مؤسسة ابن رشد تحتفل بمنحها جائزة العام للجابري

الثلاثاء 16 دجنبر 2008 - 11:00

نال المفكر المغربي، محمد عابد الجابري، جائزة "ابن رشد للفكر الحر" العاشرة لعام 2008، التي تمنح في ذكرى وفاة فيلسوف العرب الأكبر ابن رشد، وذكرى الإعلان عن حقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة.

وتكرس مؤسسة "ابن رشد للفكر الحر"، جهدها لدعم حرية الرأي وممارسة الديمقراطية في العالم العربي، مهتدية بذلك بفكر الفيلسوف ابن رشد ( 1126ـ 1198 م) ودوره البارز في الحوار بين الثقافات.

وقدمت المؤسسة جوائزها حتى الآن للمبدعين العرب في حقول، "الصحافة والإعلام، تحرير المرأة، الفكر النقدي، السياسة، الفلسفة، الأدب الملتزم، الإصلاح الديني وحقوق الإنسان والإخراج السينمائي".

ويعتبر الجابري ، الذي اعتذر عن الحضور إلى برلين لتسلم الجائزة لأسباب صحية، أحد رواد الفكر العربي المعاصرين، الذي أثرى المكتبة العربية بمؤلفات ودراسات تهدف إلى إعادة قراءة التراث العربي كخطوة تمهيدية ضرورية للمضي قدما في المشروع النهضوي.
وستنشر له المؤسسة مقالا باللغتين العربية والألمانية سترسله عوضا عن الاحتفال الذي كان مرتبطا بحضوره، بالإضافة إلى مقالة تكريمية من ميخائيل جيبل.

وعمل الجابري في المجال التربوي معلما ومفتشا ومدير مدرسة وأصدر كتبا في هذا المجال وشارك في تحرير العديد من الصحف والمجلات الثقافية، وعين الجابري أستاذاً للفلسفة والفكر الإسلامي بكلية الآداب، جامعة محمد الخامس بالرباط.

وخصصت مؤسسة ابن رشد للفكر الحر، جائزتها هذا العام، لباحث عربي تقصى في دراساته أسباب تعثر النهضة العربية.

أما الإشكاليات التي شغلت ذهن الجابري طيلة هذا الوقت فهي، هل بالإمكان بناء نهضة من دون عقل متفتح؟ ولماذا لم تتطور أدوات المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية خلال نهضتها في القرون الوسطى لتمتد حتى يومنا الحاضر؟ كان المدخل الذي اختاره الأستاذ الجابري في أبحاثه هو المنهجية النقدية القائمة على العقل والتحليل المعرفي (الإبستمولوجي).

وبدأ المشروع الفكري النهضوي للجابري 1980، وأدى صدور كتبه المتعاقبة في هذا المجال إلى إثراء مجال الدراسات النهضوية. وانتشرت أفكار الجابري في أنحاء الوطن العربي في الوقت ذاته الذي لاقت أفكاره انتقادات ودارت حولها المناقشات في عديد من الندوات والمحافل الفكرية.

وشهد عقد الثمانينيات من القرن الماضي، أهم الأعمال الفكرية للجابري، التي بدأت بـ"نحن والتراث، 1980" الذي مهد لرباعيته "نقد العقل العربي" (تكوين العقل العربي 1984، بنية العقل العربي 1986، العقل السياسي العربي 1990، العقل الأخلاقي العربي 2001).

كما صدرت له في عقد التسعينيات كتابات مهمة تناول فيها بدقة إشكاليات الفكر العربي المعاصر. ولا بد من الإشارة هنا إلى كتبه التي واصل فيها نقد العقل العربي في قضايا معاصرة مثل "الديمقراطية وحقوق الإنسان، 1994" و"المسألة الثقافية في الوطن العربي، 1994" و"الدين والدولة وتطبيق الشريعة، 1996" و"قضايا في الفكر العربي المعاصر،1997" و"المثقفون في الحضارة العربية، 1996". الذي كان هدف الجابري الأساسي في هذا الكتاب هو الحد من اغتراب المثقف العربي وإثبات النهج المستقل في تحليل حوادث التاريخ وتداخل السياسي في الديني كما جاء في تفسيره لمحنة المفكر ابن حنبل في الشرق الإسلامي ونكبة ابن رشد في الغرب الإسلامي.

