دعا المشاركون في المنتدى الدولي الثاني حول الحضارات والتنوع الثقافي الذي اختتم أخيرا بفاس، إلى إحداث مركز عالمي للحوار بين الحضارات والديانات والثقافات بالعاصمة العلمية للمملكة.
واقترحوا في البيان الختامي للمنتدى إقامة هذا المركز داخل الجامعة الأورو- متوسطية، التي حظيت مبادرة إحداثها بالقبول خلال الندوة الوزارية التي عقدت بداية نونبر الجاري بمدينة مرسيليا . كما أوصى البيان، الذي صدر عن أزيد من مائتي شخصية من مختلف بلدان المعمور التأموا منذ 15 نونبر الجاري، بإحداث مرصد عالمي للكتب المدرسية يهدف إلى تقريب الفوارق وتذويب الأحقاد والأضغان التي قد تضعها بعض المناهج المدرسية في بعض البلدان، وكذا بالانكباب على تدوين موسوعة عالمية حول الحضارات والتنوع الثقافي.
وأكد المشاركون في المنتدى الذي انعقد تحت شعار "تحالف الحضارات والثقافات: من الاستراتيجية إلى التفعيل"، على ضرورة إقامة علاقات مؤسساتية خاصة مع مؤسسة (أنا ليند) لحوار الثقافات والحضارات، والعمل من أجل المشاركة في البرنامج الأورو-متوسطي حول التراث الذي ستستضيفه مدينة مراكش مطلع عام 2009 .
وتميزت جلسات هذا المنتدى، بمداخلات لم تخل من إثارة الجدل والنقاش، خاصة عندما يجري التعريج على أهم المآزق التي تعيق التأسيس لحوار حضارات فعال، وفي مقدمة هذه المآزق قضية الكيل بمكيالين الغربية في التعاطي مع قضايا الوطن العربي والعالم الإسلامي، جرى بالمناسبة التوقف مليا عند قلاقل القضية الفلسطينية والملف العراقي في عرقلة مساعي مروجي أطروحات الحوار بين الحضارات والأديان، بل حتى توقع الشيء الكثير من مشروع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يحمل عنوان "الاتحاد من أجل المتوسط".
وأكد عباس الجراري، مستشار جلالة الملك وعضو الأكاديمية المغربية، أن الحوار بين الثقافات لا يستقيم دون قبول الآخر، بما يحمله من خصوصيات وتراث وديانة وهوية واختلافات، وفي معرض تأكيده أهمية الحوار المثمر بين مختلف الثقافات كيفما كانت خصوصياتها أو اختلافاتها، دعا الجراري إلى ضرورة الخروج من المقاربة النظرية إلى مقاربة تطبيق الأفكار المتداولة في اللقاءات التي تنعقد في مختلف مناطق العالم، موضحا أن هذه المسؤولية تقع، في المقام الأول، على عاتق المسؤولين بقطاعات الصحة والتعليم والمجتمع المدني، مشددا على أهمية إزالة اللبس الذي يعتري مفهومي الحضارة والثقافة، ومبرزا أن الحضارة ترتبط بكل ما هو مادي، بما في ذلك العمران والاقتصاد وأنماط الحياة، في حين أن الثقافة متصلة بالفكر والمواقف وعمق الكائن البشري والهوية وخصوصيات المجتمع.
أما عبد الله بن علي الخطيب، أستاذ جامعي وملحق ثقافي لدى سفارة المملكة العربية السعودية بباريس، فأبرز أن أي حوار جاد بين الثقافات يمر حتما عبر تحليل معمق للعديد من المفاهيم، من قبيل التعددية والتعدد الثقافي والتسامح، وأن الحوار بين الثقافات، بالنظر إلى طبيعته النخبوية، صار مجردا من أي أثر، انطلاقا من أنه لا يعكس سوى رأي فئة محدودة للغاية، مشددا بدوره على أهمية توسيع دائرة هذا الحوار ليشمل الشعوب وهيئات المجتمع المدني، كي تتمكن من الانعتاق من الإيديولوجيات والحسابات السياسية الضيقة.
