حسن الوزاني يرصد واقع الكتاب بالمغرب

الجمعة 06 مارس 2009 - 20:29

صدر، أخيرا، للباحث والشاعر حسن الوزاني كتاب جديد باللغة الفرنسية، تحت عنوان "قطاع الكتاب بالمغرب : الوضعية والآفاق"، ضمن منشورات وزارة الثقافة.

يتناول الكتاب، الذي هو عبارة عن دراسة جرى إنجازها بطلب من وزارة الثقافة ومنظمة اليونسكو، مقاربة وضعية وآفاق مجمل حلقات صناعة الكتاب بالمغرب، سواء تعلق الأمر بالكاتب أو إنتاجه أو بنية النشر أو بنية الطباعة أو شبكات التوزيع أو القارئ، بالاعتماد على بحث ميداني، وعلى حصر للإنتاج الثقافي والعلمي المغربي خلال عينة زمنية.

وكتب الباحث يحيى اليحياوي، في تقديمه للكتاب، "من خلال منهجية علمية صارمة ومعطيات تاريخية مهمة وأرقام ورسوم بيانية وجداول دالة، بالإضافة إلى بحث ميداني ومقاربة تمتلك آخر تطورات منهجية التحليل الببليومتري، استطاع حسن الوزاني رسم صورة شبه شاملة لقطاع يجمع الكل على أنه يعيش أزمة عميقة. ولم يكتف الباحث بتحديد معالم الوضعية الحقيقية للكتاب بالمغرب، ولقطاع النشر أساسا، دون أي حكم انطباعي مسبق، بل حاول تقديم تصور لرزمة اقتراحات بغية البحث عن آفاق للنهوض بقطاع الكتاب".

انتهت الدراسة إلى عدد من الخلاصات التي تهم وضعية مختلف حلقات قطاع الكتاب بالمغرب، ومن بينها على سبيل المثال :

أولا تأخر ظهور البنيات الحديثة

إذ ترتبط وضعية قطاع الكتاب بالمغرب بثقل الجانب التاريخي، الذي يتسم، بشكل مفارق، من جهة، بالحركية التي عرفها الإنتاج الثقافي المغربي خلال مراحله التاريخية، ومن جهة أخرى، بتأخر ظهور مكونات القطاع بمفهومها الحديث.

وارتباطا بذلك، تأخر ظهور مفهوم الكاتب، بتجليه الحديث، المختلِف عن مفهوم العالم أو الفقيه، إلى أربعينيات القرن الماضي، مع ظهور حدود جديدة لمجال "الأدب" ومع تكرس الحدود الفاصلة بين الأدبي وغيره، وهو ما جرى خصوصا مع ظهور أجناس أدبية جديدة، تجلت في الرواية والكتابة القصصية والكتابة المسرحية. وعرف مفهوم الكاتب تكرسه مع عقدي الستينيات والسبعينيات بفضل إسهام الجامعة.

ويهم هذا التأخر الحلقات الأخرى لصناعة الكتاب. وفي هذا الإطار، تأخر ظهور الطباعة الحجرية بالمغرب إلى سنة 1865، في الوقت الذي عرفت دول عربية أخرى ظهور الطباعة بشكل مبكر، ومنها لبنان، الذي تعود مطبعته الأولى إلى سنة 1610، وسوريا (1706) ومصر (1798) واليمن (1827) والجزائر (1845).

أما بنية النشر الحديثة فلم تر النور إلا ابتداء من ثمانينيات القرن الماضي، وارتبط ذلك بتزامن عدد من التحولات الاقتصادية والسياسية والسيوسيوثقافية التي ترجع أساسا إلى تراجع إنتاج دور النشر اللبنانية مع ظروف الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، وانخفاض الدرهم، وإطلاق سياسية التعريب التي فتحت حاجيات جديدة، خصوصا على مستوى الإنتاج المكتوب باللغة العربية.

