أعلنت تركيا أخيرا، أنها ستعيد الجنسية للشاعر التركي ناظم حكمت، الذي حوكم بسبب آرائه اليسارية وتوفي في المنفى في موسكو عام 1963 بعدما اعتبر خائنا.
ويعد حكمت، الذي أحدث شعره ثورة في النظام التركي في الستينيات، أعظم شاعر بتركيا في القرن العشرين. ومنذ فترة طويلة يقول فنانون أتراك بينهم الكاتب أورهان باموك، الفائز بجائزة نوبل إن حالة حكمت مثال على قمع المفكرين في تركيا.
وأمضى حكمت، الذي كان شعره محظورا في ما مضى في تركيا وترجم إلى 50 لغة، سنوات في السجن في تركيا وجرد من جنسيته سنة 1959 لكونه شيوعيا.
وكافح محبوه طويلا من أجل رد الاعتبار إليه بقولهم إن هذا سيبعث بإشارة إلى أن تركيا تخطت الانقسامات السياسية، التي وقعت في السابق عندما دفعت معارك الشوارع، التي اندلعت بين اليساريين والقوميين في السبعينيات والثمانينيات، إلى انقلابات عسكرية.
وقال جميل جيجك، نائب رئيس الوزراء والمتحدث باسم الحكومة، الذي أعلن إجراء رد الجنسية إن الأمر متروك لعائلة حكمت أن تقرر ما إذا كان ينبغي إحضار رفاته إلى تركيا من موسكو أم لا.
ولد ناظم حكمت عام 1902 في مدينة سالونيك، حيث كان والده حكمت باي يعمل موظفاً.
أما أمه جليلة هانم، فقد كانت تنتسب إلى عائلة من الأشراف، وكانت مغرمة بالرسم وتمارسه، ولها ولع بالشعر، خصوصاً الفرنسي، إذ كانت تحفظ بعض قصائد بودلير عن ظهر قلب، وكانت متحررة، متمردة على التقاليد القديمة، وكان لها تأثير كبير على ابنها في بدايات مسيرته الشعرية.
غير أن عائلة ناظم حكمت لم تمكث طويلا في سالونيك.
وسرعان ما غادرتها لتستقر في أسطنبول، عاصمة الإمبراطورية، التي كانت لا تزال تفتن الكثيرين، رغم التصدعات التي أصابتها، ولأن والد ناظم حكمت كان مولعا هو أيضا بالشعر، وبجلال الدين الرومي بالخصوص، فإن البيت العائلي في أسطنبول تحول إلى مكان يلتقي فيه أحباء الشعر والموسيقى والطرب، وكان الطفل ناظم يحضر تلك اللقاءات، وينصت بانتباه لما يقال.
إلى أن فاجأ ضيوف والده بقصيدة صغيرة مهداة إلى جلال الدين الرومي يقول فيها:
في حين كان إكليل العدم يحصر جبهتي انمحى الفرح والألم من روحي.
مع بدايات الحرب العالمية الأولى، عاش الطفل ناظم حكمت حدثا مروعا، فقد قتل عمه علي، الذي كان يحبه كثيرا، في معركة الداردنيل الشهيرة، وتحت تأثير الفاجعة المؤلمة، كتب قصيدة حازت إعجاب العائلة وأصدقائها، بعدها أخذ يرسل قصائده إلى المجلات الأدبية.
بعد انتهاء الحرب، وسقوط الإمبراطورية، قرر ناظم أن يتوجه إلى مدينة أنقرة سنة 1921، التي أصبحت مركزا للمقاومة الشعبية وللقوى الثورية الجديدة.
وفي طريقه إلى هناك، عاين الأوضاع المزرية للفلاحين الأتراك، الشيء الذي سيؤثر كثيرا، في ما بعد، على مساره الإيديولوجي والسياسي.
وخلال الفترة القصيرة التي أمضاها في أنقرة، التقى بالعديد من المثقفين الشباب العائدين للتو من ألمانيا، فأطلعوه على الأوضاع هناك، وحدثوه باستفاضة عن الحركات الثورية التي ظهرت إثر الحرب العالمية الأولى، بعدها عمل معلما في قرية صغيرة محافظة، بهدف تعميق معرفته بأحوال بلاده وأحوال شعبها.
