مثقف مغربي آخر، من عيار ثقيل، يرحل في زمن الشدة الثقافية، وفي وقت يحتاج فيه المغربي أن يرى ذاته بوضوح في المرآة.
فعبد الكبير الخطيبي، الذي دخل مستشفى الشيخ زايد بالرباط، قبل شهر، بعناية ملكية ، ليس مجرد أستاذ جامعي، أو باحث عاد، أو اسم يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل إنه مثل النقلة النوعية للبحث السوسيولوجي في المغرب، حينما أخرجه من مدرسيته الجاهزة إلى مدارات أخرى، وبموته تطوى صفحة من أهم صفحات المغرب الثقافي، الذي راهن على حوار ندي مع الآخر/ الغربي، من دون إحساس بالنقص، ولا بالمهانة.
ومنذ "الذاكرة الموشومة"، التي فتنت المغربي والعربي، إلى "الاسم العربي الجريح"، الذي صار عنوانه علامة على مرحلة عربية، إلى ولعه بالحروفية، وبالأخص العمل المهم الذي أنجزه حول الخط المغربي، في وقت كان هذا الخط العربي خطا مهملا، ليس له القدر نفسه من الاهتمام قياسا إلى الخطوط الأخرى، مثل الكوفي، والثلث، والنسخي، من خلال الجهد الكبير الذي بذله الخطيبي، رفقة محمد السجلماسي، في إعادة اكتشاف كوامن هذا الخط، وما يزخر به من طاقة، هي جزء من جماليات التكوين المعماري، ومن الثراء البصري لبلدان المغرب الإسلامي.
منذ ذلك المنجز "الثوري"، كان الخطيبي يقول لنا إننا لسنا نقطة مهملة في الجغرافيا، بل نحن عنصر مهم في التكوين الحضاري العربي والإسلامي.
عرف الخطيبي في المشرق العربي بكتابين أساسيين، الأول هو كتاب "الاسم العربي الجريح"، والكتاب الثاني هو "المناضل الطبقي على الطريقة التاوية"، وفي هذا الكتاب الجميل والأخاذ، أعاد الخطيبي اكتشاف ما تحبل به الكلمات من سحر خاص، ضمن أسلوب قصيدة الهايكو، وفي عمق الحكمة الطاوية، مرتحلا من ثقافة عربية مسكونة ببلاغتها الخاصة، إلى ثقافة آسيوية مبنية على روح التأمل والاختراقات الفادحة، التي تحدثها في الحواس.
هذا هو الخطيبي مكتشف منجم اللغة، وصهار كبير للفكر، وبقدر كلماته المضيئة التي اخترقت حواشي المسكوت عنه، ومنحت للعربي معنى آخر للنظر إلى جسده وإلى ذاته، الجسد، بما هو كيان جماعي مشترك، بقدر ما ترحل بنا في تفاصيل أخرى كنا نجهلها تماما، هي علم الدلالة وعلم الصورة، وكيف نكثف الكلمات كما كان يفعل تاو.
وفي هذا المقام، تكون الكلمة الدالة، التي قالها في حقه السيميولوجي الفرنسي رولان بارث، أكثر من دالة، يقول "إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور، الأدلة، الآثار، الحروف، العلامات. وفي الوقت نفسه، يعلمني الخطيبي جديداً، يخلخل معرفتي، لأنه يغير مكان هذه الأشكال، كما أراها، يأخذني بعيداً عن ذاتي، إلى أرضه هو، في حين، أحس كأني في الطرف الأقصى من نفسي".
وهي شهادة عميقة، تكتسي أهمية خاصة، لأنها تحفظ للرجل مكانته، وتبرز موقعه الريادي في مجال العلوم الاجتماعية، وبالأخص في الأنثروبولوجيا الثقافية، التي يعتبر الخطيبي أحد الفاتحين فيها. فمن كان يعرف قبل أكثر من نصف قرن في المغرب الثقافي وفي العالم العربي، معنى قراءة العلامات، والوشم، والأشكال، التي تجرح يوميا ذائقتنا البصرية وتتغلغل في لاوعينا، وتؤسس لسلوكنا الاجتماعي، ولممارستنا اليومية للحياة وللسياسة، ولكل أشكال الفعل الاجتماعي، حتى ولو كان هذا الفعل فعلا إجراميا مقيتا؟.