تواصل مؤسسة وسيط المملكة تعزيز موقعها كإحدى المؤسسات الدستورية المعنية بحماية حقوق المرتفقين وتحسين الحكامة المرفقية، في ظل ارتفاع متواصل في عدد التظلمات واتساع انتظارات المواطنين من الإدارة العمومية. وفي هذا الحوار مع صحيفة «الصحراء المغربية»، يتحدث وسيط المملكة، حسن طارق، عن المسار التاريخي للمؤسسة، منذ ديوان المظالم إلى مؤسسة دستورية مستقلة، موضحا اختصاصاتها وحدود تدخلها وآليات اشتغالها في معالجة التظلمات الفردية، إلى جانب دورها كقوة اقتراحية في إصلاح الإدارة وتطوير الحكامة. ويتناول الحوار عددا من القضايا المرتبطة بواقع المؤسسة، من بينها أسباب استمرار اللبس لدى بعض المواطنين بشأن اختصاصاتها، وتطور مؤشرات اللجوء إليها، وطبيعة الإدارات الأكثر ورودا في الشكايات، ومدى تنفيذ توصياتها، فضلا عن المبادرة التلقائية التي خولها لها القانون، والجهود المبذولة لتيسير الولوج إلى خدماتها، خاصة لفائدة سكان المناطق البعيدة، في ظل التحديات التي ما تزال تطرحها الفوارق المجالية والرقمية.
كما يكشف وسيط المملكة عن أبرز الأوراش التي تعمل عليها المؤسسة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها المخطط الاستراتيجي للفترة 2030-2026، وتعزيز دورها في مجال الحكامة إلى جانب الحماية، وإطلاق برامج للحوار حول الحكامة المرفقية والمساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، إضافة إلى الترافع من أجل بناء منظومة وطنية للوساطة، وإحداث آليات للوساطة داخل الجامعات والمستشفيات، تعزيزا للثقة بين المواطن والإدارة.
1: أستاذ حسن طارق كيف تعرف اليوم دور مؤسسة وسيط المملكة؟ وماذا عن مسارها التاريخي والسياسي والقانوني؟
عندما نتحدث عن مؤسسة الوسيط، نتحدث عن مؤسسة هي امتداد لديوان المظالم التي أحدثها صاحب الجلالة سنة 2001. لكن عندما نتحدث عن الوساطة والعمل والوظيفة، فنحن نتحدث عن شيء قديم. في عام 1958 عندما أحدث جلالة المغفور له محمد الخامس مكتب الأبحاث والإرشادات، كان مخصصا لاستقبال الشكايات، وكان من المؤسسات التي أحدثت مباشرة بعد استقلال المغرب. في الواقع تاريخ المهمة أو هذه الوظيفة يعود إلى عقود قبل ذلك وربما إلى قرون، لأن ولاية المظالم كانت تعتبر دائما من شمولات إمارة المؤمنين، لذلك فعندما نعود مثلا إلى الدولة العلوية سنجد اهتماما واسعا بهذه الوظيفة، كان دائما إلى جانب الملك والسلاطين شخص يهتم بهذه المهمة. إذن نحن أمام وظيفة حقوقية للدفاع عن المواطنين والمرتفقين التي هي اليوم جزء من منظومة معيارية دولية. كما نعرف جميعا بأنها منظومة للمواطنين والمرتفقين في العالم «الأبودسمان» لديها مرجعيات ومعايير دولية، فيها الاستقلالية، فيها الحياد، وفيها الدفاع عن المرتفقين في مواجهة اختلالات وتجاوزات الإدارة. لكننا في المغرب نحن محظوظون، لأننا أمام تقليد إسلامي مغربي مرتبط بالدولة المغربية العريقة. التطور القريب يمكن أن نرجع فيه إلى 2001. فسنة 2001 مهمة لأنه كانت هناك انطلاقة لتغيير مؤسساتي كبير جدا، ولابد أن أذكر خطاب العرش في سنة 2000 عندما اعتبر صاحب الجلالة بأنه لكل زمن رجاله ولكل زمن مؤسساته، وكانت هناك موجة من المؤسسات، لذلك جلالة الملك وهو يحدد دور ديوان المظالم كان دائما يربط هذه الإحداث بحماية حقوق الإنسان وبالدفاع عن حقوق الإنسان، ويربطه بمؤسستين: المؤسسة الأولى هي المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، كمؤسسة سياسية للدفاع عن المواطنين، والمحاكم الإدارية، كجهاز أو كمؤسسة قضائية لحماية المواطن في علاقته بالإدارة. إلى جانب هاتين المؤسستين سيتم إحداث ديوان المظالم، كمؤسسة تساهم في الدفاع عن حقوق المواطن في علاقته مع الإدارة. إذن 2001 زخم سياق تدعيم نَفَس جديد، جيل جديد من المؤسسات والإصلاحات. ثم 2011، في سياق التحول السياسي والدستوري الكبير الذي عرفته بلادنا، سيتم تحويل المؤسسة أولا في مارس 2011 إلى مؤسسة الوسيط، ثم سيتم، في يوليوز، بمقتضى دستور 2011 تحويل المؤسسة إلى مؤسسة وطنية دستورية من هيئات الحكامة. إذن اليوم هذه المؤسسة هي إحدى المؤسسات الوطنية المستقلة الحاضرة في الدستور، باعتبارها مؤسسة لحماية حقوق الإنسان، وباعتبارها مؤسسة مرجعية في مجال الحكامة المرفقية والحكامة الإدارية.