واستطاع الجابري، عبر سلسلة "نقد الفكر العربي" شرح العقل العربي عبر دراسة المكونات والبنى الثقافية واللغوية التي بدأت من عصر التدوين ثم انتقل إلى دراسة العقل السياسي ثم الأخلاقي. وهو الذي ابتكر مصطلح "العقل المستقيل" وهو يعني به ذلك التفكير التقليدي الذي يسود في بعض الأوساط العربية الذي يبتعد عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرى، ويرى بذلك أن العقل العربي بحاجة إلى إعادة إحياء.

ويرفض الجابري، القراءات التي تقوم على ما أسماه "الفهم التراثي للتراث"، ويدعو إلى التعامل مع التراث بشكل يجعله "معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا في آن واحد"، وبالتالي يجب أن نتطلع إلى بناء مستقبلنا من فهم واع لمعطيات واقعنا وخصوصية تاريخنا ومقومات شخصيتنا.

ويعتبر الجابري أن الفلسفة العربية الحقة هي التي تفصل ما بين خصوصية الفلسفة وخصوصية الدين كما تتمثل في فلسفة ابن باجة وابن طفيل، وفي فلسفة ابن رشد بصفة خاصة.

وفي مقال وزعته مؤسسة ابن رشد، قال الجابري، "اشتهر ابن رشد بشروحه الأصيلة لكتب أرسطو، وبمؤلفاته الأصيلة في قضايا العقيدة والشريعة في الإسلام " فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تهافت التهافت، بداية المجتهد ونهاية المقتصد". ولم يكن كتابه "الكليات في الطب" أقل أصالة ولا أقل أهمية في تاريخ الطب. والغرض من هذه المقالة هو وضع هذا الكتاب في مكانه في سياق تاريخ الطب العربي، بل التاريخ العام للطب. وهذا أمر ضروري لفهم هذا الكتاب، لا بوصفه كتاب معلومات في الطب، فطب اليوم غير طب الأمس، والطب كما أراده ابن رشد "علم"، وتاريخ العلم كما يقول باشلار هو "تاريخ أخطاء العلم". إن أهمية هذا الكتاب، إذن، ليست فيما يقرره من آراء طبية في هذا المرض أو ذاك، أو في هذا المظهر أو ذاك من مظاهر الصحة ووسائل الحفاظ عليها، بل تكمن أهميته من وجهة نظرنا على الأقل- في كونه يدشن لحظة جديدة في تاريخ التفكير العلمي في الطب عموما، فهو ينتمي إلى مجال الفكر العلمي أكثر من انتمائه إلى الممارسة الطبية، وهذا ما أكد عليه ابن رشد نفسه مرات عديدة في فصول هذا الكتاب".

وتابع الجابري "كتاب الكليات في الطب" لابن رشد، يفرض نفسه كأول كتاب يطرح للنقاش موضوع التفكير العلمي في الطب. ذلك أن فيلسوف قرطبة، الذي كان يُفزع إلى فتواه في الطب كما يُفزع إلى فتواه في الفقه، كما يقول عنه كتاب التراجم، يتخذ لنفسه في هذا الكتاب، بالفعل وبوعي وإلحاح، موقف المفتي فيما يجب أن يكون عليه الطب حتى يرتفع من مجرد مجموعة معارف تراكمت عبر الممارسة التي تقوم على الخبرة، إلى مرتبة العلم الذي تؤسسه "كليات"، أي أسس ومبادئ ومناهج، يجب أن تعرف وتؤخذ كأساس للفكر الطبي. من هذه الزاوية يمكن القول إن هذا الكتاب غير مسبوق، ولم يظهر ما يماثله في موضوعه إلا في القرن التاسع عشر، حين أصبحت فلسفة العلم موضوع اهتمام. وإذن فالكتاب الذي بين أيدينا هو أقرب إلى أن يكون كتابا في فلسفة علم الطب، أو الايبستيمولوجيا، بالمعنى المعاصر، منه إلى كتاب في الطب كممارسة، علما بأنه يلخص بصورة كافية ومركزة الممارسة الطبية في عصره، لا كمجرد ناقل بل كطبيب مجتهد صاحب رأي".

