محمد الديداوي:

يدعو المؤلفين العرب إلى استغلال إمكانات اللغة العربية لأن البيان بالنسبة للنص العربي كالطرب بالنسبة للغناء

السبت 26 يوليوز 2008 - 11:51

نشأ محمد الديداوي، رئيس قسم الترجمة العربية بالأمم المتحدة لمدة تزيد عن ربع قرن، في عائلة توارثت العلوم أبا عن جد، وكان محاطا منذ طفولته بالكتب الصفراء تعبق منها جمالية اللغة وكنوز التراث.

وصادف دخوله إلى مرحلة التعليم الأولى أيام استقلال المغرب، وما حملته المناسبة من نزعات وطنية، وأناشيد قومية حماسية.

يقول محمد الديداوي في حديث لإحدى المحطات الإذاعية الأوروبية "بعد أن عملت في مقار مختلفة لمنظمة الأمم المتحدة، في نيويورك وأديس أبابا، وفي فيينا وجنيف، وفي وظائف متعددة كمترجم ومراجع أولا، ثم كرئيس لقسم الترجمة العربية لسنوات طويلة، أصبحت الآن في موقع يسمح لي بأن أكرس جهودي لتحقيق ما قضيت سنوات وسنوات طوال أدعو إليه على بصيرة".

وعلى غير عادة الموظفين، الذين ينظرون إلى التقاعد من الوظيفة كفرصة للاستجمام وقضاء الوقت في الأسفار والتجوال، يعتقد محمد الديداوي أن أمامه فرصة يجب اقتناصها، فقد منى النفس طويلا بمرحلة يركن فيها إلى الكتابة والإسهام بفعالية في تطوير نظريات الترجمة، والذود عن اللغة العربية وها هو يرى نفسه اليوم أمام هذه الفرصة الثمينة.

ومن فضل الأمم المتحدة على هذا الرجل، كما يقول هو نفسه "أنها سمحت لي بحضور عدد كبير من المؤتمرات والندوات الدولية حول نظريات الترجمة والمفاهيم المصطلحية، نقلت صداها إلى العالم العربي، وأصّلت أطروحاتها وأردفتها بتطبيقات في عالم لغة الضاد"، وقد ساعده على ذلك، تتلمذه في الجامعات الفرنسية على يد نخبة من عمالقة النظرية التأويلية المبنية على الترجمة الشفوية".

ما زال محمد الديداوي يتذكّر أوّل يوم توجه فيه إلى مدرسة القرية في منطقة نائية بالجنوب الشرقي للمملكة، حيث باشر دراسة اللغتين العربية والفرنسية في آن واحد، "لكنني، شعرت منذ الوهلة الأولى أن العربية منّي، إذ كانت تعابيرها راسخة في لهجتي قريبة محببة إلى نفسي"، حسب قوله.

وما زاد في حبه وشغفه بهذه اللغة: "ما تلقنته من أساتذة أجلاء في ثانوية مولاي يوسف بالرباط، ومنهم من كان فرنسيا مستعربا، تعلمنا على يديه فن الترجمة ومتعة التنقل من لغة إلى أخرى، وكان الأستاذ ليو يأتي بالمقابلات تطوعا منه وحبا في العربية"، كما كانت المقررات الدراسية آنذاك زاخرة بالفوائد اللغوية وكانت كتب الأدب مصاغة بعناية كبيرة ومنهجية صائبة".

هذا الإعجاب باللغة يعززه فقه عميق بقواعدها ومعرفة واسعة بعلومها، "العربية محكمة البنيان، منطقية المنوال، يكاد يكون نحوها في هيئة الجبر، ومن حسناتها أن القرآن الكريم صانها من العبث ووشحها ببيانه، الذي لا يُعلى عليه". وبدل اللهث وراء اللغات الأخرى، والقناعة منها بركاكة الأسلوب، يدعو الديداوي المؤلفين العرب إلى "تسخير الموروث الجميل والقيّم واستغلال إمكانات اللغة من أوزان، وحروف جر، وغيرها، فالبيان بالنسبة للنص العربي كالطرب بالنسبة للغناء".

