قال الشاعر المغربي المقيم ببلجيكا, طه عدنان, إن زمن المنفى والكتابة عن الوطن في بعده الأسطوري المفعم بالحنين.
قد ولى لأنه مرتبط بوضع انتفت شروطه وأسبابه في زمن الهواتف المحمولة والفضائيات والأنترنت.
وأضاف, وفق ما ذكرت وكالة الأنباء "رويترز", أن الحديث عن المنفى كان ممكنا في السابق, لما كان على المنفي أن ينتظر طويلا قبل أن تصله جريدة تحمل أخبار, متسائلا عن أي منفى في زمن الهواتف المحمولة والفضائيات
والأنترنت.
وقال إن ما يمكن أن نتحدث عنه اليوم هو "أدب إقامة" وليس "أدب مهجر", كما هو
الشأن بالنسبة "للفترة المهجرية" في الأميركيتين في بداية القرن العشرين, مشيرا إلى أن هذه الفترة قدمت حساسية فنية أشعلتها الغربة والحنين في مرحلة "كان المهجرون القدامى يعيشون هجرتهم الأدبية في ما يشبه الترف." يقول عدنان.
وأضاف وفق المصدر ذاته, "كان يكفي أن يجمع المرء حقائبه ليعانق البلد الذي ارتضاه ملاذا، إلاّ أن الزمن اليوم غير الزمن. فالهجرة الآن حلم دونه خفر السواحل وأسماك القيعان. وواقع يعج بالمشاكل, التي أصبحت تعيشها جاليات أجنبية يشعر أبناؤها بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية."
وأطلق طه عدنان على الأدب الذي ينتجه مواطنون اختاروا الهجرة, "أدب إقامة" لأنهم اختاروا أن يعيشوا بشكل دائم في بلاد لا يعتزمون مغادرتها, وأعطى مثالا لذلك ببعض الأسماء المغربية المقيمة بالخارج أمثال محمد حمودان, المقيم بفرنسا، وعبدالقادر بنعلي, المقيم بهولندا ورشيدة المرابط, المقيمة ببلجيكا, الذين اختار بعضهم الكتابة بلغة بلد الإقامة فيما تشبث آخرون بلغة الضاد.
ويواصل طه عدنان رحلة الكتابة والإصدار, إذ صدر له أخيرا في بيروت عن دار النهضة العربية, ديوان جديد بعنوان (أكره الحب). قصائد الديوان مكتوبة في معظمها تحت سماء بلجيكية خفيضة بين 1997 و2007.
إنها شهادة شعرية مكثفة عن عقد من الاغتراب. اغتراب أعفاه الشاعر من شبهة المنفى وخففه من وطأة الحنين فلم يسقط في فخ التبرم والشكوى. حتى الوطن تخفّف داخل هذه المجموعة الشعرية من كل حمولاته العاطفية الطاغية ليصبح وطناً فحسب.. وطناً لا غير.. ووطناً أيضاً.
طه عدنان صوت شعري يكتب غنائيته السرّية من داخل خيار قصيدة النثر. يزاوج بين القضايا الكبرى وتفاصيل الحياة اليومية. يطرح قضايا بالغة الجدية دونما تجهّم أو درامية. فموضوع العنصرية مثلا يطرح في الديوان خلوا من كل النزوعات الخطابية المباشرة ودونما تباكٍ على الذات أو شكوى من الآخر.
قضايا الهجرة مطروحة بقوة في (أكره الحب) لكن بالكثير من الرهافة والكبرياء من خلال بورتريهات شعرية غنية بالعناصر التاريخية والنفسية والسوسيولوجية: أمادو ديالو الشاب الغيني الذي قُتل برصاص أربعة من رجال الأمن أمام منزله بحيّ البرونكس بنيويورك، نينو الشاب الجزائري الذي يعيش هجرته السرّية في بروكسل على إيقاع صعاليك الجاهلية وبنفس منطقهم في الحياة وفن العيش، والماروكسيلواز نموذجٌ عن مغربيات بروكسل، بنت من الجيل الثاني للهجرة ترمّم أعطاب فؤادها وحيدة.. ووحيدة تكابد اغترابها المزدوج بين ضفتين ولسانين وثقافتين. إلى جانب هذه البورتريهات، تحاول باقي قصائد الديوان التقاط مفردات العيش بلغة سلسة وخلق استعارات جديدة من وحي الحياة المعاصرة، خصوصاً حياة الانترنت ومساحاتها الافتراضية الرحبة التي جعلت الإحساس بالغربة يتضاءل في زمن تطوّرت فيه وسائل الاتصال الحديثة بشكل لافت. كل ذلك يجري من خلال استحضار واعٍ ومبتكر للموروث الشعري العربي في نوع من المحاورة الذكية الخلاقة بين مرجعيتين وبين زمنين. إنها الكتابة في منطقة البين بين.
(أكره الحب) كما هو واضح من عنوانه, ديوان مفارقات بامتياز، وأيضاً ديوان مجاورة بين الأضداد. لذا من الطبيعي أن يتجاور في صلبه النزوع الإيقاعي بنثرية متحرّرة تفرضها بالتأكيد موضوعاته الحديثة، وكذا إصرار الشاعر على أن يكتب لحظته الراهنة بلغتها. إنه ديوان ذو خصوصية لن تخطئها حساسية القارئ, إذ ينصهر التفكير الشخصي في التأمل الوجودي. ويسفر البوح الذاتي عن عمقٍ إنساني لكتابة معاصرة تشبه واقعها في استثمار عميق لأجواء الهجرة وتفاصيل الاغتراب من أجل خلق عالم شعري متكامل يجعل من الديوان الذي كُتبت قصائده على امتداد عقد كامل بين بروكسل ونيويورك وبوسطن وبودابست بطاقة هوية شعرية حديثة للمهجري العربي الجديد.
طه عدنان, من مواليد 2غشت 1970 بمدينة آسفي بالمغرب. نشأ وترعرع بمراكش ويقيم ببروكسل منذ عام 1996.
حاصل على الإجازة في الاقتصاد من جامعة القاضي عياض بمراكش وعلى الإجازة الخاصة في التسيير من المعهد العالي للتجارة ببروكسل ودبلوم الدراسات المتخصصة في تسيير الموارد البشرية من الجامعة الحرة لبروكسل.
يعمل بوزارة التعليم البلجيكية ويتعاون مع قسم الشرق الأوسط لوكالة "أسوشيتد برس" الإخبارية.
ساهم في إصدار مجلة "أصوات معاصرة" في بداية التسعينات وفي إطلاق نشرة "الغارة الشعرية" بمراكش سنة 1994.
يشرف على إدارة الصالون الأدبي العربي ببروكسل بتنسيق مع المركز الثقافي العربي ومهرجان شعر العشق العربي ببلجيكا مع المركز المتنقل للفنون "موسم".
صدر له : "وليَ فيها عناكبُ أخرى"، ديوان شعر من منشورات وزارة الثقافة المغربية 2003 , "بهواء كالزّجاج"، ديوان شعر عن دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة 2003, "Transparences" كتاب شعري مترجم إلى الفرنسية عن دار نشر "LArbre à Paroles" ببلجيكا 2006 (ترجمة سهام بوهلال).