ثانيا محدودية الثقل الاقتصادي

يظل الثقل الاقتصادي لقطاع الكتاب بالمغرب محدودا، بل وهامشيا مقارنة مع القطاعات الاقتصادية الأخرى. وفي هذا الإطار، حققت مجملُ مكونات قطاع النشر والطباعة، سنة 2006، حسب إحصائيات لوزارة الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة، إنتاجا بقيمة 2630 مليون درهم وقيمة مضافة بقيمة 903 ملايين درهم، من خلال اشتغال 24 مؤسسة نشر و444 وحدة مطبعية.

ورغم أهمية ذلك، يظل هذا التطور محدودا جدا بالمقارنة مع عدد كبير من المجالات الصناعية الأخرى، حيث لم تتجاوز نسبة كل من الإنتاج والقيمة المضافة 1 % فقط لكل منهما على المستوى الوطني سنة 2006. وهي النسبة ذاتُها التي يشغلها المستخدَمون من طرف القطاع المذكور.

وإذا كان هذا التطور يهم مجمل مكونات قطاع النشر والطباعة، فإن تمثله يفترض الأخذ بالاعتبار ارتباطه أساسا بقطاع الطباعة، حيث تقل قيمة الإنتاج المحقق في إطار قطاع النشر، سنة 2006، على سبيل المثال، بحوالي 7 مرات عن القيمة المسجلة في إطار قطاع الطباعة. كما يقل حجمُ الاستثمارات في القطاع الأول بحوالي 5 مرات عن استثمارات القطاع الثاني، وهو الأمر الذي يهم، بدرجات متفاوتة، بقية المؤشرات الأخرى.

وبشكل عام، تحول المستويات الاقتصادية المحدودية على مستوى قطاع الكتاب دون خلق صناعة حقيقية للكتاب، بإمكانها مواجهة التحديات، التي تعرفها الصناعات الثقافية عموما في ظل سياق تحكمه تنافسية متزايدة.

ثالثا محدودية الإمكانيات البشرية

يظل الجانب البشري إحدى نقط ضعف قطاع الكتاب بالمغرب. ويرتبط ذلك من جهة بمحدودية التكوين والتكوين المستمر في المجال، ومن جهة ثانية بطبيعة توزيع الإمكانيات البشرية، وهو الأمر الذي يتجلى، على سبيل المثال، في تمركز مستخدَمي مقاولات النشر على مستوى النشاط التجاري، على حساب الجانبين التحريري والتقني اللذين يُفترض أن يشكلا أحد أسس احترافية مقاولة النشر الحديثة. ويفتح هذا التوزيع، البابَ أمام تمركز المهام التحريرية على مستوى الإدارة، حيث يصير الناشرُ مسؤولا عن التدبير والإشهار واختيار المخطوطات والطبع.

رابعا ضعف شبكة التوزيع

تشكل بنية التوزيع المجال الأضعف في حلقة صناعة الكتاب بالمغرب. ويرتبط هذا الوضع، المفارق للأهمية القصوى التي يُفترض أن يمثلها هذا القطاع على مستوى ترويج الكتاب وتداوله والتعريف به، بطبيعة شبكة التوزيع بالمغرب وبمحدودية احترافية جانب منها وبمستوى تغطيتها المحدود للتراب الوطني.

ويتسم قطاع توزيع الكتاب بالمغرب بتوزيعه على نظامين أساسين. يتجلى الأول في شبكة التوزيع المهني، وتحتفظ بمحدودية مكوناتها وبغياب المنافسة الذي طبعها خلال فترة طويلة.

كما تتسم بتركيز اشتغالها، من جهة، على الكتاب المدرسي والأجنبي، ومن جهة أخرى، على الصحافة المكتوبة. أما الثاني فيتجلى في التوزيع الذاتي، المعتمدَ سواء من طرف الكُتاب أو عددٍ من دور النشر. وإذ كانت هذه الممارسة تُمكن من تخفيض تكاليف التوزيع، خصوصا اعتبارا للنسبة المرتفعة التي تشترطها مؤسساتُ التوزيع المهنية، فإنها لا تضمن تغطية جغرافية هامة على مستوى التوزيع. كما أنها تتم، في غالب الأحيان، على حساب أنشطة النشر، مكرٍّسةً بذلك خللا على مستوى تَسَلسُل ومهنية حلقات صناعة الكتاب.

