باحثون ومفكرون يحتفون بكيليطو والخطيبي بالدارالبيضاء

الأربعاء 25 فبراير 2009 - 09:18
عبد الفتاح كيليطو

شهد اليوم الأخير، من فعاليات الدورة الخامسة عشرة للمعرض الدولي للكتاب الذي احتضنته الدارالبيضاء من 13 إلى 22 فبراير الجاري، تنظيم ندوات تكريمية لشخصيات فكرية وإبداعية وازنة من عيار الأستاذين عبد الفتاح كيليطو وعبد الكبير الخطيبي.

ففي قاعة محمود درويش جرى تكريم رمزي الثقافة المغربية عبد الفتاح كيليطو، وعبدالكبير الخطيبي، في لقاءين نظمهما بيت الشعر في المغرب بتعاون مع وزارة الثقافة.

اللقاء الأول احتفى بعبد الفتاح كيليطو، وأطره الناقد المغربي عبد الرحمن طنكول، بمشاركة الباحثين عبد السلام بنعبد العالي وعبد الكبير الشرقاوي وخالد بلقاسم.

وأجمع الحاضرون على أن عبد الفتاح كيليطو، يعتبر من الباحثين المتميزين في النقد المغربي والعربي المعاصر، سواء من حيث كم الكتب والدراسات والبحوث التي نشرها، أو من خلال نوعيتها وما تقدمه من جديد في ميدان النقد الأدبي، وما تفتحه من أسئلة حقيقية من راهن السؤال النقدي المعاصر وتعقيداته النظرية والتطبيقية، وأشارو إلى أن عبد الفتاح كيليطو عرف في الثقافة المغربية المعاصرة بنفسه الطويل في البحث وصبره المتفاني في إخراج أعمال مركزة مليئة بالإشارات، التي تفتح مجالات خصبة في الدرس النقدي ومدارسه.

في تقديمه للقاء، قال عبد الرحمان طنكول، إن كيليطو يتمز بأنه أحد المتخصصين البارزين في دراسة الأدب العربي القديم، من خلال إعادة قراءته للتراث القديم بنظرة منفتحة تطرح أسئلة جديدة بشكل مشاغب واستفزازي أحيانا.

وأضاف طنكول أن الأعمال التي قام بها عبد الفتاح شبيهة بالحفر الأركيولوجي في النصوص، فهو يستطيع أن ينفذ إلى موضوعه من خلال جزئية هامشية تبدو في الأصل غير ذات معنى، أو تبدو من المسلمات التي لا يعيرها العقل انتباها، حتى إذا بدأ في مقاربتها والاقتراب من أسوارها تشكلت شيئا آخر حافلا بالمعنى.

إن عبد الفتاح كيليطو يجبرنا في كل كتبه على إعادة طرح الأسئلة القديمة التي كنا نظن أن التطرق إليها هو ضرب من ضياع الوقت، وأنها إشكاليات قديمة عفا عنها الزمن وأصبحت جزءا من التراث الأدبي والنقدي، لكنه يكشف عنها بطرق جديدة، مستفيدا مما وصل إليه الدرس النقدي المعاصر من تقنيات منهجية جديدة كالسيميائيات وتحليل الخطاب والبلاغة المعاصرة، وغيرها من المعارف المتداخلة.

وأشار طنكول إلى جدلية التدوين والإتلاف لدى كيليطو، الذي أتى إلى الكتابة متأخرا، على غرار الكاتب المغربي الآخر إدمون عمران المليح، لكنه أتى بأدوات غير معهودة ترتبط فيها الكتابة بالقراءة ارتباطا كبيرا.

من جهته، قال المفكر عبد السلام بنعبد العالي، في معرض تبريره لعنوان ورقته الموسومة بـ "الأدب والميتافيزيقا"، إن مهمة الفلسفة هي التأسيس أو القدرة على التأسيس لما يبرر فضولها العلمي، فيما لا تعد علاقة الفلسفة بالأدب تأسيسا فلسفيا للفعالية النقدية متحدثا عن "الخيوط الخفية" التي تكمن في نصوص كيليطو، مبرزا أن أعمال هذا الأخير تمنح للنقاد مجالا واسعا للبحث والدراسة "فعندما ينفصل خيط التراث الذي كان يشدنا ونشده، يكتب كيليطو أشياء تخالف كل المخالفة ما كنا نعتقده".