2: من خلال متابعتنا لمؤسسة الوسيط، نجد أن مجموعة من المواطنين لا يعرفون اختصاصاتها بشكل دقيق، بل إن هناك من يخلط بينها وبين الهيئات القضائية. كيف تتعاملون مع هذا اللبس؟ كما نريد نظرة شاملة حول اختصاصات المؤسسة؟
نعم يوجد لبس، وفي الواقع يوجد ضعف في التواصل وضعف في حضور المؤسسة في أذهان المواطنين. لدينا الكثير من المؤشرات العينية على ذلك، لكن يوجد كذلك تطور تدريجي، وهذا التطور التدريجي يظهر في حضور المؤسسة. لدينا مؤشرات، ومن مؤشراته ارتفاع الطلب على الوساطة وارتفاع عدد الملفات التي ندبرها كمؤسسة، وهذا الارتفاع هو ارتفاع كمي وارتفاع نوعي. وسأشرح ذلك: تتوصل المؤسسة بما يقارب 11 ألف شكاية في كل سنة. في السابق كنا أمام عدد لا يتجاوز 2000 إلى 3000 شكاية، ووسط هذا العدد كنا نجد بأن عدد الملفات التي توجد خارج اختصاص المؤسسة أكبر بكثير من الملفات التي توجد داخل اختصاصها. هذا ماذا يعني؟ يعني أن الناس لا يعرفون المؤسسة، وحتى الذين يعرفونها لديهم لبس في صلاحياتها. اليوم عدد الذين يعرفون المؤسسة أكبر، ومن يعرف المؤسسة فهو في الغالب يعرف حدود اختصاصاتها. ما هو المؤشر هنا؟ هو المؤشر النوعي. اليوم في تقرير آخر نشتغل على السنة المرجعية 2024 أو ما قبل، نجد بأن ثلثي الشكايات هي تظلمات تدخل في صميم صلاحية مؤسسة الوسيط. هذا يعني أن هناك تطابقا بين الطلب والعرض المؤسساتي الذي تقدمه هذه المؤسسة. ما هي الاختصاصات؟ الدستور يتحدث عن هيئات الحكامة. وفي هيئات الحكامة يميز بين ثلاثة أنواع: النوع الأول هو نوع من الهيئات المكلفة بحماية حقوق الإنسان، هذا النوع يمثله المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو مؤسسة وطنية تعددية مهمتها حماية حقوق الإنسان، ويمكن القول إن هذه المؤسسة هي المؤسسة ذات الولاية العامة في مجال حقوق الإنسان. مباشرة نجد مؤسسة الوسيط؛ يصنفها ويعرفها ويكيفها الدستور كمؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة في مجال حماية حقوق الإنسان داخل إطار العلاقة ما بين المواطن والإدارة. إذن الحماية هي هذا الشكل الكبير، لكن الإطار هو علاقة المواطن بالإدارة. ويمكن أن نتحدث عن الاختصاصات كمهام مهيكلة بشكل كبير، فالمهمة الأولى هي مهمة الحماية، ما معنى الحماية؟ معناها أننا ندبر حالات فردية، نزاعا فرديا مع الإدارة. عدد كبير من المتظلمين يطلبون تدخل الوسيط لتراجع الإدارة عما يعتبرونه تجاوزا وخروجا عن القانون وخروجا عن العدل والإنصاف، أو تعسفا في استعمال السلطة. هنا نكون أمام شكاية أو تظلم فردي (نزاع فردي)، نحاول أن ندبره بما يرضي المرجعية المعيارية لعملنا التي هي احترام القانون ومبادئ العدل والإنصاف. كيف نفعل هذا التدبير؟ التدبير يتطلب أولا دراسة الملف، يتطلب مكاتبة المتظلمين واستكمال معطيات الملف، ثم بعد ذلك مكاتبة الإدارة ومعرفة رأيها في الموضوع، ومحاولة البحث عن حل وسط. الأمر قد يقتضي تدبيراً مكتبيا، وقد يقتضي أكثر من ذلك، عقد اجتماعات وجلسات بحث، مثلا. المهم هو أن نصل إلى تسوية أو إلى قرار بتسوية يرضي الطرفين، ويستند إلى مبادئ القانون وإلى مبادئ العدل والإنصاف. إذن هذا الشق هو مهمة الحماية، مهمة حماية حقوق الإنسان. لدينا مهمة أخرى أساسية، هي مهمة الحكامة. ما معناها؟ المؤسسة هي مؤسسة لحماية المرتفقين وحماية المواطنين، ولكن هي كذلك هيئة من هيئات الحكامة والتخليق. ما معنى أننا هيئة حكامة؟ ما معنى أننا هيئة مرجعية في كل ما يتعلق بالحكامة المرفقية والحكامة الإدارية؟ ما معنى أننا هيئة مرجعية؟ معناه أن لدينا قوة اقتراحية نفعلها عبر جملة من الوسائل التي يوفرها لنا القانون، ومن ضمنها مثلا التقرير السنوي الذي يرفع إلى صاحب الجلالة قبل متم شهر يونيو من كل سنة، ويضم جردا بالاختلالات، ولكن كذلك جردا بالاقتراحات التي قدمتها المؤسسة. إذن هذا تقرير مهم لأنه ينشر على نطاق واسع، ويتم استعراضه أمام الرأي العام. وتقديم خلاصة عنه داخل مجلس النواب، تكون موضوع نقاش واسع لدى أوساط الرأي العام. إذن هذه آلية ناعمة تبرز دور المؤسسة كهيئة حكامة وكقوة اقتراحية. ثم لدينا مثلا إمكانية إرسال تقارير خاصة إلى السيد رئيس الحكومة، التي نطلب فيها إما أن تكون هناك تعديلات على قوانين، أو تكون مراجعة لسياسات ننبه فيها إلى بعض الاختلالات التي نشعر بها يوميا، لأننا نحن في لقاء يومي مستمر ودائم مع الاختلالات.
3: ما هي المبادرة التي تقومون بها بشكل تلقائي؟
التعديلات التي عرفتها المؤسسة، خاصة انطلاقا من مارس 2011، جعلت لها سلطة مهمة وهي المبادرة التلقائية. معناها أن المؤسسة يمكنها أن تتحرك من تلقاء نفسها حتى دون أن تتوفر على شكاية في الموضوع، وكانت هناك نماذج لمبادرات مهمة طبقت في مسألة المبادرة التلقائية. وبالمناسبة، في تقييم نجاعة وفعالية المؤسسة على المستوى الدولي، دائما يطرح السؤال: هل تتوفر المؤسسة على المبادرة التلقائية؟ لأنها من المميزات الأساسية التي تبين بأن المؤسسة جزء من البناء المرجعي العلمي والمعياري الدولي لمنظومات الوساطة كما هي معروفة في العالم. لذلك لا يتحركون بناء على الشكايات فقط، ولكن يمكن أن يتحركوا بطريقة ذاتية.