ويشترك النظامان السابقان، سواء المهني منه أو الذاتي، في غياب استراتيجية على مستوى التواصل والإعلام، ومن علامات ذلك محدوديةُ مصادر التعريف بالإصدارات الجديدة وعدم انتظام الموجود منها أو توقفه ومحدودية شموليتها، وكذا التقصير في توظيف التكنولوجيا الجديدة على مستوى ترويج هذه الإصدرات.

خامسا تباينات تصدير واستيراد الكتاب

تكشف الإحصائيات الرسمية، خصوصا المقدمة منها من طرف مكتب الصرف، عن تباين جلي وعميق بين صادرات المغرب ووارداته على مستوى الكتاب.

وفي هذا الإطار، بلغت قيمةُ مجموع واردات المغرب على مستوى الكتاب، خلال الفترة الممتدة من سنة 2005 إلى 2007، ما يقارب 13 ملايون درهم، وهو ما يشكل 36 مرة ضعف مجمل قيمة صادرات المغرب، خلال المرحلة نفسها.

وعلى مستوى مصادر واردات المغرب، تحظى أوربا بالنسبة الأكبر، بقيمة وصلت، خلال الفترة المذكورة، إلى 900 مليون درهم، وهي قيمة تشغل 70،84 % من مجمل قيمة واردات المغرب.

ويعود هذا الحضور الكبير أساسا إلى التنامي المستمر والمتزايد لواردات المغرب من دولتين مركزيتين، هما فرنسا وإسبانيا، حيث بلغت قيمة صادراتهما إلى المغرب، خلال الفترة المذكورة، 762 مليون درهم، تشغل 84،46 % من مجمل صادرات أوربا إليه، وتُضاعِف ما صدره المغرب إليهما بحوالي 42 مرة، حيث لم تتجاوز قيمة هذه الصادرات 18 مليون درهم خلال الثلاث سنوات المذكورة.

وإلى جانب الترابط الثقافي التاريخي بين المغرب وبين فرنسا وإسبانيا، يرتبط حضورهُما كمَصْدرين أساسين لوارداته على مستوى الكتاب، بتزايد طبع عدد من الكتب المدرسية المغربية بمطابعهما، خصوصا بعد إطلاق سياسية تحرير الكتاب المدرسي.

ومن جهة أخرى، يشكل لبنان البلد الثاني، بعد فرنسا، على مستوى واردات المغرب. وقد وبلغت صادراته، خلال فترة 2005-2007، ما يقارب 217 مليون درهم، تعادل حوالي 123 مرة ما صدره المغرب إلى لبنان، وهو ما انحصرت قيمته في مليون درهم ونصف فقط. وتشكل إصدارات لبنان، على مستوى الكتاب العربي، المصدر الرئيس لمجمل الدول العربية.

وفي ما يخص صادرات المغرب على مستوى الكتاب، فقد بلغت قيمتها، ما بين سنتي 2005 و2007، 35 مليون درهم. وتشكل أوربا وجهتها الأساسية، بقيمة وصلت إلى 19 مليون درهم، تشغل فرنسا نسبتها الأكبر التي وصلت إلى 92%، بقيمة تقدر بـ 18 مليون درهم. ويعود ذلك أساسا إلى الهامش الذي يفتحه الكتاب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية على مستوى التداول داخل بلد كفرنسا.

وتشكل إفريقيا الوجهةَ الثانية لصادرات المغرب على مستوى الكِتاب. وبلغت قيمتها، خلال الفترة المذكورة، 12 مليوندرهم، تشغل 28% من مجمل صادرات المغرب. ويرتبط هذا الحضور، بشكل أساس، بلجوء عدد من الدول الإفريقية إلى المطابع المغربية، لانخفاض تكاليفها مقارنةً مع مطابعها المحلية، وذلك لطبع كتبها المدرسية، أو لطبع الكتب الدينية، ومنها أساسا القرآن. وهو ما يفسره حجمُ قيمتي الصادرات الموجَّهة إلى دولتين إفريقيتين إسلاميتين، هما مالي والسينغال، اللتان بلغتا، ما بين 2005 و2007، على التوالي، 4 ملايين درهم نصف ومليوني درهم، متجاوزتين بذلك قيمة صادرات المغرب إلى بلد كمصر، التي انحصرت في 779 ألف درهم.

وبشكل عام، يرتبط التباين الكبير بين واردات المغرب وصادراته على مستوى الكتاب، بعوامل تاريخية وثقافية وتنظيمية تحتفظ بتداخلها.

وفي هذا الإطار، تعود تقاليد استيراد المطبوعات العربية، خصوصا المصرية منها، إلى القرن التاسع عشر. وهو الأمر الذي كان يجري، بشكل فردي، من طرف الحجاج المغاربة بشكل أساس. وكانت المطبوعات المستورَدة مصدر منافسة للمطبوعات الحجرية المغربية.

وابتداء من عشرينيات القرن الماضي، اتخذت ممارسة الاستيراد شكلا ممأسسا، مع إنشاء عدد من مكتبات البيع ووحدات التوزيع المختصة، ومنها، بشكل خاص، مكتبة "هاشيت" التي جرى فتحها سنة 1924، ومكتبة المدارس التي جرى تأسيسها سنة 1943.

وتكرست تلك الممارسةُ ، خلال العقود اللاحقة، مع توجه مؤسسات شبكة توزيع الكتاب نحو استيراد الكتاب الأجنبي، اعتبارا لمردوديته، سواء من خلال نظام التوزيع الحصري، خصوصا بالنسبة للكتاب المدرسي والبيداغوجي الموجه أساسا للمدارس الخاصة، أو من خلال التوزيع المفتوح أمام المنافسة.

وخلافا لذلك، لا يحظى الكتاب المغربي ببنيات على مستوى التوزيع يمكن أن تفتح أمامه الأسواق العربية والدولية. أما قنوات التوزيع الموجودة والمعتمدَة من طرف المؤسسات المغربية فتتسم دائما بمحدودية تغطيتها.

من جهة أخرى، يحرم الكتاب المغربي المنشور على نفقة المؤلفين، الذي يشكل جانبا مهما من الإنتاج المغربي، من إمكانيات توزيعه خارج المغرب.

كما أن غياب تراكم على مستوى النشر المشتَرَك بين مؤسسات النشر المغربية والعربية والأجنبية يحول دون فتح آفاق جديدة على مستوى تداول الإنتاج الثقافي والعلمي المغربي خارج حدوده التقليدية.

كما، تكرس الترسانة القانونية، المتعلقة بحرية تداول الكتاب، التباين بين مستويي تصدير الكتاب واستيراده. وهي تتجلى أساسا في مقتضيات ظهير 8 شعبان 1371 (3 أبريل 1952) ، المتعلق بتحديد النظام الجمركي الجاري على بعض أصناف المطبوعات، وظهير 1.60.201 لـ 14 جمادى I، 1383 (3 أكتوبر 1963) ، المتعلق بانخراط المغرب في الاتفاقية الخاصة باستيراد المواد ذات الطابع التربوي والعلمي أو الثقافي، التي سبق التوقيع عليها في 22 نونبر 1950.

ويتميز الظهيران بتوسيع مجال أنواع الكتب والوثائق التي تستفيد من الإعفاءات الجمركية. ويشمل ذلك، حسب الظهيرين، كل الكتب المطبوعة تحت عنوان معيَّن، وجرى إصدارها من أجل هدف عمومي، ويكون موضوعها التكوين والتربية والإعلام أو الترفيه، بهدف تداول المعرفة في مختلف مجالاتها.

وبذلك، يفتح الاستيراد، بفضل الشروط السابقة وبفضل نظام التوزيع الحصري والمنافسة المتزايدة، البابَ أمام الكتاب العربي والأجنبي، المتميز، سواء بجودته الجمالية، أو باستجابته لانتظارات فئات محددة من القراء، أو بأثمنته المنخفضة، كما هو الأمر بالنسبة للكتاب المستورد من لبنان، أو بالنسبة للمرجوعات المستوردة من أوروبا




تابعونا على فيسبوك