واستطرد . الجابري قائلا "صناعة الطب هي صناعة فاعلة عن مبادئ صادقة، وبلغة عصرنا، علم تطبيقي يرمي إلى تغيير حال بحال. وهذا العلم يقوم على مبادئ صحيحة، بمعنى أن التغيير الذي يحدثه هو نتيجة تدبير علمي يعتمد معطيات التجربة والاستدلال العقلي ولا مجال فيه لذلك "التغيير"، الذي يعتقََد حصوله بمبادئ غير صادقة كالسحر والتنجيم الخ. ويعبر ابن رشد عن ذلك في مكان آخر بقوله: "الطب هو صناعة فعلها، عن العلم والتجربة، حفظُ الصحة وإبراء المرض"، ثم يضيف، "وإنما قلنا في الحد "عن العلم والتجربة"، لأنه ليس يكتفي في هذه الصناعة بالعلم دون التجربة ولا بالتجربة دون العلم بل بهما معا".

وكان الجابري أكد في إحدى كتاباته "إن بلدا متخلفا لا يمكن أن يشق طريقه نحو التنمية الحق إلا مع نشر الثقافة والتعليم على أوسع نطاق وفي كل مجال "لنترك مائة وردة تتفتح وحينئذ سنقطف من الثمار ما لا يقدر ثمنه".

من جهة أخرى كرم ميخائيل جيبيل د. الجابري من خلال كلمة جاء فيها " إن أزمة تجربة النهضة التي بدأت مع رفاعة رافع الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين والتي كانت في جوهرها حركة استنهاض تنويرية تهدف إلى تحرير الإسلام من الشوائب التي لحقت به تاريخياً وإعادته إلى أصوله مدعماً بنتائج التطور العالمي في مجال التقنية والعلوم بما يعزز التوجه الجديد، تساءل الجابري ومثله الكثيرون من معاصريه عن أسباب تعثر قيام نهضة حقيقية في الدول العربية على خلاف ما حدث في أوروبا؟ وجاء جوابه ليشمل الماضي البعيد خارج نطاق التجربة في ظل الحكم الاستعماري وما تلاها من قيام أنظمة شمولية بكل تعثراتها السياسية والاقتصادية والثقافية. ولا يرى الجابري، خلافاً للكثيرين من معاصريه بأن السبب يكمن في الانحراف عن العقيدة وواجباتها بل يكمن في تفسخ العقل والفكر العربيين. وبالتالي لا يمكن أن يكون الحل في تقديم طريق ثالث متجلياً في الحنين الرومانسي والنمطية الهجينة إيديولوجياً لإعادة بناء مجتمع سياسي يرتكز على التعاليم الدينية وإنما بالمراجعة النقدية للتراث".

وتابع جيبيل بالقول "الطريق الذي سلكه الجابري لم يكن بالطريق الهين. فبالنسبة للفيلسوف والمربي لم يكن الطريق السهل هدفاً أو نهجاً له. لقد اعتقل عدة مرات بسبب موقفه السياسي وبالتالي ضحى بمناصب مرموقة مادياً ومعنوياً لصالح مناصبٍ أكثر مصداقية سياسياً وفكرياً، إنه مثقف ملتزم بكل ما تعنيه هذه العبارة، إذ لا يعتبر نفسه مراقباً ومحللاً بل يوظف حياته وفعله في صميم الحدث السياسي والثقافي المعاش".




تابعونا على فيسبوك