بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيسه، قدم مسرح "الكاف"، على خشبة مسرح محمد الخامس أخيرا، عملَه المسرحي الجديد "سعادة الرايس" للكاتب محمد اليوسفي.
وعرف العرض حضور المبدع سعد الله عبد المجيد أحد المؤسسين لفرقة "الكاف"، الذي جرى تكريمه باعتباره رائدا من رواد المسرح المغربي، من جهة، ولعلاقته المتميزة مع عبد الإله عاجل، مخرج المسرحية، ومحمد اليوسفي مؤلفها وجميع أعضاء الفرقة من جهة أخرى.
وعبر سعد الله عبد المجيد في كلمة له بالمناسبة عن سعادته بهذا التكريم، الذي اعتبره فرصة لتجديد الوصل والعشق، ولحظة للاعتراف بالجهود المبذولة من أجل استمرار المسرح المغربي، سواء على مستوى التأليف والإخراج، أو على مستوى التنظير والتأطير، مضيفا أن هذه الخطوة تعتبر تشريفا، وتكليفا في الوقت نفسه، إذ على الفنان أن يتأمل المنجزات الفنية، وأن يعيد صياغة الأسئلة ليغير باستمرار إبداعاته.
واعتبر عبد لمجيد أن لحظة التكريم، لحظة مفعمة بالبوح والعرفان، وهي بمثابة عربون ثبات على درب النضال، في مسرح الهواة والالتحام في جسد الاحتراف المسرحي، كما أنه اختصار لمسيرة فنية، ورهانات إبداعية للفنان، تفرض النظر على أنه مازال في الساحة المسرحية مبدعيون لهم نصوص ورؤى ومفاهيم وإنتاجات تستحق الاهتمام.
أين يلتقي المسرح والسياسة؟ وأين يختلفان ويفترقان؟ ما طبيعة العلاقة التي تجمع الفنان بالسياسي؟ وهل يمكن مقاربة الإبداع المسرحي بشكل مستقل، وفي منأى عن الأثر السياسي والإيديولوجي؟ هل تستقيم الفرجة المسرحية في حال تغييب السياسة؟ ما حدود تأثير السياسة والحزب في عمل الفنان؟
هذه بعض الأسئلة التي تولدت في مخيلة الكاتب والناقد المسرحي المغربي سعد الله عبد المجيد، بعد مشاهدته العرض المسرحي "سعادة الرايس"بمسرح محمد الخامس بالرباط، في العرض الأول، في محاولة لفك التداخل بين السياسي المسرحي، يقول سعدالله عبد المجيد،"مسرحية (سعادة الرايس) تعبير واضح وبسيط عن روح العصر، من خلال ملامسة أحاسيس المشاهد المغربي، الذي يعاني العديد من المشاكل الناتجة عن التحولات، التي يشهدها العالم الآن.
ويضيف سعدالله في حديث خاص لـ "المغربية" "الكتابة الإخراجية تركز على تقديم مزيج متنوع يرضي المتفرج المغربي، حيث إنها قدمت إلى المشاهد ما يريده، وما يمكن فهمه بسهولة وبغير ابتذال أو إسفاف. فمشاهدها الكوميدية تعرض صورة لمجتمع مغربي في إطار مسرحي يجمع بين الرقص والشعر، والغناء والموسيقى، والقفشة السياسية الساخرة، إضافة إلى حيل التنكر، والخلط بين شخصية وأخرى.
ويرى سعد الله أن محمد اليوسفي كتب النص على نمط الأسلوب السياسي، غير أن عبد الإله عاجل أضفى عليه روح الكوميديا المناسبة للمواقف، استنادا إلى أدوات درامية لكشف العيوب، وتعرية الأخطاء البشرية، وعرضها على المشاهد بشكل ساخر، وهذا هو هدف "الكتابة التقنية الكوميدية".