4: ما هي الإدارات الأكثر ورودا في الشكايات؟ وهل يجب أن يكون، في كل تقرير، جرد للاختلالات والإدارات المشتكى منها أو المتظلم منها؟
في الواقع يوجد جزء من عناصر الجواب. العناصر الأولى هي الوزارات الكبرى. ما معنى الكبرى؟ هي الوزارات التي لديها امتداد ترابي ووظيفي من حيث الاختصاصات، والتي لديها علاقة مباشرة مع المواطنين. كنت أتحدث عن وزارة الداخلية بامتداداتها غير الممركزة، بقربها المؤسساتي، بمجالات تدخلها، باحتكاكها المباشر مع المواطنين. مثلا وزارة التربية الوطنية، وزارة كبيرة وبعدد كبير من الموظفين وصلاحيات مهمة. ومثلا وزارة المالية، نتحدث هنا عن علاقتها مع المواطن الملزم الخاضع للضريبة، أو مع المواطن الذي يوجد في حالة تعاقد في الصفقات العمومية. فالوزارات الكبرى هي الوزارات الأكثر تظلما، لأنها وزارات منتشرة، ولديها امتداد وظيفي، لأنها توجد في احتكاك طبيعي مع المواطنين، هذا هو الثابت. المتغير يظهر في بعض السنوات، كل سنة يكون لدينا وزارة أو قطاع يفاجئنا بأنه يتصدر، مثلا وزارة السياحة، وهي وزارة بعيدة عن النمط والتصنيف التقليدي من الوزارات الكثيرة التظلم، ولكن لأنها كانت تدبر برنامجا وكانت مشرفة على شركة تدبر برنامجا عموميا. إذن عموما لا يوجد تأثير، كلما كانت الوزارات حاضرة ترابيا ومرفقيا ووظيفيا في قرب جغرافي وترابي، كلما كانت أكثر عرضة للشكايات وأكثر عرضة للتظلمات.

5: بالنسبة للعمل الإجرائي، كيف يتم التعامل مع توصيات الوسيط للتدبير الفعلي وتنفيذ هذه التوصيات؟ وكيف يتم التعامل أيضا مع الإدارات التي تنفذها أو تتجاهلها؟
توجد إشارة للتوصيات فيها نوع من اللبس يجب أن نوضحه. عندما نستمع إلى التوصيات قد يتبادر إلى الذهن التوصيات المتعلقة بمعالجة الملفات الفردية. هذا الأمر ينشر بسهولة، المواطن عنده نزاع مع الإدارة، لم يختر أن يذهب إلى القضاء، بل أتى إلى مؤسسة الوساطة وقدم حججه. الدارسون يتأكدون من أن الأمر يدخل في اختصاص المؤسسة، يبدأون في تدبير هذا الملف، يراسلون المعني بالأمر ويرسلون إلى الإدارة. قد يقترحون جلسة بحث لتبادل الحجج ولمعرفة موقف الإدارة، وقد ينتهون إلى ما نسميه «قرار تسوية»، وهو الحالة الغالبة، تقريبا 1800 قرار تسوية، قرارات نجحنا فيها في وساطة ودية ما بين الإدارة وما بين المرتفقين. في بعض الحالات التي ليست حالة غالبة، يبدو لنا كمؤسسة بأن الإدارة تتمسك بموقفها رغم أنه مخالف لمبادئ القانون أو لمبادئ العدل والإنصاف. في هذه الحالة لا يكون لدينا أي خيار إلا أن نوصي الإدارة بتطبيق القانون، وبالاحتكام إلى مبادئ العدل والإنصاف، وبمراجعة قرارها. هنا يمكن أن ندخل في منطقة تدبير التوصية، وهنا تكون لدينا صعوبات التنفيذ. وعموما نلاحظ بأن نسبة تنفيذ التوصيات تتطور، وفي السنوات الثلاث الأخيرة لدينا عدد التوصيات الصادرة في كل سنة يعادل عدد التوصيات المنفذة، يعني عندما نصدر 100 أو 111 ننفذ تقريبا 100 إلى 111، يعني نسبة التنفيذ تصل إلى 100 في المائة على مستوى السنة. غير الجيد في هذه الوضعية هو أنه عندنا توصيات مخلفة من سنوات سابقة، وهي التي تجعل النسبة الإجمالية لا تصل إلى 100 في المائة. نحن نحاول تدبير هذا المخلف، توصيات عالقة من سنوات أخرى، إدارة تأخرت في تنفيذ التوصيات. المهم أنها توصيات ملزمة للإدارة، وأن المؤسسة لا تتوقف فقط عند لحظة إصدارها، بل تتابع تنفيذها، وتحاول أن تذلل الصعوبات المادية أو الواقعية في تنفيذ هذه التوصيات. إذن هذا ما قد يتبادر في ذهن المستمع وهو ينصت إلى كلمة توصية. هناك أيضا الاقتراحات، فالمؤسسة، بصفتها هيئة حكامة، تمارس دورا في الحوار العمومي باعتبارها قوة اقتراحية. عندما نصدر رأيا، أو نكاتب رئيس الحكومة، أو نكاتب رئيسي غرفتي البرلمان بشأن مشروع قانون، أو عندما نكاتب إدارة معينة حول خطة إصلاحية مرفقية ونقدم رأينا، هنا هذه الآراء لا علاقة لها بالتوصيات المتعلقة بالملفات الفردية. هذه آراء اقتراحية، لأنها ناتجة عن المؤسسة بوصفها هيئة حكامة، وبوصفها قوة اقتراحية وبوصفها مؤسسة مرجعية في مجال الحكامة الإدارية. إذن هي آراء مؤسسة لديها خبرة وعندها اهتمام وعلاقة بالملفات، ولكن هذه القرارات غير ملزمة، وهذا طبيعي، لأن هذه المؤسسة تمارس هذا الدور انطلاقاً من فضاء الديمقراطية التشاركية وفضاء الحوار العمومي، وهي ليست برلمانا وليست حكومة. إذن هي تحاول أن تقنع وتترافع، تقدم حججها وتقدم اقتراحاتها، تنتظر التفاعل والتجاوب، ولكنها لا تلزم أحدا بتطبيقها. نحن نصر على تطبيق التوصيات لأنها تتعلق بمجال الحماية، ولأنها تتعلق بمجال الملفات الفردية، إذن هذه التوصيات ملزمة. أما الاقتراحات فهي طبعا للإغناء ولإثارة الحوار العمومي كي يكون هناك تجاوب. وفي كل تقرير نذكر الآراء التي قدمنا، ونذكر موقف الحكومة منها، وفي عدد كبير من الآراء يكون هناك تفاعل. هناك استماع مسؤول، وجدية ودراسة، والنتيجة تختلف، لكن ما يمكن أن أقوله بناء على الآراء أو التقارير الخاصة التي وجهت إلى رئيس الحكومة هو أن هناك تجاوبا واهتماما وجدية، المآل في النهاية قد لا يكون دائما بالنسبة إلينا مرضيا، ولكن على مستوى الوسيلة وعلى مستوى الجهد المبذول هناك اهتمام.
