أجمع متدخلون في الندوة التي نظمها اتحاد كتاب المغرب بتعاون مع وزارة الثقافة حول "قراءة المسرح المغربي بين النص المكتوب والعرض المرئي"
والتي جرت ضمن فعاليات الدورة الخامسة عشرة للمعرض الدولي للنشر والكتاب، التي تستمر إلى 22 فبراير الجاري، بقاعة الحبيب الفرقاني، أن المؤلف والمخرج والممثل تناوبوا على احتلال واجهة المشهد المسرحي المغربي، خلال العقود الأخيرة .
وأوضح الباحثون الذين ناقشوا تاريخ المشهد المسرحي في المغرب، أن المسرح المغربي عرف مجموعة من المراحل التي تناوب فيها المبدعون في التأليف والإخراج والأداء على احتلال مركز الصدارة.
وانطلق الباحث سعيد الناجي من سؤال حول وعي المسرحيين المغاربة بممارسة المسرح (نصا وفرجة) وعما إذا كان الأمر يتعلق ببحث عن مسرح تجريبي أم انخراط في سياق المسرح الأوروبي.
وأضاف في معرض تدخله أن المؤلف كان المهيمن دائما في تجربة مسرح الهواة التي تراجعت في السنوات الأخيرة، لأنه يتكفل بإيصال النص إلى العرض المسرحي، قبل أن يشهد المسرح المغربي تحولا عميقا، بفعل ظهور ما يمكن أن نسميه "غياب مؤلف النص الصمد".
من جانبه، قال حسن البحراوي إن ظهور مهن مسرحية جديدة رجحت كفة العرض وبالتالي تراجع المؤلف إلى الوراء، وهو ما اعتبره انتصارا جديدا للعرض من خلال إبراز الممثل، وأعطى المتدخل لمحة عن المرحلة التي كان فيها المؤلف سيد الموقف، مستشهدا بمسرح الاحتفالي عند عبد الكريم برشيد، والمسرح الذهني لدى توفيق الحكيم.
وفي معرض تدخله، قال الناقد والمسرحي المغربي عبد الرحمن بن زيدان، إن ظهور بعض المصطلحات الغربية في المسرح كالسينوغرافيا والدراماتورجيا والجسد قلصت من دور المؤلف وفتحت الباب على مصراعيه لبروز المخرج.
وأبرز الناقد خصوصيات الفترات الانتقالية من النص الأدبي كذاكرة للتراث الأدبي والأسطورة والدخول إلى زمن العرض المرئي للمسرح والانفتاح على مختلف الفنون.
من جانبه، اعتبر حسن يوسفي أن بروز ظاهرة الدعم المسرحي أنتج أسئلة جديدة من قبيل المهنية والمأسسة والتعامل مع الموسم المسرحي، باعتبار أنها أثرت على اختيار النص والفرجة.
وفي معرض حديثه، قال الناقد والشاعر اللبناني بول شاوول "لا يمكن للمخرج أن يحل محل المؤلف كما لا يمكن للمؤلف أن يحل محل المخرج، لأن العرض المسرحي ليس في نهاية المطاف سوى نتاج لقاء بين مخيلتي المؤلف والمخرج.
وبدأت أهمية النص المسرحي تتراجع داخل المؤسسة المسرحية مع بزوغ عصر المخرجين في المسرح الغربي في نهاية القرن التاسع عشر، وراهن المخرجون على الكشف عن موهبتهم الإبداعية التي تجعل لهم قولا فصلا في صناعة الفرجة المسرحية، وظهر نوع من المخرجين الذين دافعوا عن أحقية المخرج في الإبداع، وفي الجمع بين الإخراج والتأليف.
وكان الجمع بين التأليف والإخراج وراء تطور الدراماتورجيا، باعتبارها صناعة للفرجة المسرحية، وأصبح الأمر من علامات التحديث في المسرح الغربي، خاصة مع بروز مخرجين كبار من عيار برتولد بريشت وتادوز كانتور وغروتوفسكي وبيتر بروك وغيرهم، غير أن الأمر في المسرح المغربي، وحتى في المسرح العربي على ما يبدو، لم يكن المواصفات نفسها والنتيجة ذاتها. ذلك، أن المسرح العربي، كان وما يزال في حاجة إلى ترسيخ الكتابة الدرامية بتقاليدها المعروفة، كي يستطيع بعد ذلك الانزياح عن التراكمات المتحصلة.
وظهرت في تلك الفترة تجارب مهمة في المسرح العربي، عملت على الجمع بين الإخراج والتأليف، لكنها بقيت مجرد تجارب محدودة، في المقابل راهن عدد كبير من المسرحيين على التأليف والإخراج، فجاءت أعمالهم ضعيفة لا هي بالأعمال الكلاسيكية المحترمة، ولا هي بالعروض المسرحية التجريبية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انبرى عدد من الكتاب إلى المراهنة على كتابة نصوص تراعي الجانب الفرجوي والجمالي، أي تراعي خصوصية العرض المسرحي، فجاءت نصوصا مفتقرة إلى العمق الدرامي، هي عبارة عن إرشادات مسرحية متلاحقة، فلم تكن بذلك نصوصا درامية كلاسيكية، ولا مشاريع عروض مكتملة.
ولعل هذا الرهان هو الذي دفع نحو الاقتباس، الذي يسمح للمخرج بأن "يشغل" المؤلف فيه، فيحصل على نص "هجين"، ومن هنا، طغى الجانب التقني، ليتجه البحث المسرحي نحو الجماليات الخالصة. وبالتالي، فالمراهنة على التجريب في المسرح أمر جميل ومستحب، ولكن المبالغة في التجريب دون حاجة ولا داع قد تنتج الكارثة.