يقول عبد المجيد في تحليل نص"سعادة الرايس" إنه فرجة درامية فريدة، تبدأ بلوحة عملات العالم، ثم تتتبع حياة رئيس حزب في اتجاه مخالف للمألوف، ما يعطي للمسرحية جوا من اللازمنية، كما في عالم الأحلام . من خلال هذا البعد التقني يجري المزج بين النقد السياسي والحزبي والاقتصادي بالملهاة بل وبالعبث أيضا والاعتماد على الهزل الحركي.
الخيانة عنصر من عناصر"سعادة الرايس"، الذي يقول على لسان الممثل "عبد الرحيم المنياري" الزعيم الغافل وشخصية المسرحية الغامضة عندما يتخلى عنه مناضلو حزبه "لم أتوقع أن أكون مجرد بهلوان... المؤتمر كذبة وحتى خطبة الجمع جاهزة".
إذا كانت المسرحية تتمحور حول الخيانة، فإنها أيضا تتناول أخلاقيات المسؤولية الحزبية والنزاعات الضيقة التي تدور رحاها حول القيادة والزعامة داخل قلعة الحزب.
ويضيف عبدالمجيد، إذا كان النص المسرحي يتناول السياسة والأحزاب، فإن الكتابة الإخراجية كانت أكثر حكمة، لقد كانت السينوغرافيا فضاء جماليا يقر بغموض العالم السياسي وتعقيده وتعقد ظواهره، لقد عبرت القصائد الشعرية والتعبيرات الجسدية والتنقلات الركحية والتخطيطات الضوئية والمؤثرات التقنية عن هموم وعالم "سعادة الرايس" كما هو في جدليته بين المسؤولية والمصلحة الذاتية، وحبلت بالدلالات والتناقضات غير القابلة للتحكم فيها أو اختزالها في حوارات شفوية.
ويختم عبد المجيد، هكذا كان الإخراج أقرب إلى تعقيد الركح، منصتا لنبض تناقضات وتفاعلات الشخوص، مخلصا للمتعة والجمال. فالكتابة الإخراجية هي تأشيرة المرور إلى الفرجة الدرامية، إذ لولاها لانضاف الإخراج إلى ركام الحوارات والمشاهد التي تضيق شيئا فشيئا على مستوى المتعة البصرية. فليس الإخراج المسرحي تنفيذا لإرشادات المؤلف، وإنما كشف لمستور وتمزيق لحجاب وإضاءة لظلمة، وإحلال استيتيقي لركح مسرحي، وهذا هو منهج الفنان عبد الإله عاجل، الذي أخرج نصوصا ستظل محطات مهمة، ومنارات مضيئة في تاريخ المسرح المغربي (بوتليس، تسليت...)لأنه اكتشف تصورات جديدة من التخييل والتفكير التقني أغنت المتلقي بالمتعة والجمال.
للتذكير فـ"سعادة الرايس"، التي أخرجها وأدى دور البطولة فيها أيضا عبد الإله عاجل، رفقة زهرة النجوم، وجواد العلمي، وعبد الرحيم المنياري، ومحمد مهيول وجمال لعبابسي، وعبد الرزاق الرابولي، ومحمد لقطع، عمل درامي من فصل واحد يحمل - حسب مؤلفه محمد اليوسفي - رسالة عن العدالة الاجتماعية كضرورة في زمن العولمة المتوحشة وكخيار وحيد لا بديل عنه للعالم إن هو أراد الخروج من المآزق والأزمات العميقة التي يتخبط فيها، ويجسد علاقةَ المال بالسياسة والسلطة على ضوء "الإعصار المالي"، الذي ضرب الاقتصاد العالمي ويكشف العمل بشكل خاص عن آثار اقتصاد السوق والرأسمالية المتوحشة في تشييء الكائن ومسخ حياته وتحويل البشر إلى سلع خاضعة للتداول والناس إلى مجرد أسهم تعلو قيمتها وتنخفض في "بورصة القيم" بمعانييها المادية والرمزية.