان هي تلك التي تخرج من الأعماق ويكون لها تأثير على نفسية الفنان والمتلقي على حد سواء. إنها صورة مصغرة لعالم ما زال يخضع للتقاليد والعادات، ويرفض الانسلاخ عن هذا الموروث، كما أنها تجربة حية تطرح أسئلة كبرى وتبحث عن إجابات داخلية.
يمثل معرض الفنان تعبيرا روحيا عما يخالجه في حياته، ومحاولة للإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي ظلت حاضرة في فكر الفنان، وشعوره الداخلي، خصوصا أنه فنان بالفطرة، يعبر عن دواخله بالريشة، لكن بصدق كبير وعفوية نادرة، وهو بذلك يمثل جيلا جديدا من الفنانين، الذين ينطلقون من الواقع المعيش الذي يصور الحياة اليومية للسكان البسطاء، كما أن الصناعة التقليدية بكل تجلياتها حاضرة في لوحاته، خصوصا أنه نشأ في مجتمع بسيط جدا، مجتمع بعيد عن المدنية المعاصرة ليس في مفهومها الضيق، لكن في أشكالها الإبهارية.