على هامش المعرض الدولي للنشر والكتاب

كتاب مغاربة وعرب في ندوة ما معنى أن نكتب اليوم

الأربعاء 18 فبراير 2009 - 11:01

شارك ثلة من الكتاب المغاربة والعرب، في ندوة حول القصة القصيرة، احتضنتها قاعة الحبيب الفرقاني، يوم الأحد الماضي، في إطار فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمعرض الكتاب، الذي تحتضنه الدارالبيضاء إلى 22 فبراير الجاري.

وطرح الكاتب المغربي عبد النبي داشين، الذي أدار النقاش عدة إشكاليات من قبيل لماذا نكتب؟ و"ما معنى أن نكتب القصة القصيرة اليوم؟ ".

وقال القاص المغربي إدريس الخوري، إن المجتمع المغربي مجتمع قصصي بطبعه، وهذا هو سر تميز القصة القصيرة في المغرب، مشيرا إلى أن هذا الفن يتطور باستمرار ويعرف ازدهارا كبيرا، رغم معاناته في الآونة الأخيرة مضايقات بعض النقاد الذين يحاولون سلبه هويته، مضيفا أن القصة القصيرة ليست سوى حالة إنسانية، يكفي أن تكتب بطريقة جيدة وبأسلوب ممتع.

وفي معرض تدخله رفض القاص التونسي حسونة المصباحي، أن يكون هناك مجتمع قصصي وآخر روائي، معتبرا أن هذا التصنيف لا يليق بالإبداع، موضحا أن المشكلة ليست في التصنيف الذي تجاوزته الآداب العالمية، بل في أن نكتب نصا، جميلا لأن القصة القصيرة أو الرواية ليست إلا وعاءا فنيا يمثل نفسه.

وأضاف المصباحي أن القصة القصيرة لا تتصارع مع الرواية كما يظن البعض، مستدلا بذلك على أن أصل الكثير من الروايات العالمية الناجحة، التي كتبها أدباء كبار من أمثال إرنيست همنجواي وجويس وويليام فولكنر، هي في الأصل قصصا قصيرة.

من جهته قال القاص المصري، سعيد الكفراوي، إن الزمن هو زمن الكتابة الجيدة لا زمن الرواية، أو الشعر أو القصة القصيرة، معتبرا أن القول بزمن فن معين ما هو إلا خطأ نقدي، فالكتابة ليست سوى سعي للمعرفة.

وفي معرض حديثه عن القصة القصيرة، نوه الكفراوي بالقصاصين المغاربة، واصفا إياهم بالمناضلين الكبار الذين بقوا أوفياء للقصة، رغم الشعارات التي تروج لأفولها، مذكرا بصلابة أحمد بوزفور، الذي أمضى أزيد من أربعين سنة في الكتابة القصصية.

وعرف الكفراوي القصة القصيرة بأنها تلك الحالة التي تعبر عن مجتمعات مغمورة وهي الفلاحون عند يوسف إدريس، العاهرات عند موباسان، والمدرسون عند تشيخوف، "في قريتي في الصعيد شغلتني فكرة الموت والرحيل في كثير من القصص، ومن هذه القرية انتقلت إلى المدينة، حيث أنتمي لجيل شكلت هزيمة 67 وجدانه، وأنظر إلى جيل نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس أنهم أبناء الحقبة الليبرالية وبالتالي أعطوا ثراء حقيقيا للقصة وجيلنا هذا عاصر هزيمة 67 ورأينا الصلح مع العدو والانفتاح الاقتصادي وعايشنا زيارة السادات لإسرائيل" .

وأضاف الكفراوي أن الحكاية هي ما ورثناه عن الأهل، الذين حرموا من التعليم وتمتعوا بالثقافة الشفهية، واستطرد "عندما كنت صغيرا كنت أجد الأهل والجيران يجلسون على المصاطب يحكون قصص الزير سالم وعنترة بن شداد، المليئة بالعبر والعظات، وكثيرا ما كانت تلك الحكايات تتحدث عن الموت وليالي الفرح والمآتم والأساطير، ومن هنا تكونت علاقتي بالحياة والموت، والكهولة والطفولة، والعبودية والحرية...".

وتحدث الكفراوي عن حكايته مع الكتابة التي بدأت في سن مبكرة أواخر الستينيات من القرن الماضي، مبرزا أن القصة القصيرة هي أكثر الفنون صعوبة وأمثلها تعبيرا عن العالم، مستدلا برائعة الكاتب سهيل إدريس "بيت من لحم".

من جانبه، قال القاص المغربي أحمد بوزفور إن القصة القصيرة جنس أدبي مستقل بنفسه عن باقي الفنون الأخرى، مشيرا إلى أنه بدأ الكتابة منذ أربعين سنة، دافع فيها بقوة وباستماتة عن هذا الفن النبيل، مذكرا بأن "القصة القصيرة بيت من لا بيت له، وأسرة من لا أسرة له، وصوت من لا صوت له. القصة القصيرة تقول بصوتها الخافت: أنتم يا من لا يجدون مكانا لكم في هذا العالم. أيها المطرودون والمهمشون والمضطهدون: ادخلوا ملكوتي".

وأضاف بوزفور، الذي ظل وفيا للقصة منذ السبعينيات من القرن الماضي، "إذا كان الشعر كلمة وكانت الرواية جملة فالقصة أداة ربط. تكمن القصة في حروف الجر والشرط والنفي والاستفهام والاستدراك، وفي أسماء الإشارة والوصل وظروف الزمان والمكان والحركة. تكمن القصة في أدوات العلاقة بين الأطراف، لا في الأطراف نفسها، أي تكمن في الدقة.

القصة على الأقل لا تهتم بالعالم الكبير وحقائقه، ولا بالأنا الكبرى وأوهامها، أو على الأقل هذه هي القصة كما بدأت أكتبها منذ قرابة أربعين عاما وما أزال. فَن، قلق، شكاك، نسبي ناقص، يهتم بالدقائق والتفاصيل بدل الكليات والحقائق.

هذه الدقائق اللغوية هي التي يسميها النقاد بالكثافة، ويربطون بينها وبين الكثافة في الشعر. لكنها- بالنسبة لي- ليست كثافة بل هي دقة. الحرص على الدقة هو ما يميز لغة القصة. لذلك أتمنى أن يستفيد نقاد القصة من فقه اللغة كي يستطيعوا اكتشاف والتقاط دقائقها".

وأضاف بوزفور أننا نكتب ما نحس به وما نحن في حاجة إليه، نكتب لأننا مشدودين إلى الماضي، نريد أن نحول ما حدث إلى ما نريده أن يحدث، هذا حلم وليس واقعا، عندما تختلط الذات الكاتبة بالتاريخ تحوله إلى حكم جديد وتوجهه نحو أفاق الكاتب، المهم أن نكتب لأن التاريخ محكوم بالكينونة التراثية للإنسان، وباختيارات حسب قدرة بقائها وصمودها.

القصة القصيرة هي إذن طفلة خالدة لا تكبر أبدا، ولا تموت أبدا، تقضي وقتها كله في اللعب، تقفز فوق كل الحواجز. و حين يطلب منها أن "تعقل" وأن تدخل البيت، تخرج لسانها للعالم، و تقفز مرة أخرى.. و أخرى.. و أخرى.




تابعونا على فيسبوك