6: هل يظل الولوج لمؤسسة الوسيط متاحاً ومنصفا لجميع المواطنين عبر ربوع المملكة، خصوصا الناس الموجودين في المناطق النائية؟
وما هي المبادرات التي أوجدتموها لتقريب المؤسسة من المواطنين؟ التحدي هو هل كانت منصفة؟ مؤسسات الوسيط في المغرب وفي العالم مبنية على قيمة أساسية هي الإنصاف. الإنصاف في المعالجة، ذلك أن الإنصاف ليس هو العدل، العدل هو أن نطبق القانون مشروعيا، نطبق القانون، لكن في بعض الحالات تطبيق القانون قد يؤدي إلى مساواة جافة، وقد يؤدي إلى لاعدالة. علينا أن نصحح كذلك اختلالات القانون، أن نوضح غموض القانون، وأن نقلل من آثار التطبيق القاسي لبعض القواعد القانونية التي لا تنتج العدالة، لذلك الإنصاف مهم في الوساطة من ناحية الولوج ومن ناحية المساطر، والإنصاف المسطري معناه أننا نيسر الولوج إلى المؤسسة، وهناك عدد واسع من آليات الإيداع، إما مباشرة عبر المندوبيات الجهوية، وإما في الإدارة المركزية، وإما عن طريق البوابة الإلكترونية «تظلم»، وإما عن طريق الإيميل، وإما عن طريق الرسالة، وإما عن طريق شكاية شفوية تحول في مكاتب الاستقبال إلى تظلم مكتوب. المهم أننا نحاول أن نبسط ما أمكن من آليات الولوج، إذن هي آليات بسيطة، قريبة، ومجانية، ثم ليس فيها تعقيد مسطري، ليس لدينا تعقيد على مستوى قبول الملفات، لذلك هناك ملفات انطلقت من رسالة على «واتساب»، وكان مآلها في النهاية قرارات للتسوية. لابد أن أقول إننا لسنا راضين تماما لأن الوساطة مبنية على القرب، والقرب هو أولا قرب ترابي. وتحدثتم في سؤالكم عن المناطق النائية، وما نلاحظه أن الرقمنة اليوم قد تبدو كحل لتصحيح الاختلالات المجالية، الفكرة التي تأتينا أولا هو أن الولوج الرقمي سيقهر متغير المسافة بمعرفة أن مواطنا في مكان بعيد، في منطقة نائية أو منطقة جبلية، يمكنه أن يلج إلى المؤسسة رقميا. ما نلاحظه من أرقام لا يثبت هذه الفرضية المتفائلة، ما نلاحظه من أرقام هو أن الولوج الرقمي للمؤسسة قاصر بشكل مفارق على الناس الذين يوجدون في محيط المدن الكبرى، وبالتالي نطرح دائما هذا السؤال، إن الرقمنة لا تصحح بطريقة آلية الاختلالات المجالية، لا توجد حتمية تكنولوجية في ما يتعلق بالعدالة.
7: هل تساهم الرقمنة بشكل مباشر في تحسين جودة هذه الشكايات، وفي تقريب المجالات البعيدة؟
لا، أعتقد أنها لا تساهم بالشكل المطلوب في ذلك، لأن الناس الذين يوجدون في مجالات بعيدة، وربما ينتمون إلى فئات اجتماعية هشة، ليس لديهم استئناس بهذه العوالم الرقمية، لذلك فإن الولوج الرقمي لا يصحح اختلالات المجال، بل تظل الاختلالات المجالية حاضرة، لذلك لابد للآليات التقليدية أن تكون حاضرة، ومن ضمنها أن نحرص على توسيع شبكات المندوبيات الجهوية. نحن اليوم، في هذه السنة، أطلقنا خطة لتعميم المندوبيات على الأقل في كل الجهات، لذلك سنغطي جهة الرشيدية - تافيلالت، وهي جهة واسعة كبيرة ومهمة، وستكون لدينا فيها تمثيلية، مثلما ستكون لدينا في جهة كلميم-واد نون. هذا التعميم مهم، لأن الوساطة مبنية على القرب، والقرب هو القرب الترابي والجغرافي. طبعا يجب أن نقوم بحملات تحسيس، وتطوير الآليات الرقمية، ولكن يجب أن يكون لدينا نظام رقمي كافٍ، هذا يعني أن الناس سيعرفون أنه يكون لديهم ولوج سهل. كلما كان بإمكاننا أن نقترب من المواطنين يجب ألا نتردد. تحدثنا عن «أي - تظلم»، واليوم يمكن أن يكون هناك إيداع من طرف المواطنين في منطقة بعيدة، ويمكن الإيداع وتتبع جميع مراحل الشكاية، والتواصل في حينها حول كل مراحل ومساطر تتبع وتدبير الشكاية والتظلم.