وبالنسبة إلى شارل سانت بروت، مدير "مرصد الأبحاث الجيوسياسية" بفرنسا، فإنه ألح على الحاجة المستعجلة لقيام تحالف يسمح بـ"التحرك المشترك والعمل من أجل إدماج المفاهيم الأخلاقية والقيم الروحية في سيرورة الواقع، وهو ما يعني التوفيق بين الروحي والمادي"، قبل أن يضيف أن هذا التحالف يجب أن "يقود معركة كبرى تنتصر للقيم الروحية، بشكل لا ينقاد معه عالم الغد وراء المادية العدمية، بل يزاوج بين التقدم التقني والتطور الأخلاقي"، مشيرا إلى أنه "حان الوقت للتشاور بين الديانات لتنسيق الحوار بين الحضارات، على ألا يكون شعارا فقط، بل أن يأخذ شكلا ملموسا من خلال العمل المشترك لبناء عالم له وازع روحي".
من جهته، قال محمد الهوني، رئيس تحرير صحيفة "العرب العالمية" والرئيس المدير العام لمجموعة العرب الإعلامية ومقرها لندن، في مداخلة له بعنوان "حوار الحضارات أي شروط إعلامية وأي وسائط لإنجاحه"،إن الحديث عن حوار الحضارات والأديان، لم يعد ترفا فكريا تختص به ثلة من الأكاديميين أو الفلاسفة، بل حولته أحداث 11 سبتمبر 2001 إلى عنوان رئيسي للعلاقات بين الشمال والجنوب، وملف أساسي في العلاقات بين الدول والمجموعات الإقليمية والسياسية، فضلا عن وسائل الإعلام المختلفة، وتمحورت مداخلة الهوني تحديدا على دور مؤسسات الإعلام في التعاطي مع مثل هذه الأحداث والمتغيرات،
معرجا على تجربة صحيفة "العرب العالمية" في مقاربتها للملف، باعتبارها صحيفة غير محلية، أي عابرة للحدود، ولا ترتبط بمقاربة دولة ما، ولا برؤيتها لمعالم الحوار وحدوده، حيث أوْلَت المؤسسة، يضيف الهوني، أهمية كبرى للتعددية الثقافية من أجل بناء ثقافة جماهيرية ناضجة وواعية، في ظل النمو الهائل لما يصطلح عليه بصناعة الثقافات، وهيمنة مجموعات الاتصال والإعلام الكبرى على تشكيل وعي الناس، مدققا في أن صحيفة "العرب"، باعتبارها الصحيفة العربية الأولى التي ظهرت في المهجر سنة 1977، تأسست على التنوع، بحيث سمح بعدها العروبي والقومي بأن تكون صوتا لقارئ متعدد الأديان والمذاهب، من منطلق أن القومية، كما رآها المؤسس الحاج أحمد الصالحين الهوني، تتجه إلى كل العرب، مسلمين ومسيحيين وغيرهم.
أما الفيلسوف هيرفي فيشر، فأكد أن العالم لم يتطور كثيرا منذ الحقبة الاستعمارية بسبب استمرار تزايد الحروب والإبادات والعنف، وذلك باسم النيوليبرالية الاقتصادية الجديدة والعولمة، التي ليست في حقيقة الأمر سوى تعبيرات معاصرة للنزعات التوسعية الغربية القديمة، كما اعتبر المتدخل أن عالم اليوم غير متجانس وربما أكثر من أي وقت مضى، فرغم أن هناك حالات تجميع إلا أن هناك في المقابل صراعات وحالات لا تفاهم تكاد لا تنتهي.
وأثار ليوناردو فيتا، عن الجامعة الشعبية "بلاكونكرو" الإيطالية، تجربة إيطاليا في مجال الحوار مع مهاجريها، مشيرا إلى أن مشاعر الخوف من الآخر والحذر منه قد عمت فئات واسعة من الشعب، نتيجة، على الخصوص، لعدم فهم الآخر.
كما تساءل لوران بلوتش، أستاذ جامعي بفرنسا، عن دور الإنترنت، مؤكدا أن الأمر يتعلق بنظام تقني رائع يخوّل التواصل بين البشر وأنه لا ينبغي إخفاء الصعوبات التي قد تبرز مستقبلا، موضحا أيضا أن هذا النظام التقني، الذي أحدث في نهاية ستينيات القرن الماضي لتسهيل التبادلات بين بضع مئات من الباحثين المرتبطين بعشرات الحواسيب، تطور كثيرا ليضم اليوم حوالي 100 مليون موزع وسيصل عدد متصفحي الإنترنت في القريب إلى مليارين.
يشار إلى أن هذا المنتدى المنظم من طرف "المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الإستراتيجية والدولية" وجمعية "1200 سنة على تأسيس مدينة فاس" ومؤسسة "روح فاس"، يأتي على إثر النجاح المتميز للدورة الأولى التي انعقدت في2007، والتي نشرت أعمالها في خمسة مجلدات باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية.