قالت الشاعرة العربية ميسون صقر القاسمي، إن الانتماء الحقيقي للمبدع يتجسد داخل العمل الإبداعي لا خارجه، مبرزة أنها لا تؤمن بتصنيف الشعر إلى نسائي أو رجالي
لأنها تكتب كتابة كائن شاعر، واعتبرت ميسون أن التصنيف يحط من القيمة الإبداعية للنص الشعري، لأن العمل الإبداعي الحقيقي لا ينبغي تصنيفه لا من ناحية الجنس ولا من ناحية اللون أو الوطن، فالنص الأدبي يجب قراءته في بعده وقيمته الإنسانية.
وأضافت ميسون في لقاء شعري مفتوح، نظم السبت الماضي، في إطار فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمعرض الكتاب، الذي تحتضنه الدارالبيضاء إلى 22 من فبراير الجاري، أن تقسيم الجنسيات في الإبداع شيء ثانوي بالنسبة إليها، رغم أن البعض ينعتها بالشاعرة المصرية، لأنها أقامت كثيرا، في القاهرة ونظمت قصائد كثيرة بالعامية المصرية، بينما ينعتها آخرون بالشاعرة الإماراتية نسبة إلى مسقط رأسها، مشيرة إلى أنها شاعرة عربية، لا مصرية، ولا إماراتية، ولا لبنانية لأنها تكتب شعرا عربيا، باللغة العربية، التي يكتب بها كل المبدعين العرب من المحيط إلى الخليج.
وأكدت ميسون خلال اللقاء الذي احتضنه رواق الحبيب الفرقاني، ونشطه الشاعر المغربي ياسين عدنان أن علاقتها بالشعر كانت منذ البداية ملازمة لعلاقتها بالحياة، إذ نشأت في بيئة تعبق بالشعر، فجدها كان شاعراً، ووالدها أيضا.
واعتبرت أن علاقتها بباقي الأشكال الإبداعية الأخرى مثل الرسم والإخراج السينمائي، جاء نتيجة إحساسها بأن الحياة تمتلك العديد من الخطوط، وتمتلك صيغا متباينة للجمال، ما يدفعنها للبحث الدؤوب عن أشكال متباينة للتعبير عن الذات، وتثبيتها في لحظة وجدانية، مضيفة أن الشكل الإبداعي الواحد لا يعطيك نفسه بالكامل، فهي ترى أن الكلمات ملونة بأطياف قزحية، لهذا تتحرك خلفها، لاقتناصها وتثبيتها في لحظة فنية باللغة، أو بالرسم، أو بالسينما.
مشيرة إلى أنها حين لجأت إلى الرسم حاولت أن ترصد من خلاله مساحات التصحر في أعماق الإنسان، حيث رسمت الجسد العاري وتحولاته الأثيرية، التقطت البعد الدرامي أو الحواري ما بين الأبيض والأسود في علاقة الجسد بالمكان، قبل أن تنتقل إلي استخدام اللون.
وحين أخرجت فيلمها الأول "خيط وراء خيط" في عام 2005، كانت تحاول التقاط الحلم في داخلها. فالإبداع عند ميسون حالة واحدة، تتعدد أدواتها التعبيرية وتتكامل في أكثر من شكل.
وفي السياق ذاته، توضح ميسون أنها لا تدعي أن التعدد جيد والأحادية سيئة، أو العكس، لكل حالة ميزات وعيوب، فالتركيز على شكل واحد يجعلها أكثر ثباتا وقوة وتخصصا، أما التشظي فيعطيها القدرة على رؤية فكرتها متحولة في عدة أشكال أو صيغ، كل منها يضيف تجربة خاصة ومختلفة.
بالنسبة لها تحاول ألا تشـتت بين فكرتين، إذ تقول "عندما اشتغلت على فيلمها السينمائي توقفت عن الرسم، هناك فترات من الانقطاع والتأمل بين تجربة إبداعية وأخرى، المهم هو التركيز في فكرة محددة، والتقاط اللحظة الإبداعية المناسبة لها شكلا".
ورغم كل المحاولات التي انخرطت فيها، تقول ميسون "يبقى الشعر هو الأساس، وربما أتعامل مع كل الأنماط الإبداعية الأخرى من خلال الشعر، ومن خلال رؤيتي الشعرية".
من جهة أخرى، قالت ميسون إن ديوانها "أرملة قاطع طريق"، الذي استعرضت منه بعض المقتطفات الشعرية التي ألقتها، أمام الحاضرين، يتناول العديد من الظواهر الثقافية، التي شهدها الواقع الأدبي في العالم العربي في الآونة الأخيرة، كما أنها تناولت الواقع الخليجي، الذي يرتبط بحبل سري مع مصر، وذكرت ميسون في ديوانها تفاصيل صغيرة مثل حادثة بني سويف، التي ذهب ضحيتها عشرات المبدعين في حريق لقصر الثقافة ومنطقة سانت كاتريت والنوبة.