8: ما هي الجهود التي تبذلها المؤسسة لتعزيز ثقة المواطنين في الإدارة؟
وما هي الصعوبات والتحديات التي تواجهونها؟ هذا الدور مرتبط بتعزيز الثقة. الفكرة التي نحملها كمؤسسة هي قيمة العدالة وقيمة الإنصاف وقيمة خدمة المواطن وخدمة الحكامة المرفقية والقرب. كل هذه القيم تقتضي ثقة المواطنين، وثقة المواطنين هي الرأسمال الأساسي الذي توجد من خلاله المؤسسات، لأنها محددة بقانون أو محددة بمرسوم، ولكن توجد لأن الناس يثقون في وظيفتها. لذلك وجودنا يرتبط بثقة المواطنين وهي الرأسمال الأساسي للمؤسسات. ومثل مؤسستنا تشتغل على تتبع وتطوير وتثمين الثقة بين المواطنين والإدارة. هناك معادلة ثلاثية بين المؤسسة، المواطن، والإدارة، ولكي ننجح، يجب أن ننجح مع الإدارة. فنحن ننجح دائما عندما ننتج قرارات للتسوية، عندما ننتج حلولا ودية، فلا يجب أن يكون النجاح لنا وحدنا، بل يجب أن يكون نجاحا لنا ولإدارتنا. لكي نعزز ثقة المواطنين في الإدارة، يجب أن نعزز كذلك ثقة الإدارة في مؤسسة الوسيط، ويجب أن ننتج مناخ ثقة للإدارة، تشعر فيه بأن الوسيط مؤسسة دستورية وطنية لحماية المرتفق، لكن هذا لا يعني أنها محام للمرتفق والمواطن ضد الإدارة بشكل مطلق. بالعكس، هي تحاول أن توجد على قاعدة حماية القانون، وليست بالضرورة ضد الإدارة، فالإدارة يجب أن تكون في صف المشروعية وفي صف العدل وفي صف الإنصاف وفي النهاية.
9: ما هي الأوراش التي تعمل عليها المؤسسة لتحسين الحكامة المرفقية؟
هناك عدد كبير من الأوراش، يمكن أن نعطي بعض العناوين. العنوان الأول هو المخطط الاستراتيجي، سنطلق قريبا مخططا استراتيجيا للمؤسسة يمتد من عام 2026 إلى عام 2030. هذا المخطط الاستراتيجي ينبني على تراكم المؤسسة. وخلال هذه السنة، التي نسميها سنة الحكامة المرفقية أو سنة الوساطة المرفقية، لأنها تصادف ربع قرن على التأسيس، وتتوج بالموافقة المولوية السامية على تخصيص يوم التاسع من دجنبر (الذي يصادف تأسيس ديوان المظالم سنة 2001) كيوم وطني للوساطة المرفقية. وهذا نعتبره تشريفا وتكليفا، وتثمينا واعترافا بمجهود هذه المؤسسة. هذا المخطط الاستراتيجي فيه الكثير من المحاور، أهمها هو أننا نريد أن ننتقل من منظومة الحماية إلى منظومة الحماية زائد منظومة الحكامة. نريد أن ننتقل من الحماية إلى الحماية والحكامة. بمعنى أن نكون في الوقت نفسه رهن إشارة المرتفقين والمتظلمين في تدبير ملفاتهم ونزاعاتهم وشكايات تظلماتهم، وأن نكون كذلك في مستوى انتظارات المجتمع والدولة والسلطات باعتبارنا قوة اقتراحية، ومؤسسة من مؤسسات الوطن المستقلة ومن هيئات الحكامة. إذن، هذا تحول استراتيجي مهم يقتضي مواكبة وحضوراً أكبر في الحوار العمومي، وفي الاقتراح والنقاش حول الحكامة. النقطة الثانية هي الاهتمام بوظيفة أساسية من وظائف المؤسسة، وهي وظيفة تنمية التواصل ما بين الإدارة والمواطن. وهنا لابد أن نقول كلمتين، أولا، هناك عجز كبير في تواصل الإدارات مع المواطنين. وجلالة الملك في خطابه في افتتاح السنة البرلمانية الحالية أشار بقوة إلى أن هناك برامج وسياسات ومشاريع لا يتم تعريف المواطنين بها. نحن خلال هذه السنة مثلا قدمنا برنامجا وطنيا، وهو «منتديات الحكامة المرفقية».
10: ما هي فكرة منتديات الحكامة المرفقية؟
الفكرة هي خلق فضاءات للحوار ما بين المرتفقين وما بين الإدارة. كلنا عشنا تعبيرات شبابية واجتماعية كان جزء من مطالبها هو الحكامة في قطاع الصحة. كلنا عشنا أجواء كان فيها إشكال قطاع الصحة على رأس أولويات الدولة والمجتمع. ما التقطناه نحن كمؤسسة حكامة هو أن هناك حاجة للحوار وللإنصات، ولتبادل الرؤى والحجج لإعادة بناء الثقة ما بين المرتفقين وما بين مسؤولي المرافق الصحية ومدبري السياسات الصحية. لذلك قلنا إن هذا البرنامج الطموح والمتواضع في الوقت نفسه، سينجح إذا نجح في أن يجمع في فرعية بعيدة عشرين مواطنا من قرية أو من دوار مع مسؤول يدبر قطاع الصحة بالإقليم، بحضور جمعيات وفاعلين من المجتمع المدني للحديث حول هذا الموضوع. إن هناك مشكلة اسمها الحكامة الصحية، وما تقوم به بلادنا في مشاريعها المهيكلة هو محاولة للإجابة عن هذا السؤال، وجزء من الأجوبة التي نقترحها هو أن يكون هناك حوار وتواصل في هذا الموضوع. لذلك نظمنا عددا كبيرا من الأنشطة، بعضها كانت منتديات إقليمية، وبعضها منتديات جهوية، وبعضها جلسات استماع، وبعضها كانت مبادرات لجمعيات تطوعت للاشتغال داخل هذا الورش ولفتح النقاش. وتجاوبنا مع الكثير من الطاقات من الأطباء، والمهنيين، والصحافيين، والجامعيين الذين ساهموا في هذا الورش. وهو ورش يدخل في صميم صلاحية المؤسسة باعتبارها معنية بتنمية التواصل ما بين الإدارة وما بين المواطنين. وهذا سنشتغل عليه خلال الولايات الحالية، وعلى موضوع المساواة. لذلك أطلقنا قبل ستة أشهر برنامجاً أسميناه برنامج «نحو إدارة المساواة». هذا البرنامج هو لحظة للتفكير في الولوج المتساوي ما بين الرجال والنساء للإدارة. ما لاحظناه من خلال الشكايات والتظلمات التي تأتينا أن هناك العديد من التظلمات التي تهم ولوجا غير متساو للنساء للإدارة والخدمة العمومية. قلنا إن هذا ورش مجتمعي يرتبط فيه القانون بالثقافة، وبالممارسات الاجتماعية، وبالذهنيات. لذلك لا نحتاج أن ندبره بطريقة إدارية، ولا نحتاج أن نقدم لائحة للسيد رئيس الحكومة فيها الاختلالات التي رصدناها على مستوى المراسيم وعلى مستوى التشريع. الأمر يتعلق بالبحث عن حالة تعبئة من أجل خدمة قضية المساواة الإدارية. لذلك قلنا إن المقاربة يجب أن تختلف، يجب أن تكون مقاربة للترافع المدني والمؤسساتي والجامعي، وضمنها ثلاث ورشات كبرى: ورشة للمجتمع المدني، وورشة للجامعيين، ثم ورشة للمؤسسات الوطنية والوزارات والقطاعات المعنية. وكل مخرجات هذا التفكير وهذه اللحظة العمومية كانت هي الاقتراحات الموجهة من أجل: أولا: تحديد وضبط ما نسميه بـ «جيوب اللامساواة»، وهي جيوب طويلة وممتدة في تشريعنا الوطني، وفي المراسيم، وفي تنظيم العلاقة ما بين النساء وما بين الإدارة. هناك مناطق معتمة ومظلمة نتمنى أن نكون قد سلطنا الضوء عليها. في النهاية اعتبرنا بأن هذا البرنامج لا يمكن أن يكون برنامجا عابرا، واعتبرناه سيشكل أحد محاور عملنا، لذلك فبرنامج «نحو إدارة المساواة» سيستمر بصيغ جديدة ومبتكرة. الفكرة هي أن نحول المؤسسة إلى مؤسسة مرجعية وإلى صوت تنبيه في مجال المس بالمساواة ما بين الرجل والمرأة في العلاقة بالإدارة.