فلما أيقن أنه لن يكون مفيدا في عملية التغيير والثورة بحكم محدودية تكوينه الفكري والثقافي، وضعف خبرته، قرر أن ينطلق إلى موسكو عام 1922، حيث التحق بجامعة عمال الشرق، التي وجد فيها الفرصة لكي يوسع آفاقه المعرفية والفلسفية، ويحتك بمثقفين قادمين من مناطق مختلفة إلى جانب ذلك، كان يشارك في التظاهرات الثقافية، وفي المناقشات الصاخبة بين العمال والطلبة، ويحضر الندوات الفكرية، ويلتقي بالمخرجين الطلائعيين في مجال المسرح والسينما، وبالشعراء التقدميين الجدد من أمثال ماياكوفسكي، الذي أصبح صديقا حميما له.
وفي الثامن عشر من ماي 1925، رفع ناظم حكمت ورفاقه في الجامعة على الأكتاف جوزيف ستالين، أستاذهم في الفلسفة، افتخارا به كـ "رجل حديدي" قادر على أن يبني "الوطن الاشتراكي الجديد"، الذي طالما حلموا به.
لكنه في ما بعد، وتحديدا يوم 13 ديسمبر 1961 سوف يكتب قصيدة يبصق فيها على صاحب "النعل الثقيل" و"الغليون" وعلى الرجل الذي هو من "جبص ومن ورق ممضوغ" يعني بذلك جوزيف ستالين.
وفي القصائد التي كتبها أثناء إقامته في موسكو، يمجد ناظم حكمت المعركة من أجل التصنيع، ويدين الإمبريالية الرأسمالية ومخططاتها واستغلالها للشعوب الفقيرة. وفي هذه القصائد يحضر الشرق أيضا بعذاباته وكفاحه من أجل التحرر والانعتاق.
وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وقيام الجمهورية التركية الجديدة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، عاد ناظم حكمت إلى بلاده عام 1925 آملا أن يجد لنفسه مكانا فيها.
غير أن أمله سرعان ما خاب، لأن أفكاره الثورية الاشتراكية لم تلق قبولا لدى السلطات الجديدة، بل باتت تهدده بالسجن، وهكذا وجد نفسه مجبرا على العودة ثانية إلى موسكو لينشغل بالمسرح هذه المرة ويتزوج من شابة روسية وليشارك أيضا في الصراعات القائمة بين المدافعين عن "الثقافة البروليتارية" والباحثين عن آفاق جمالية جديدة في مجال الإبداع والفن عموما. وفي عام 1928 عاد من جديد إلى بلاده لينغمس في الكتابة، مصدرا العديد من الدواوين التي أتاحت له عن جدارة أن يكون رائدا حقيقيا للشعر التركي الحديث. مع ذلك لم يكف عن النضال السياسي، متحديا المخاطر والمصاعب التي كانت تتهدده والتي باتت واضحة للعيان عقب وفاة مصطفى كمال أتاتورك.
تحت تأثير الضغوطات الشديدة للمنظمات المحافظة واليمينية المتطرفة، التي تعاظمت نشاطاتها في تلك الفترة، اعتقل ناظم حكمت عام 1938 وحكم عليه بخمسة عشر عاما سجنا ثم بعشرين عاما أخرى عام 1939.
وكانت تلك القسوة ناتجة عن الشجاعة التي أظهرها أمام المحكمة وعن سخريته من "جيش يخاف من الشعر" على حد تعبيره.
وكانت الفترة الفاصلة بين عامي 1938 و1950 من أقسى الفترات التي عاشها الشاعر.
فقد كان عليه أن يواجه يوميا إجراءات إدارة السجون الزاجرة، تلك الإجراءات التي كان الهدف الأساسي منها ترهيبه وتحطيم إرادته الفولاذية.