ولا تتوقف العناية باللغة عند البُعد الشعري أو الجمالي، بل لما لها من انعكاس مباشر على المعاني والدلالات، وعلى طرق التفكير ونقل المعارف، وشعورا منه بأهمية ذلك، وضع الديداوي الترجمة بمرتبة الكتابة، والمترجم بمرتبة الكاتب: "فهو يحصل المعاني في ذهنه من النص المترجم، ثم ينقلها بدقة إلى اللغة المترجم إليها"، وانسجاما مع ذلك، كانت الطريقة المثلى للترجمة هي: "التقيد بالأصل إلى أقصى درجة، والابتعاد عنه بقدر ما تستلزمه اللغة المترجم إليها".

لكن المجال، الذي يشغل الديداوي ويأخذ منه الوقت والجهد، هو مجال التعريب، وما يعانيه هذا المجال من تشويش وتردد وارتجال. والخطأ الكبير، حسب الديداوي هو تخلي عدد كبير من البلدان العربية عن "الكتاتيب، لأنها كانت وسيلة ناجعة في غرس اللغة في الأفئدة والعقول، إذ فيها تتكون الملكة اللغوية، ويتشكل الأساس المتين والقاعدة الصلبة للتعلم في ما بعد".

ولا يقول الديداوي هذا من منطلق التعصب للغة العربية، وإن كان شغوفا بها كما سلف، بل "لأن التجربة أثبتت أن الإبداع والتفوق لا يتأتيان إلا باللغة الأم"، ويضرب لذلك مثلا "اليابانيون الذين كانوا يأتون إلى مصر زمن محمد علي باشا للإطلاع على تجربة التعريب النشطة آنذاك"، ويأسف لتراجع المصريين عن ذلك الجهد، "في الوقت، الذي رفع اليابانيون فيه لواء لغتهم، وعلى أساس منها بنوا نهضتهم".

وللخروج من هذا التردد والارتجالية، يدعو الديداوي إلى استئناف جهود عصر النهضة من خلال إجراء البحوث العلمية بالعربية، وتكييف التعليم مع متطلبات وحاجيات المجتمعات المحلية، وإعطاء دور فاعل للقطاع الخاص في دعم العملية التعليمية.

وفي سياق متصل، يعلق محمد الديداوي أهمية كبيرة على المجامع اللغوية، التي من أبرز مهامها الدفاع عن اللغة العربية وتنمية استخداماتها، لكنه يرى أن "الوتيرة التي تضع بها تلك المجامع المصطلحات، غير مجدية كثيرا، لأنها لا تستطيع اللحاق بالركب وهي قليلة الموارد".

ويبقى أمله معلقا بيوم يسترعي التعريب اهتمام أصحاب القرار وتتطوّع أقلام الكتاب للذود عنه، وتوعية الجمهور بأهميته، ويستبشر خيرا بالمستقبل، "فهناك هيئات مثل مؤسسة الفكر العربي تتبنى مسألة الترجمة والتعريب، وأنشأت بلدان عربية مراكز للترجمة كالمركز القومي للترجمة بمصر، وإعلان تونس سنة 2008 سنة للترجمة، لكن يخشى كثيرا تمييع الأمر وتطفل البعض على الترجمة من غير أهل الاختصاص، في وقت تقتضي الترجمة التدرب المنهجي واتباع القواعد وتوفر ملكة الكتابة ودقة الأداء".

الترجمة ترجماتٌ. هكذا أجأب الديداوي، عن تعريف الترجمة ومناهجها، ذلك أن أهمية وطريقة أي علم تتحدد بحسب الغرض منه. وبالنسبة للعالم العربي، يقول الديداوي أن "هناك نوعان رئيسيان من الترجمة يصلحان له: الترجمة البيانية والترجمة التعريبية. فالترجمة البيانية هي التي يُتَوخّى فيها البيان والوضوح والدقة والتكييف الكامل مع مقتضيات العربية"، ويمكن الاستفادة منها عربيا من خلال التعامل مع كبريات دور النشر والحصول على الكتب القيمة، وخاصة العلمية منها، أثناء إعدادها للنشر في اللغة الأصلية وتوزيعها على ثُلَّة من العلماء العرب القادرين على النقل، ثم إصدار الكتاب في زمن قياسي، على أن يستعان بالوسائل الحاسوبية، ومنها شبكة الأتنرنت" في نشرها والإعلام بها.

وأما النمط الثاني، فهو الترجمة التعريبية، وهي تسمى كذلك "لأنها توظف أكثر من لغة، وفيها يستوعب الاختصاصي العربي الملم باللغات والقادر على الكتابة بالعربية المعلومات في موضوع من اختصاصه في لغات متعدّدة، ويأتي بعصارتها مع التكييف اللازم والإضافة المستحسنة".

وفي هذا النوع من الترجمة، "اختصار للوقت وادخار للموارد وربح للمال". فالكتاب الواحد يغني عن ترجمة العديد من الكتب، والأهم من هذا وذاك أنه يقْدر العربية على احتواء العلوم الحديثة بعد أن أثبتت قدرتها من قبل. وتظل الترجمة ضرورة ملحة للتواصل بين الشعوب وتيسير التفاهم والتعايش وإشاعة السلام في العالم. ويقول محمد الديداوي، وهو الخبير بأسرار المنظمة التي عمل فيها لعقود ثلاثة: "تهتم الأمم المتحدة أيما اهتمام بالتعدد اللغوي، ولقد اعتمدت الجمعية العامة قرارات مهمة في نفس السياق، ومنها اعتبار سنة 2008 سنة دولية للاحتفال باللغات".

محمد الديداوي

يمتلك محمد الديداوي تجربة واسعة في مجال الترجمة والتأليف، وله أبحاث متميزة تقدم بها إلى أزيد من 50 مؤتمرا دوليا عن الترجمة وعلم المصطلحات في أقطار عربية وفي أوروبا وأمريكا باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية.

ويتمتع الديداوي بخبرة تزيد عن 28 سنة في مضمار الترجمة في الأمم المتحدة، وعمل مترجما ورئيسا لقسم الترجمة في أربعة مقار مختلفة للمنظمة الدولية، في نيويورك، وأديس أبابا، وفي فيينا. وقضى الثماني سنوات الأخيرة في المقر الأوروبي للمنظمة بجنيف.

كذلك عمل مدرسا في العديد من الجامعات والمدارس العليا، منها مدرسة الملك فهد للترجمة بطنجة، ومدرسة الترجمة بجامعة جنيف، وقسم الترجمة بالجامعة اللبنانية ببيروت.

حصل محمد الديداوي على الإجازة في الترجمة التحريرية والفورية، وعلى الدراسات المعمقة في اللسانيات، وعلى الدكتوراه في علم الترجمة ونظرياتها.

من مؤلفات الديداوي

دليل المترجم: تصور وإسهام وإشراف ومراجعة (مصطلحات متخصصة ومختصرات ومعلومات أساسية).

نشرات مصطلحية إنكليزية - عربية حول مواضيع تخصّصية (الطاقة والتجارب النووية والمخدرات ومكافحة الجريمة، إلخ) .

علم الترجمة بين النظرية والتطبيق. مكتبة المعارف: سوسة، تونس (1992)

الترجمة والتواصل. دراسات عملية تحليلية لإشكالية الاصطلاح ودور المترجم. المركز الثقافي العربي: بيروت / الدار البيضاء (2000)

الترجمة والتعريب بين اللغة البيانية واللغة الحاسوبية. المركز الثقافي العربي، بيروتالدار البيضاء (2002)

منهاج المترجم: بين الكتابة والاصطلاح والهواية والاحتراف، المركزالثقافي العربي، بيروتالدارالبيضاء (2005)

أبحاث منشورة في مجلات متخصصة عربية، منها اللسان العربي التي يصدرها مكتب تنسيق التعريب التابع لجامعة الدول العربية، ومجلات متخصصة غير عربية.




تابعونا على فيسبوك