وفي معرض تدخله قال عبد الكبير الشرقاوي، عن أعمال كيليطو المكتوبة باللغة الفرنسية، إن "تحت النص الفرنسي يوجد نص عربي" فكتاب " لسان آدم" على سبيل المثال "ترجم نفسه بنفسه".

وأضاف الشرقاوي أننا " لا نخرج من كتابات كيليطو بعلم أو متعة بل بأشياء هي جزء منا، منذ أصبح السؤال جوهر الثقافة وليس الجواب كما كان عليه الأمر في العصور السابقة الواثقة من ذاتها".

واستعرض الباحث خالد بلقاسم، في ورقة بعنوان "الإقامة بين لغتين"، ثلاث قضايا اعتبرها أساسية في الفكر المغربي خاصة، أولها ازدواجية اللغة لدى كيليطو "، وقدرته على الكتابة باللغة العربية، والفرنسية في آن واحد. وثانيها هو حرية الكتابة، فكيليطو عصي على التصنيف وكتاباته تتعدى النقد أحيانا لتصير سردا تخييليا.

فيما تتمثل القضية الثالثة، في طريقة القراءة، فكيليطو يقرأ النصوص القديمة قراءة "تناسخية" وإحيائية تبعدها عن المنظور التراثي وتعيد لها الروح.

تجربة الخطيبي مشهد عميق لكينونة الفكر

اللقاء الثاني، الذي عرفته القاعة نفسها خصص لتكريم عبد الكبير الخطيبي، بحضور رشيد المومني، الذي أطر الجلسة وناشر الخطيبي جواكيم فيتال، صاحب دار النشر "لا ديفيرانس بباريس" وفريد الزاهي ورشيد بنحدو.

وفي معرض تقديمه، قال رشيد المومني إن تجربة الخطيبي تمنحنا في الكتابة والحياة مشهدا عميقا لكينونة الفكر في علاقته بالواقع، فالفكر بهذا المعنى، يرفض بعناد وصايته على المجتمع والتاريخ، على الماضي والحاضر، ومن ثمة فرادة هذه التجربة وتميزها، ولكن أيضا وضعها المأساوي كقول يعيش وينمو خارج النسق، أعني في الهامش.

إن تصور الخطيبي لمهامه ومسؤولياته كمثقف في المدينة، أي كشاهد على عصره، يطابق تصوره لمفهوم الكتابة نفسها، إذ من حيث يرفض الأنساق والإيديولوجيات الكبرى، ويمارس عليها نقدا عنيفا وجريئا، يرفض كذلك كل هوس بعرض مشروع فكري يبين فيه طريق الخلاص لهذا البلد أو لهذا المجتمع، ويقدم فيه للحاضر مفاتيح الألغاز التاريخية التي تجعله يتقدم نحو المستقبل.

بعبارة واحدة، فإن الخطيبي، من حيث يستبعد من فضاء الكتابة كفعل ثقافي مهام الإدارة وطقوسها، يستبعد أيضا طقوس النبوءة ومهام النبوة. إنه يرسم فقط شهادة، بالمعنى الأنطولوجي والاستطيقي، لا الأخلاقي أو القانوني، فالشهادة ليست عنصرا من عناصر النسق، إلا من حيث مطالبتها بقول الحقيقة.

في معرض حديثه دعا فريد الزاهي لترجمة أعمال الخطيبي إلى العربية، خصوصا رواية "كتاب الدم" الصادرة سنة 1979، وقال "إن الخطيبي ضخ دماء جديدة في الثقافة العربية حين أدخل إليها فكرا جديدا، سواء عن طريق جاك دريدا المعروف بفلسفة "الاختلاف" أو رولان بارث".

وأضاف الزاهي أن الخطيبي كاتب بلوري، نجد في كتاباته كل الجوانب الأخرى لشخصيته وعمق وتنوع فكره. كاتب يقظ لكل ما حوله، ويقظ لذاته. كاتب متعدد، وكاتب مستقبلي تحدث عن "التكنو-علمي" في أواخر القرن الماضي .

من جهته، رأى الناقد رشيد بنحدو أن "الذاكرة الموشومة"، التي نشرها عبد الكبير الخطيبي عام1971، هي منبع كل كتابات الخطيبي، واصفا إياها " بالرحم البنيوي الخصيب الذي تناسلت منه جميع النصوص الأخرى".

وأشار بنحدو إلى أن الكتابات اللاحقة لا تعدو كونها تنويعا، وتطويرا لأفكار، وتجليات لهواجس كانت في حالتها الجنينية مبثوثة في "الذاكرة الموشومة".




تابعونا على فيسبوك