وكان السجناء يسمونه "المعلم".وكان هو يساعدهم ويرفع معنوياته ويسميهم "إخوتي"، "يا إخوتي.. إذا أنا لم أتمكن من أن أقول لكم بدقة ما أريد قوله لكم، فلا بد أن تعذروني يا إخوتي (...). يا إخوتي في أوروبا وفي آسيا وأميركا، أنا لست في السجن، ولست مضربا عن الطعام وإنما أنا أرى نفسي كما لو أنني ممدد على العشب في الليل في هذا الشهر، شهر ماي، وعيونكم تتلألأ عند مخدتي مثل النجوم وأيديكم يد واحدة في يدي".
أمام تصلب إدارة السجون قرر ناظم حكمت عام 1950 الشروع في إضراب عن الطعام مستغلا الانتخابات الاشتراكية التي كانت تجرى في تركيا، آنذاك، ولمساندته في موقفه ذاك، نظم أصدقاؤه في باريس، بتحريض من لوي أراغون تظاهرات احتجاجا على قسوة النظام التركي.
إلى جانب ذلك نشرت العديد من المجلات الأدبية الفرنسية الرفيعة، العديد من قصائده، وأيضا بعض الدراسات عنه وعن شعره.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن تركيا نفسها شهدت العديد من التظاهرات الاحتجاجية، يطالب منظموها بإطلاق سراح الشاعر فورا ومن دون أي شروط مسبقة.
وتحت هذه الضغوط الخارجية والداخلية، خرج ناظم حكمت من سجن "بورصة" الرهيب، الذي أمضى فيه قرابة الثلاثة عشر عاما، غير أن السطات التركية سرعان ما شرعت في تضييق الخناق عليه، باذلة كل ما في وسعها لإعادته إلى السجن مرة أخرى. فلما اشتدت محاصرتها له، فر إلى موسكو من جديد بعد غياب استمر ثلاثة وعشرين عاما.
كانت العاصمة الروسية، التي جاءها في زمن الأمل والحماس الثوري، قد تغيرت كثيرا.
فسنوات الجليد الستالينية كانت قد أيبست كل شيء وأرهقت كاهل الشعب.
غير أن ناظم حكمت، الخارج من ظلام السجن، كان بحاجة إلى أن يرى ما حققته الاشتراكية خلال سنوات الغياب الطويلة.
لذا راح يطوف بلدان أوروبا الشرقية، قارئا قصائده في مدنها وعواصمها وأنديتها الثقافية، مقدما عروضا لمسرحياته، مساهما في المناقشات والتظاهرات الفكرية والثقافية والسياسية.
وشيئا فشيئا أدرك ناظم حكمت أن الأحزاب الشيوعية ارتكبت أخطاء فادحة، بل قاتلة، في حق الفن والأدب وفي حق الشعوب أيضا.
وعوض أن تكون دافعة لعملية البناء والتغيير تحولت إلى أجهزة خاوية، مقطوعة عن الجماهير، وعن واقع البلدان التي تحكمها. وقد حز هذا الأمر كثيرا في نفس ناظم حكمت، الذي كان يعتقد أن الاشتراكية هي الطريق الأمثل لعالم أفضل، ولعدالة حقيقية تقضي على الفروق بين الطبقات وتعيد الكرامة لمن حرموا منها طويلا.
عام 1952، أصيب بأزمة قلبية أجبرته على العودة إلى موسكو ليظل رهين الفراش لمدة شهرين. بعدها عاود أسفاره من جديد، فزار مصر وسوريا وكوبا وباريس، حيث التقى لوي أراغون وإلزا ريوليه وتريستان تزارا، وأيضا نيرودا والعديد من الشعراء والفنانين الأتراك، الذين يعيشون في العاصمة الفرنسية.
ورغم التعب والمرض ، فإنه واصل أسفاره غير مبال بنصائح الأطباء، راغبا في أن يقدم ما عنده للناس، الذين أحبهم وإليهم وهب أشعاره وحياته، حياته التي انتهت يوم الثالث من يونيو 1963 والتي أرادها أن تكون منذ البداية شبيهة بـ "رحلة عجيبة" فكانت كذلك.