احتضن رواق مرسم بالدارالبيضاء، نهاية الأسبوع، حفل توقيع "الحقيبة الفنية" الشعرية التشكيلية "صديقي الخريف"
التي جمعت بين الشاعرة عائشة البصري والفنان التشكيلي محمد بناني.
يعرض محمد بناني 4 لوحات من أعماله الثمانية الجديدة، التي استلهمها من أشعار عائشة البصري، التي كانت مصدر إلهام له.
في لوحاته يمضي بناني في ترسيخ تجربته التشكيلية، التي بدأها في أواخر السبعينيات بمعرضه الأول في مدينة طنجة، لكن أهم ما ميز معرضه الأخير، هو ذلك التجاوب بين الشعر والفن التشكيلي من خلال التعبير عن الخريف بمفهومه العام.
وقال بناني إنه سعيد بالعمل على نصوص أشعار عائشة البصري، التي يكن لها تقديرا خاصا، من خلال علاقته القديمة والوطيدة بزوجها الشاعر حسن نجمي، وأضاف بناني في تصريح لـ"المغربية"، أنه لأول مرة في مساره الفني يعتمد على النص الشعري مصدر إلهام لإبداعاته، وحسب العرف الفني فاللوحة غالبا ما تكون مصدر إلهام الشاعر، إذ سبق له أن شارك في حقائب فنية عدة جمعته بكتاب وشعراء كبار، منهم الطاهر بنجلون سنة 1992، كانت فيها أعماله مصدر إلهام لهم.
وأوضح بناني أنه قرأ النص الشعري أكثر من مرة، وباللغات الثلاث، العربية باعتبارها اللغة الأصلية للنص، والفرنسية التي حملت ترجمة شاعر كبير من حجم عبد اللطيف اللعبي، والإسبانية التي يتقنها جيدا لارتباطه بمدينة تطوان، التي رأى فيها النور سنة 1943.
واعتبر بناني أن هناك عدة قواسم مشتركة بين أعماله وبين النص الشعري الذي اشتغل عليه، لأن أعماله تتمحور حول الطبيعة دائما، والخريف جزء منها باعتباره يمثل نهاية مرحلة وبداية آخرى، فضلا عن الصداقة المتينة التي تجمعه بأسرة الشاعرة، التي أثمرت علاقة جيدة مبنية على الحوار الفكري والثقافي.
في "صديقي الخريف"، يغلب اللون البني على اللوحات الأربع المعروضة مع حضور لافت للون الأصفر، الذي نادرا ما يستعمله الفنان في لوحاته. وعن ذلك يقول بناني "أتعامل مع الألوان كشخوص، فاللوحة بالنسبة لي مثل فيلم سينمائي أختار لها ألوانا تقوم بدور البطولة، وأخرى بأدوار ثانوية، لذلك تجد علاقتي يبعضها حميمية جدا، فاللون البني أحبه كثيرا، وكذلك الشأن بالنسبة للأسود والأبيض، والأزرق، وأمقت ألوانا أخرى ولا أتصورها في لوحة من لوحاتي، كاللون الوردي مثلا، كما أن هناك ألوانا تتمرد أحيانا وتفرض نفسها في اللوحة".
ويضيف بناني "أتحاور مع الألوان طول الوقت، فأثني على الأزرق حين يعجبني، وأقبل البني عندما يروقني، وألعن الأصفر عندما يغضبني. إنها مواد تحمل روحا ولغة أعبر من خلالها عما أريد"
ولعل من أطرف وأغرب ما حدث مع الفنان، الذي يفتح حوارا دائما مع الألوان، هو تمرد اللون الأحمر واندلاقه على إحدى لوحاته في حادث عرضي أغضبه ودفعه إلى التوقف عن العمل، والذي استأنفه بمجرد ما أثاره جمال اللون المتمرد أثناء تفقده لمرسمه، ليبدأ معه علاقة حميمية من خلال اللوحة التي سماها "لطخة حمراء" "tache rouge"، التي كانت من بين الأعمال التي أعجبت الراحل الحسن الثاني، واقتناها من دون أن يحتفظ بصورة لها.
وعن الألوان، يؤكد بناني أن المكان أيضا يتحكم في اختيار اللون، إذ من المستحيل توظيف ألوان صاخبة في باريس مثلا، فالطبيعة هناك تفرض ألوانا مثل الرمادي والأسود والأبيض، بينما يغلب اللون الأزرق والأبيض في شمال المغرب مثلا، ويسود اللون البرتقالي والأحمر، وكل الألوان الصاخبة الحارة كلما اتجهنا نحو الجنوب.
وعن علاقة الشعر بالفن التشكيلي، يقول الناقد الفني الفرنسي فريدريك دوبوا، "نجد أنهما يلتقيان في نقاط كثيرة. فالشاعر والفنان التشكيلي، يقدمان الأحاسيس والأفكار في صور، وقد كانت فكرة ارتباط الشعر بالرسم عن طريق تقديم المعنى مصورا سائدة منذ القدم، فسيمونديس الإغريقي الذي عاش قبل أرسطو قال "الشعر رسم ناطق، والرسم شعر صامت".