11: ماهي قراءتكم كمؤسسة وسيط المملكة لدينامية الاحتجاجات. هل كانت هناك حاجة للحوار والترافع؟
لأن البعض يرى فيها تعطيلا لآلية الوساطة. ما رأيكم؟يمكن أن نجيب بالملاحظات التي حصلنا عليها عندما بدأنا التقارير. أريد أن أتحدث عن حالتين، أريد أن أتحدث عن إشكاليات طلبة كليات الطب والصيدلة، قدمنا في التقرير الأخير قراءة في هذه اللحظة. لماذا؟ لأننا اعتبرنا أن هذه اللحظة تحتاج إلى تثمين، وهي مهمة، وتحتاج إلى أن نعتبرها جزءا من الممارسات الفضلى في بلادنا وفي مسار تجربة الوساطة المرفقية. ثانيا، لأن هناك دروسا ومنها ما يشكل تفاعلا مع سؤالك المهم. من هذه الدروس هو أنه اليوم مع التطورات الاجتماعية، ومع تطور تقاليد الاحتجاج الاجتماعي، ومع التحولات التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي في بناء القضايا وفي التشبيك وفي التعبئة، يمكن أن ننتقل بسهولة وبيسر من توتر مرفقي ومن اختلالات مرفقية تكون بسيطة ويمكن أن تعالج بالتواصل، بالتدبير الاستباقي، بالإنصات، وبالتجاوب الإداري اللحظي، لتصبح اختلالات ثم توترات مرفقية ثم توترات اجتماعية منهكة لكل الجسم الوطني. عدد كبير من المغاربة كانوا مهتمين بطريقة مباشرة وغير مباشرة بتعطل الدراسة خلال هذه السنة، وكان لذلك وقع على الأسر، وعلى الطلبة، وعلى مضمون الشهادة، وعلى مصداقية التعليم في بلدنا، إذن هذه كانت كلفة نقول إنه كان يجب أن تدبر بطريقة استباقية، وبطريقة فيها اهتمام بهذه الدينامية. والمدبر العمومي اليوم يعلم أن العلاقة ما بين المواطن والإدارة يمكن أن تتوتر بين الفينة والأخرى، ويمكن لهذه التوترات أن تصبح توترات اجتماعية مكلفة تتجاوز دائرة العلاقة بين المواطن والإدارة. من الأشياء التي قلناها وفكرنا فيها: يجب أن نؤمن «منظومة وطنية للوساطة»، يعني ألا تبقى الوساطة محصورة في مؤسسة واحدة مهتمة بتدبير النزاعات الإدارية، بل تتيح لنا إمكانية لولوج الجمعيات والمجتمع المدني والفاعلين للمساهمة في تدبير النزاعات الاجتماعية. لأنه في ملف الطب، سأعود إليه لأنه مهم في الإضاءات على السؤال، لاحظنا بأنه كانت هناك هشاشة في الوساطات المدنية والاجتماعية. كانت هناك مبادرات مشكورة ومحمودة ولكن لم تكن لها قوة، ولم تكن في الوقت المناسب لتوقف النزاع الاجتماعي. لذلك دعونا ونظمنا مائدة مستديرة حول الوساطة المؤسساتية والوساطة المدنية، والتي من خلالها يجب أن نلتقي ونفكر في إطلاق برنامج وطني لمواكبة الجمعيات ولتأهيلها ولتدريبها ولمرافقتها في مهام تدبير النزاعات الاجتماعية داخل مناطق القرب الاجتماعي. الجانب الثاني، قلنا إن مؤسسات مثل الجامعات يجب أن تكون فيها أنظمة للوساطة الداخلية وللوساطة المرفقية والقطاعية. ومن حسن الحظ، فإن وزارة التعليم العالي تجاوبت بطريقة ما مع ما نفكر فيه، وفي القانون الجديد للتعليم العالي هناك ضرورة لخلق أنوية للوساطة وللتوجيه داخل الفضاءات الجامعية. وللتوضيح اليوم سنذهب إلى مشروع للجامعات التي تضم 50,000 أو 60,000 طالب. يمكن تصور أنه اليوم توجد جامعات فيها أكثر من 100,000، وفضاءات فيها 20,000 شاب وطالب، يملكون رؤية للمواطنة، ويحدث لديهم انفجار في الطلب الاجتماعي للمواطنة، وهناك احتكاك مع الإدارة. يمكن تصور عدد المشاكل التي يمكن توقعها داخل هذا الفضاء، ولكن لا يمكن أن نتصور أنه داخل هذه الفضاءات لا توجد بنية للوساطة الداخلية. نشعر أن وزارة التعليم العالي انتبهت إلى هذا الأمر، وهي بصدد تحيين شبكة وساطة جامعية، وسننظم لقاء مع وزارة التعليم العالي في هذا الموضوع. هذا مثال فقط، ويمكن أن نذهب به إلى مجال آخر، مثل الوساطة الطبية. من الأشياء ومن الاقتراحات التي قدمنا لرئيس الحكومة خلال هذه السنة هي إحداث منظومة للوساطة الطبية. هذا يمكن تلمسه كلحظة أولى من خلال اللقاء في منتدى الحكامة المرفقية. إن سؤال التواصل داخل المستشفيات مهم، وبداية التوتر قد تكون من لحظة ولوج المريض أو المرتفق أو المواطن إلى بوابة المستشفى. إذن هناك مشكلة للتواصل، للحكامة، وللولوج. جزء من الجواب الذي نقدمه كمؤسسة هو أن هذه المستشفيات الكبيرة والمضخمة بكل اللوجيستيك وبكل الإمكانيات البشرية والتقنية، يجب أن تحتضن فضاء للوساطة لتدبير النزاعات اليومية. لذلك نقول إن مهمتنا ستنجح إذا رأينا وسطاء في كل مكان وسطاء مدنيين ووسطاء إداريين ومرفقيين، وهناك سيكون لدينا منظومة للوساطة التي هي من الأجوبة الأساسية اليوم على مجتمعات تعيش تحولا وفيها توتر. هناك مجال للحرية، هناك تقاليد للاحتجاج، هناك اختلاف في المصالح الفئوية، الجيلية، المجالية، والقطاعية. كيف سندبر هذه المصالح المتناقضة وهذا الطلب على الجودة وعلى السياسات وعلى الخدمات؟ يجب أن نوفر مؤسساتيا ومدنيا ومجتمعيا وقطاعيا آليات لاستيعاب هذا الطلب ولتدبيره بشكل يومي وبشكل فعال. وهذا جزء أعتقد من الترافع الذي نقدمه، وهي أمور قد تتجاوز طاقتنا وصلاحيتنا ومهامنا، ولكن جزءا من وظيفتنا أن ننبه إلى هذه المسالك لتدبير هذا الموضوع الذي هو بالنسبة لي موضوع بنيوي اليوم. لا يمكن أن نقول إنه بعد غد أو السنة المقبلة لن يبقى لدينا احتجاج. هذه ظاهرة أصبحت اليوم جزءا من دورة السياسات. المدبر العمومي ينتج قرارا وينتج سياسة، وعليه أن يتصور وأن ينتظر بأنه يمكن أن تكون هناك تعبيرات رافضة أو تثير قلقاً مجتمعياً بمناسبة تشريعات مثلاً نعيشها اليوم. هذه الأمور اليوم علينا أن نستأنسها بشكل جماعي للتدرب على تدبيرها وفق هذا المعطى الجديد.

12: هل سيتم إيجاد هذه المساطر في جميع المؤسسات لتعزيز دور المؤسسات أو للتخفيف من التظلمات أو الشكايات التي تحصل عليها هذه المنظومة؟
هذه المنظومة تحدثت فيها عن بنيات مستقلة داخل الإدارات لديها علاقة مؤسساتية بمؤسسة الوسيط. ولكنها جزء من هذا النظام الوطني الذي يجب أن يجيب عن تدبير هذه الحالة التي نعيشها بالطلب الاجتماعي للإمكانيات، والانتقال السريع من التوترات المرفقية إلى التوترات المجتمعية. أتصور أن هذا أحد الأوراش التي طرحنا النقاش فيها على الأقل داخل قطاعين اجتماعيين مهمين لديهما خصوصيات، هما الجامعات والمستشفيات. ونتصور أنه يمكن أن نفكر كذلك في قطاعات أخرى لتكون لدينا بنيات للوساطة لتدبير هذا الضغط الاجتماعي الذي يخلقه الاحتكاك اليومي مع المواطنين.
13: أعلنتم سابقا أن المخاطب الدائم هو شريك في النتائج. كيف يمكن أن يكون هذا المخاطب الدائم شريكا؟
وماذا تقترحون كمؤسسة للوساطة في هذا المجال؟ قضية المخاطب الدائم، القانون ينص على أن كل وزارة، وكل قطاع، وكل مؤسسة عمومية تعين مخاطبا دائما لها لدى مؤسسة الوسيط. في الغالب، مثل المستشفيات والوزارات، يكون بينهم المفتش العام. هذا المخاطب لديه دور أساسي ودور قانوني، وهو جزء من منظومة الوساطة، لأنه صلة وصل ما بين المؤسسة والوزارة. القانون يعطيه وظيفة تجرده من كونه مجرد مسؤول إداري، ليصبح مسؤولا داخل هذه المنظومة وجزءا من بنية الوساطة. هذا المخاطب مثلا هو الذي يدبر تحرير وإعداد تقرير سنوي يقدمه كل قطاع حكومي لمؤسسة الوسيط، والذي فيه جرد بالشكايات وبالاختلالات المرصودة، وبالاقتراحات المقدمة من أجل تحسين المساطر وتيسير ولوج المرتفقين للخدمات المرفقية. إذن هذا دور مهم. المقاربة التي نعتمد هي أننا مررنا من لحظة بروتوكولية كان يتم فيها استدعاء المخاطبين لتقديم تقرير، إلى لحظة اعتبرنا بأنه يجب أن تكون وحدة للتواصل المستمر مع المخاطبين. لذلك كانت عندنا ورشة مهمة تأسست مثلا حول صياغة التقارير: كيف يمكن أن نصوغ تقريرا نموذجيا للمخاطب؟ ما هي العناصر التي يجب أن يتضمنها؟ وكيف يمكن أن يكون هذا التقرير مساهما في إغناء التقرير السنوي الذي يقدمه وسيط المملكة إلى صاحب الجلالة قبل متم شهر يونيو من كل سنة؟ إذن العمل هو عمل متواصل. ونشتغل على ورشة مقبلة تتعلق بالتواصل. كيف يمكن للمخاطب الدائم أن ينمي التواصل ما بين الإدارة وما بين المواطنين؟ أعتقد بأن هذه حلقة مهمة وأساسية، أصدرنا ضمنها منشورات للمؤسسة (كتيبا ومذكرة) حول تصورنا لمؤسسة المخاطب الدائم وحول سبل تفعيل التواصل الدائم معها. جزء من نجاحنا في التسويات دائما، في جلسات البحث وفي الاجتماعات، يرتبط بحرص وجدية والتزام المخاطب الدائم.
