يواصل الفنان المغربي بوشعيب الهبولي، عرض مجموعة من لوحاته "أعالي"، التي تمثل تجربة تضاف إلى رصيده الفني، إلى 5 أبريل المقبل، بالمركز الثقافي الإسباني "سيرفانتيس" بالدارالبيضاء.
ويعتبر بوشعيب الهبولي من الأسماء الأساسية التي ساهمت في تأسيس الحركة التشكيلية المغربية. ومعروف عن الرسام بوشعيب الهبولي شغفه برسم الوجوه، التي على يديه تتحول إلى أشكال غامضة مشوشة تقترب أحيانا من البشاعة، ويبدو أن المعرض الراهن يمضي في ترسيخ نمطه التشكيلي المميز، الذي عرف به منذ ستينيات القرن الماضي، وهو فتح الباب للمخيلة للبحث عن تعبير ما، يقنع المشاهد بمغزاه أو لا يقنعه، وبدت هذه التقنية في الرسم أكثر وضوحا في معارضه السابقة: "خيمة حبر" و"ملامح" و"وجوه". ورغم أن المعرض الحالي "أعالي" يختلف بعض الشيء، إلا أنه حمل بصمات المعارض السابقة .
ويقول الفنان إن موضوع معارضه السابقة، يجسد الحالة الراهنة، التي يمر بها الإنسان المغربي والعربي، بكل تجلياتها "إذ باتت تطل في الفترة الأخيرة وجوه كئيبة وبائسة وتائهة، وهؤلاء ليسوا بالضرورة ضحايا حالة التوهان والضياع، بل بينهم أيضا وجوه توحي بعبوسها أنها المسؤولة عن تأزيم الوضعية الراهنة".
ألوان باهتة مثل ألوان رسالة عثر عليها الصيادون وسط قنينة في القاع، على حد تعبير الناقد الفني محمود عبد الغني، لأنه كما يقول دائما "أنا لست رساما انطباعيا، لأبحث في اللون وفي الضوء، لذلك أحاول ما أمكن تجنب الألوان الفاقعة" .
الألوان الباهتة هي التي تتماشى مع ما يروج بدواخل الهبولي، نظرا للحالة المزرية التي يعيشها الآن، وسط مجتمع كئيب، مجتمع ليس فيه ملامح إضاءات، ولا ملامح تبشر بالخير، يقول الهبولي "الواقع المزري، والحالة السياسية والاجتماعية والثقافية، أثرت على أعمالي، خصوصا الوجوه التي رسمتها منذ خمس سنوات تقريبا، وعرضتها بالمركب الثقافي الفرنسي، ورغم أنها "وجوه" خيالية، إلا أنها تحمل المعاناة، وتعطي صورة حقيقية لمحيط أعيش فيه الآن ، كئيب، ومشمئز، يخصني كمغربي أصيل".
وعن علاقة أعماله بمسقط رأسه أزمور، سواء من خلال تراثها الشعبي أو أساطيرها وخرافاتها أو قدسيتها من خلال أوليائها "مولاي بوشعيب" و"للا عايشة البحرية"،
يقول الهبولي في تصريح لـ"المغربية" "سبق لي أن لمحت لعدد من الأصدقاء، وبعض النقاد بأنه لا علاقة لي في أعمالي بمدينتي أزمور، فأنا أتعامل في ما أرسمه من منظوري الشخصي، وما أحس به، وعندما يكبر الموضوع في ذهني، وفي حالتي الداخلية، ويصبح لصيقا بي، تجعلني هذه الحالة أرسم ما أحس به" .
ويؤكد الهبولي أنه لم يسبق له في حياته، ولو في بداياته التشكيلية، أن رسم واجهة الواد "أم الربيع"، الذي يخترق مدينة أزمور، مشيرا إلى أن أعماله لم تتطرق قط للمكان، دون أن ينفي أن أزمور مسقط رأسه، " بها نشأت، وكبرت وعشت فيها تحولاتها الإنسانية، رغم أنها لم تكن حاضرة بها ثقافة التشكيل من قبل.
وبخصوص مستقبل الفن التشكيلي بالمغرب وازدياد عدد المعارض، يقول الهبولي، "هناك معارض كثيرة، لكن بعضها دون المستوى لأنها ضعيفة، وهذا خطر يهدد التشكيل المغربي، وهذا لا يعني أنني ضد أحد، لكن مزاولة فن الرسم عليها أن تكون احترافية و مضبوطة وليس من أجل الترفيه".
ويضيف ما يطبع أغلب هذه المعارض، التي تعرض أعمالا دون المستوى هو المحسوبية وعلاقات الصداقة والقرابة وفي بعض الأحيان العلاقة السلطوية، والإعلام أيضا له دوره في تكريس الرداءة من خلال مواكبة مثل هذه الأنشطة والتطبيل والتصفيق لها، وهنا تكمن الخطورة، لأن الناس في المغرب مازالوا يرون أن الثقافة والفن مجرد شيء إضافي ووسيلة من أجل ملء الفراغ.
ويؤكد الهبولي، أنه لولا المراكز الثقافية لما استطاع بعض الفنانين عرض أعمالهم، "منذ سنوات ونحن نتكلم عن أن المراكز الثقافية الأجنبية لا تخدم ثقافتنا المغربية، وهل هناك مؤسسة في المغرب، سواء رسمية أو من المجتمع المدني، تخدم هذه الثقافة الاهتمام نفسه والعناية ذاتها من خلال تقديم مجموعة من المساعدات. وما لمسته في جميع معارضي، التي أقمتها بالمراكز الثقافية الأجنبية في المغرب سواء الفرنسية أو الإسبانية، هو أنني أحس بنشاط ثقافي، لأنني أكون محاطا بفنانين ونقاد ومهتمين، وجمهور متميز أتحاور معه بلغة فنية، وهذا لا يوجد في مؤسساتنا الثقافية المغربية، لأننا مازلنا لم نفهم الديمقراطية في الثقافة وفي الفنون، ومازال منطق الصداقة والإخوانيات في تقديم فلان على فلان، و المسألة ستطول كثيرا، ولن نتقدم في المجال الفني، إذا لم نتجاوز ذلك".
تبقى الإشارة إلى أن انطلاقته الفنية كانت بعد الاستقلال، يقول الهبولي "عندما انتشرت دور الشباب، التي أتاحت لنا فرص الرسم، في تلك الفترة كان مدير دار الشباب يطلب منا عرض بعض الرسومات التي كنا ننجزها، واختارني للتداريب التي كانت تقوم بها وزارة الشبيبة والرياضة، ومن ثمة بدأ التكوين، والاحتكاك، والتقيت مع أسماء أصبحت في ما بعد كبيرة في عالم الرسم منها الراحل محمد القاسمي، فضلا عن العديد من الرسامين الفطريين الذين مازالوا يعملون إلى حد الآن مثل فاطمة حسن والكزولي، وحسن الفروج، وكانت هذه الثلة من الفنانين في تلك الفترة هي التي أطرت مجموعة من الرسامين في ما بعد".