عن منشورات مقاربات صدر للباحث والأكاديمي المغربي يوسف الإدريسي، كتابا جديدا حمل عنوان عتبات النص: بحث في التراث العربي والخطاب النقدي المعاصر.
يضم الكتاب بين دفتيه اللتين صممتهما الفنانة نادية خيالي، 95 صفحة من الحجم المتوسط، تشمل ثلاثة أبواب وهي: "عتبات النص: عناصر نظرية في الثقافة العربية الإسلامية"، و"عتبات النص في التنظير الغربي"، و"قراءة في عتبات: الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى لعبد الرحمن منيف.
قسم المؤلف كتابه هذا بحث المؤلف يوسف الإدريسي من خلال هذا الكتاب في عتبات النص بما هي بنيات لغوية وأيقونية تتقدم المتون وتعقبها لتنتج خطابات واصفة لها تعرف بمضامينها وأشكالها وأجناسها، وتقنع القراء باقتنائها، ومن أبرز مشمولاتها: اسم المؤلف، والعنوان، والأيقونة، ودار النشر، والإهداء والمقتبسة، والمقدمة... وهي بحكم موقعها الاستهلالي ـ الموازي للنص والملازم لمتنه تحكمها بنيات ووظائف مغايرة له تركيبياً وأسلوبياً ومتفاعلة معه دلالياً وإيحائياً، فتلوح بمعناه دون أن تفصح عنه، وتظل مرتبطة به ارتباطاً وثيقاً رغم التباعد الظاهري الذي قد يبدو بينهما أحيانا.
وبرأي الدكتور يوسف الإدريسي، فقد أسهم ظهور كتابعتبات لجيرار جنيت (1987) وقبله إنتاج الفائدة الروائية لشارل غريفل (1978)، وخطاب الرواية لهنري ميتران (1986) وغيرها من الكتب في تنامي الوعي بالقيمة الجمالية للخطابات الموازية للنص وأهميتها الدلالية والإيحائية، فأخذت الدراسات المعاصرة تتجه نحو مقاربة طبيعة الأمشاج النصية والوظائف الدلالية والرمزية، التي تؤديها تلك العناصر التي تسبق الكتاب وتعقبه، وتطوق متنه وتحيط به، لتنتج خطاباً يمتد من النص إلى العالم ومن العالم إلى النص، ويشكل في امتداده نقطة الوصل وجسر اللقاء.
ولئن كان ظهور بعض العلوم المهتمة بالتواصل ودراسة أساليب التأثير في المتلقي وتوجيه انتباهه نحو بضاعة بعينها تحكم في طرائق صياغة كثير من عتبات النص وتشكيلها، فقد أسهم تطور تقنيات طباعة النصوص وترويجها إلى حد بعيد في تزايد الاهتمام بها.
ويرى الباحث في تقديمه لكتابه الجديد أن الوعي بقيمة العتبات وأهميتها حديث النشأة متأخر الظهور، وأنه ظل مرتبطا بعلوم محددة، متوقفاً على اكتشاف الطباعة وتطورها، بل إنه قديم قدم حركات التأليف الأدبي والعلمي، ورغم أنه لم يبلغ أعلى درجات النضج النظري والمنهجي والتطبيقي، إلا أنه انبثق ـ بدرجات متفاوتة ـ مع ظهور النصوص الأولى، وأخذ في التنامي والتطور وفق مستوى وعي القدامى بقيمة عتبات النص وأهميتها.
وإذا كانت الدراسة الراهنة تسعى إلى مقاربة عتبات النص من خلال متن روائي، فإنها ترى لاعتبارات نظرية ومنهجية أيضاً ـ ضرورة الوقوف قبل ذلك عند التصورات القديمة والحديثة بهذا الخصوص، ولذلك تشجرت إلى ثلاثة أقسام.
ويرصد الباحث في القسم الأول من هذا الكتاب وعي العرب قديما بالعناصر النظرية المشكلة لعتبات النص، ويبحث من ثمة في المصادر الأدبية والنقدية عن درجة هذا الوعي ومستواه، ويتابع الشبكة الاصطلاحية التي وظفها العرب القدامى في معرض مقاربتهم لما يصطلح عليه في اللغات الواصفة بعتبات النص، لكشف المصطلح الذي يمكن اعتباره معادلاً للعتبات وفق الاصطلاح الحديث، كما يستعرض أبرز تصوراتهم ومواقفهم بخصوص الوظائف الإيحائية والدلالية لاسم المؤلف والعنوان والمقدمة وغيرها من العناصر، التي تسبق متن الكتاب وتنتج خطاباً حوله يعرف به ويقنع القارئ بقيمته وأهميته.
ويتابع القسم الثاني أبرز التصورات الحديثة، التي اعتنت بتحديد مكونات عتبات النص وعناصرها، مركزاً في ذلك على كشف درجات الوعي ومستويات الاهتمام بها في الثقافة الغربية منذ اليونان إلى الكتابات الرائدة لجيرار جنيت وهنري ميتران وشارل غريفل وغيرهم. وحرص هذا القسم على إبراز التحولات البنيوية والأسلوبية التي مست العتبات، وتحديد أهم وظائفها الجمالية والدلالية.
أما القسم الثالث فقد حاول ممارسة كل التصورات النظرية والمنهجية الواردة في القسمين السابقين في إضاءة عتبات رواية الآن... هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى لعبد الرحمن منيف، وخاصة اسم المؤلف والعنوان والأيقونة والمقتبسات وصفحة للمؤلف نفسه وتعليق سعد الله ونوس، وسعى إلى بيان خصائصها الدلالية والإيحائية، وإبراز وظائفها الجمالية والتداولية في علاقتها بمتن الرواية