وقسمت ميسون ديوانها، الذي صدر عن دار ميريت للنشر في نحو 189 صفحة من القطع المتوسط، إلى أجزاء تكاد تكون مستقلة هي: " آخر قطرة في الكأس"، و"صندوق الميت تحت ظل خيمة"، و"كان أبي"، و"مائدة العشاء الأخير"، و"بقوة الماضي"، و" إدراك القيمة"، ليمثل كل جزء ديوانا خاصا، إضافة إلى طغيان السيرة الذاتية، وامتلكت الجرأة كي تكتب في هذا الديوان كل شيء بتفصيل شعري.
وأهم ما يميز "أرملة قاطع طريق" أنه يبدأ بالكتابة عن خاصها كذات، ناظرة لهمومها بشجاعة وقدرة على البوح، ليس بغرض التجريح ولكن للمعرفة والتجاوز بل والسخرية منه أحيانا، منطلقا نحو العام، القريب والمحيط ،المؤرق والمحزن، العالم العربي.
وفي هذا تقول الشاعرة ميسون صقر: " حين شرعت في كتابة الديوان كتبته من العام إلى الخاص، ولكن حين وضعته بدأت بالخاص لأنه جزء من العام الكامل، لقد بدأت بالكتابة عن الذات وانتهيت بإدراك القيمة، قيمة الإنسان بشكل عام".
وتضيف الشاعرة " بين دفتي الديوان كانت هناك فكرة الخاص وهو ما رمزت به بالثمالة أي آخر قطرة في الكأس، وخرجت منه إلى "الصحراء" و"صندوق الميت" كمرتكزين لمفاهيم الاختلاف و"الرحالة" كي تعود للأب كمشكل أساسي لتكوينها ـ أيا كان هذا الأب ـ من خلال الاعتراف بوجوده والإقرار بقيمته كأب، لتبدأ سيرة أخرى في الشعر من خلال" مائدة العشاء الأخير"، وما تطرحه من أفكار حول تلك المائدة، لتعود إلى العام في فكرتي الشهداء وشهداء الإهمال في "بقوة الماضي"، الذي يجرنا للعودة إلى الضعف والتخاذل، لتنتهي أخيرا بقصيدة طويلة بعنوان "إدراك القيمة"، ومع ذلك يظل هاجس الموت يتتبعها من بداية الديوان حتى يتشكل مع الشهداء كمرتكز أساسي للنظر من خلاله.
تفتتح الشاعرة ميسون صقر ديوان "أرملة قاطع طريق" بقولها : " عندَمَا أكتب لا ينفتح السر، لا تخرج الأنوثة عَاريةً، لا يَفطِن الهَاجِس لي، لا ترغب الكلمات في الغنائية، لا أستَعين باللغةِ، ولا ينتابني الهدوء".
وتقول الشاعرة عن قصيدة "أنا وحدي القطة هنا": التي ألقتها بالمناسبة، "كانت نهايتها فاجعة، وقد وجدت أنه من دلالات الديوان القوية في هذا المقطع، كيف أتعلم الشر أو يتعلم عالمنا العربي أن يفقد جزءا من حياته ويكون شريرا، خاصة إذا كان هناك قاطع طريق فيقتله ـ حتى وإن كان زوجا ـ ليترمل أفضل له من أن يستباح".
وتضيف ميسون صقر: " "أرملة قاطع طريق" تعني أن هناك قاطع طريق أتى وقطع علينا كل طرق الرحابة والحرية في هذا العالم واستهلكنا بالكامل واستباح كل شيء من إرث وأرض ووطن حتى استباحة النساء، ومن ثم لابد من قتله حتى وإن كان في قتله سنفقد جزءا من حياتنا أو فقدناها كلها".
للتذكير، ميسون صقر القاسمي شاعرة إماراتية، ولدت عام 1956 بالشارقة، لكنها ما لبث أن غادرت وأسرتها إلى مصر، ولم تتجاوز سنوات طفولتها بعد، فعاشت في القاهرة ودرست الاقتصاد والعلوم السياسية، لكنها غادرت أيضا باتجاه الثقافة والشعر، حيث تحولت تجارب الطفولة وقصص الجدة إلى مخزون في اللاوعي يغذي العملية الإبداعية.
وحين تحول القلق لديها إلى تمرد، لم تستوعب القصيدة أميرتها، فذهبت إلى الرواية والرسم، وأخيراً إلى الإخراج السينمائي، وهي في كل ذلك كانت تعكس قلقا وجوديا عميق التكوين، وتعكس رغبة حقيقية بالتمرد على شرطها الخارجي، وواقعها المتعين ، باتجاه إنسانية في لحظة نقاء.
عملت ميسون القاسمي في المجمع الثقافي ـ أبو ظبي، رئيسة لقسم الثقافة، ثم لقسم الفنون، كما أنشأت قسم النشر ومهرجان الطفولة، كذلك عملت بوزارة الإعلام والثقافة في دولة الإمارات كمدير للإدارة الثقافية.
من إصداراتها دواوين "جريان في مادة الجسد"، و"البيت"، و"هكذا أسمى الأشياء"، و رواية "ريحانة"، كما أنجزت عدة أعمال تشكيلية، إضافة إلى اشتغالها بالإخراج السينمائي.