وقد تنبه نقادنا القدماء إلى أهمية ذلك وفصلوا فيه تفصيلا، ولعل ما كتبه عبد القاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، أبرز دليل على ذلك.
من خلال ما تقدم نجد أن أهم عنصرين رافقا الشعر وأثرا فيه، هما الموسيقى والرسم.
لكن يبدو أنه رغم نقاط الالتقاء والتأثير المتبادل بين الشعر والفن التشكيلي، يظل كل منهما يحمل في داخله خصوصية تميزه عن الآخر. ويمكن رصد ذلك من خلال الحديث عن سمات الصورة الفنية في كليهما.
الفنون التشكيلية فنون مكانية تأخذ حيزا في المكان، وهي تعبر عن الزمان من خلال المكان الملموس، ويأخذ البصر من بين الحواس الأساس في تكوينها وتشكيلها وتذوقها جماليا .
وهي لذلك محدودة بحدود المكان المحاكى، الرسم من خلال لوحته المحدودة، والعمارة من خلال تكوينها المرئي، ومكانها المقيس، والنحت من خلال مادته الصلبة. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الفنون التشكيلية المحكومة بالمكان لا تتوقف عند حدوده المقيسة في تعبيرها، ولكنها تبقى قاصرة عن الشعر، لأن طبيعة مادة الشعر تختلف في طاقاتها عن المادة في الفنون التشكيلية. ومادة الشعر هي الكلمة، والكلمة عالم قائم بذاته، وهي ضمن التركيب، والتركيب ضمن الصورة، والصورة ضمن السياق الكلي للنص تستطيع أن تقدم الزمان بإطلاقه، وأن تعبر عن المكان، وإن كانت لا تستطيع أن تقدمه كالفنون التشكيلية.
مما تقدم يمكن القول إن الفنين المذكورين يلتقيان في إعادة تشكيل الواقع من جديد ومحاولة تجاوزه، وفي تحسيس المفهوم ومحاولة تقديمه مشخصا، وفي تقديم النموذج الفني وتعميمه، لكن كل بحسب مادته التي تشكله. ومن خلال تلك المادة تأخذ الصورة في كلا الفنين خصوصيتها، فالصورة في الفن التشكيلي يصوغها الخط أو اللون أو المادة الصلبة، أما الصورة الفنية في الشعر، فهي من إيحاء الكلمة التي تشكل عناصرها، فتأخذ بعد ذلك طريقها إلى المتلقي.
وتبدو الصورة في الفن الأول مشكلة في المكان، ويأخذ البصر الحيز الأول فيها. وهي غالبا ما تحاكي المكان المقيس، وإن كانت تتجاوزه من خلال إمكاناتها الفنية. أما الصورة
فـي الشعر فهي تشكيل مكاني يصوغها الفعل فيوحي بتكوينها، وهي لا تحاكي المكان المقيس، وإنما تتشكل من إيحاء ذلك المكان وانعكاسه في ذات الشاعر.
كما تتميز الصورة في الشعر بوفرة المواد، التي تساعد على تشكيلها وترفع من قيمتها الجمالية كالإيقاع المسموع، وتنوع الحركة عن طريق اتكائها على الفعل والزمان بامتداده. و رغم أننا نلاحظ الإيقاع والحركة والزمان في الصورة في الفن التشكيلي، لكن هذه العناصر تبدو أقل وضوحا في الصورة الشعرية. فالإيقاع هنا مسموع وأثر المسموع في النفس أكبر بكثير من الإيقاع المرئي أو الصامت، ومثل ذلك الحركة والزمان.
وتقَدم الصورة في الفن التشكيلي نفسها إلى المتلقي شبهَ ناجزة، لأنها تأخـذ مكانا محددا يمكن للعين أن تحصره ضمن منظورها، بينما تعتمد الصورة فـي الشعر على خيال متلقيها بنسبة لا تقل كثيراً عن جهد الشاعر في إبداعها. وهي إلى جانب ذلك تشكيل زماني من إيحاء اللغة، وهذا الإيحاء هو الذي يشكّل المكان والزمان والفكر والعاطفة واللاشعور. وهي ليست محاكاة ومباشرة لشيء مكاني ملموس مرئي، وإنما هي اندماج بين مجموع تلك العناصر.
ولعل هذا التنوع والتفرع والاتساع الزماني والحركة والإيحائية، وما إلى ذلك، يحتاج كثيرا إلى خيال المتلقي لإعادة البناء ومحاولة التشكيل بنسبة لا تقل عن جهد المبدع في تشكيلها.
نخلص مما سبق إلى أن الفنون جميعا رغم استقلالها تحتاج إلى الانفتاح على بعضها البعض، فهذا يثريها ويوسع من آفاقها ويجعلها أكثر قدرة على التمثيل والنمذجة والتعميم والتأثير.
وهذا ما يصبو إليه رشيد الشرايبي مدير رواق مرسم بالدارالبيضاء من خلال تقديم حقائب فنية تجمع الشعر بالصباغة والموسيقى.