استحضر مثقفون مغاربة، مساء الثلاثاء الماضي، بالدار البيضاء، جوانب من شخصية المقاوم والسياسي والأديب والمناضل والصحافي، محمد الحبيب الفرقاني، في لقاء نظم في إطار فعاليات الدورة الخامسة عشرة للمعرض الدولي للكتاب والنشر، التي تتواصل إلى 22 من فبراير الجاري.
وأجمع الحاضرون في هذا اللقاء، الذي أطره يوسف ناوري، وشارك فيه كل من نجيب العوفي، وطالع السعود الأطلسي، بحضور نجل الشاعر الراحل خالد الفرقاني، وحمل اسم "محمد الحبيب الفرقاني مسار شاعر مغربي" على أن شخصية الفرقاني متعددة الجوانب يتجاذبها المناضل والشاعر والصحافي.
واقترن اسم الراحل، في تاريخ المغرب الحديث، بالحركة الوطنية والنضال السياسي، إذ عاش حياته وفيا للقيم الإنسانية الرفيعة، مستندا إلى رؤية تؤمن بالممانعة سبيلا لبناء الحلم والمستقبل. إنها الرؤية نفسها التي وجهت كتاباته الشعرية منذ اقتران بداياتها الأولى بالشكل العمودي، بما جعل هذه الكتابات تنخرط في حلم الشاعر بمغرب حديث.
كان شعر الحبيب الفرقاني يرسخ حداثته من هذا الموقع، ويشرك الكلمة الرفيعة في مسار النضال والارتقاء بحياة الإنسان. وساهم في ذلك كله الحس الفني العالي للفرقاني بما مكنه من خلق ألفة بين الشعر والسياسة، ألفة قلما تسنت لمن نذروا حياتهم للنضال الاجتماعي و السياسي.
وقال الناقد نجيب العوفي إن الوعي الإبداعي لدى الراحل الفرقاني مرتبط بالوعي السياسي، مشيرا إلى أنه كان يقيس الشعر بمدى التحامه بهموم الطبقة الكادحة وكفاحها، لقد كان مناضلا عتيدا وصلبا سواء في السياسة أو في الأدب.
وأوضح أن الحبيب الفرقاني كان يؤمن بوظيفتين للشعر، اجتماعية وسياسية، إذ "كشف دائما عن قوة التاريخ الكامنة في الإنسان"، وزاد العوفي مستدركا أنه يمكن أن نضيف وظيفة أخرى تتمثل في "الوظيفة التحريضية والتعبيرية"، على اعتبار أن السياق، الذي كتب فيه الشعر كان "سياقا إيديولوجيا بامتياز".
من جانبه تحدث طالع سعود الأطلسي عن الجانب الصحافي، في شخصية الراحل الفرقاني، مشيرا إلى أن الراحل مارس جميع الأجناس الصحافية، إذ كان مراسلا لجريدة "العلم"، التي كان يوافيها في بداية الخمسينيات بالمستجدات والأحداث التي كانت تقع بمسقط رأسه قرية تاحناوت، ومراكش، وأكادير، كما ساهم بدراسات فكرية من بينها دراسة حول قواعد النحو الأمازيغي التي نشرت في حلقات، ودراسة عن مدارس سوس.. وغيرهما من الدراسات التاريخية والإسلامية.
أسس جمعية "الأديب" وكتب مقالا عنيفا ضد المشاركة في حكومة بلافريج نشرته جريدة "الطليعة العمالية" لأن الرقابة الداخلية لم تكن تسمح بنشره بجريدة "العلم"، التي اضطر إلى مغادرتها سنة 1959.
بعد زلزال أكادير أسس جمعية "منكوبي أكادير" وترأسها، ثم عمل مراسلا لجريدة "التحرير" في إقليم سوس.
وفي سنة 1966 أسندت إليه إدارة جريدة "المحرر"، وظل من المشرفين عليها لسنوات، حيث كتب العديد من الافتتاحيات وساهم في ركن "بصراحة" و"كلمة العدد" وكتب العديد من المواضيع في تلك الفترة من بينها "ظاهرة التصوف من جديد"، و"الحقيقة الإسلامية الضائعة بين الرهبة والفراغ" سنة 1976، وساهم بعدة مواضيع ومقالات ودراسات في كل من "التحرير" و"المحرر" في سنة 1966، وفي "الاتحاد الاشتراكي" نشر العديد من المواضيع عن الإسلام السياسي، مثل "الإسلام وأهله.. بين ظاهرة الصحوة وواقع الجمود" في الثمانينيات، كما كتب عدة أركان بالجريدة منها "حديث الجمعة" ما بين 1978- 1979، ومن وحي رمضان، ثم المقاومة الرمضانية، وكانت له ارتسامات وأفكار حول موسم الحج، ويعد من بين الصحافيين الأساسيين في تاريخ الصحافة الاتحادية.
واستعرض طالع سعود الأطلسي التجربة المتميزة للراحل في مجلة رسالة الأديب التي صدر منها 9 أعداد فقط، داعيا إلى إحداث مؤسسة علمية تحمل اسم محمد الحبيب الفرقاني .
وفي ختام هذا اللقاء، تلا نجل الراحل خالد الفرقاني مجموعة من القصائد الشعرية، التي كتبها الراحل بسجن مكناس، مابين سنة 1973 و 1974 وحملت عنوان "جزيرة الغرباء".
للإشارة ولد الأستاذ محمد الحبيب الفرقاني، سنة 1926 بقرية أزرو بتاحناوت جنوب المغرب، التي غادرها سنة 1940 في اتجاه مراكش لمتابعة الدراسة بمدرسة بن يوسف، ثم التحق سنة 1943 بتنظيمات الحركة الوطنية، وكان من بين الموقعين على وثيقة الاستقلال في 11 يناير 1944، كما كان مسؤولا عن إحدى الجماعات الطلابية المنضوية تحت لواء الحركة الوطنية.
في سنة 1948 وبطلب من والده عاد إلى تاحناوت، حيث كان يقدم دروسا في الفكر والتاريخ الإسلامي بمسجد القرية، وكان يركز على الجانب المتعلق بالكفاح والجهاد والدفاع عن الأرض وعن العقيدة، عاد مرة ثانية إلى مراكش من أجل الدراسة، حيث عمل مديرا لمدرسة الفتح الحسنية بمراكش، ثم تولى إدارة مدرسة حرة أسسها الوطنيون بمدينة أكادير.
كتب العديد من القصائد الشعرية وأصدر مجموعة من الكتب عن الحركة الوطنية والمقاومة، ومجموعة من الدواوين الشعرية، من بينها "نجوم في يدي" و"دخان من الأزمنة المحترقة" وكتاب "الثورة الخامسة - صفحات من تاريخ المقاومة وجيش التحرير" ، يشرح ويحلل الجذور التاريخية والسياسية والاجتماعية لنشوء وانطلاق حركة المقاومة وجيش التحرير.