14: ما رأيكم اليوم في الشكايات التي تتوصل بها المؤسسة؟ كيف ترون حجم القضايا والاختلالات التي ترصدها وسائل الإعلام وحتى تقنيات التواصل الاجتماعي؟
جواب قاطع، مثلا جاءت 8 آلاف شكاية أو 9 آلاف شكاية. من بين 9 آلاف شكاية، ممكن نقول إن التي تدخل في الاختصاص هي 6 آلاف أو 7 آلاف. هل هذا يعني أن مشاكل المواطنين المغاربة مع الإدارة هي فقط 7 آلاف في السنة؟ لا أعتقد. المنهجية المطبقة في هذا المجال ـ وهو ما كان يردده دائما الوسيط السابق الأستاذ محمد بنعليلو ـ هو أن هذه الشكايات هي مجرد عينة عما يقع. فالقانون يتحدث عن رصد الاختلالات من الشكايات المقدمة. نحن نعتبر أن لدينا عينة، وهذه العينة هي عينة تمثيلية عموما تحمل الجينات. عينة 8 آلاف شكاية، إذا جاءت فيها ألفان من قطاع معين، ولم نجد شكايات في قطاعات أخرى، فهذا لا يعني بالضرورة أنه لا توجد مشكلة في ذلك القطاع الآخر. إذن هذه أرقام لديها دلالة لكنها لا تعني كل الحقيقة. مثلا هناك منصات تابعة للوزارات قد تحقق أرقاما أكبر من هذا. إذن هي فقط مؤشر وفقط عينة تمثيلية. ما هي الغاية منها؟ الغاية منها هو أن نحاول تدبيرها في أفق التسوية، وفي أفق إحقاق الحق وإقرار العدالة وإقرار الإنصاف. ثم ثانيا، أن نستخلص منها الاختلالات البنيوية. دورنا هو أن ننطلق من الحالة الفردية المعزولة والذاتية الخاصة لنلتقي بالعام، أي أن ننتقل من الخاص إلى العام. ونقول إن وجود نمط من هذه الشكايات يعني أن هناك اختلالا في المسطرة، في التطبيق، في الآجال، في الاستقبال، أو في الحكامة، وأن نقدم ما يجيب عن هذا الاختلال العام في صيغة قوة اقتراح وهيئة حكامة عن طريق ما يخوله لنا القانون من صلاحيات.
15: هل أنتم راضون عن أسلوب معالجة التظلمات في المؤسسة، أو أن هناك نموذجا جديدا؟
لا، طبعا غير راض، لأنه في التقرير السنوي الذي نقدمه، اعتبرنا أنه يجب أن يكون لدينا طموح لبناء مؤشر وطني للوساطة يجب أن يستند إلى ثلاثة مؤشرات فرعية: المؤشر الأول هو «الطلب على الوساطة»، من هو طالب الوساطة؟ كيف يودع شكايته؟ ما هي القطاعات المتضرر منها؟ وما هي الحقوق المشتكى منها؟ هذه كلها أمور مهمة وأساسية في معرفة سوسيولوجية المشتكي والمتظلم المغربي. المؤشر الثاني هو «تفاعل الوساطة» (أو تفاعل المؤسسة)، والمؤشر الثالث هو «تجاوب الإدارة»، كيف تتفاعل الإدارة مع مقترحاتنا ومع توصياتنا ومع معالجتنا للتظلمات؟ في ما يخص تفاعل المؤسسة، لدينا شبكة تقييم ذاتي لأدائنا ومردوديتنا: كم عدد التظلمات التي نعالج كل سنة؟ كم عدد القرارات التي نصدر؟ كم عدد الرسائل التي نبعث للمتظلمين والإدارات؟ ما هو زمن معالجة الشكاية؟ وما هو زمن تنفيذ التوصية؟ هذه كلها شبكة تقييم ذاتي وتقييم للأداء والمردودية. وعندما نراجع هذه الأرقام، نجد بأنها في كثير من الحالات دون المستوى المطلوب. هناك مشكل يتعلق بالموارد البشرية وبالموارد المالية، وهناك مشكل يتعلق بحجم التظلمات المرتفع؛ فالتظلمات ترتفع ولكننا بقينا بنفس العدد من البنية البشرية التي تدبر. وهناك كذلك مشكل يتعلق بنمط التدبير وفلسفة المعالجة: هل نذهب في اتجاه المشروعية البحثة، والبحث عن المطابقة مع القانون، أم نبحث في اتجاه المطابقة مع روح القانون، مع روح العدالة ومع العدل والإنصاف؟ كل هذه الأمور هي جزء من الورش الذي نعمل عليه، وهو الورش الذي يهم عمق مهنتنا كمهنة للوساطة. لقد نظمنا في السنة الماضية المنتدى الوطني للوساطة المرفقية من أجل توحيد الأداء المهني وعملنا واجتهادنا. كما نظمنا في مدينة مراكش أشغال المنتدى الوطني الثاني للوساطة المؤسساتية. وموضوعه الأساسي هو «كيف نتعامل مع التظلمات وما هو زمن المعالجة». تصلني في كثير من الحالات شكايات لأن ملفات يكون فيها تأخر أو بعض المشاكل ولا تكون معالجتها آنية، إذن نحاول ونفخر بتطوير أدائنا الداخلي للنهوض بهذه المهمة الأساسية المنوطة بنا. نعم مؤكد، لأنه خلال هذا اللقاء المقبل سنحاول أن نناقش دليلا للمساطر ودليلا لمسار معالجة التظلم منذ لحظة وضعه داخل المنظومة يدويا إلى إنتاج القرار. ما هي الاختلالات الموجودة في هذا المسار؟ وما هي مسؤولية كل طرف من الفرز إلى التكييف، إلى الدراسة، إلى إنتاج القرار، إلى تبليغ التواصل مع المرتفق، والتواصل مع الإدارة إلى تدبير الاجتماعات؟ كل هذه المساطر ستكون تحت أنظارنا وتحت مجهرنا لمدة يومين لتدبير الاختلالات ولمعالجتها، ولتحسين الآجال الاسترشادية وطريقة الأداء ومنطق التفاعل ومنطق صياغة القرارات.
16: ما هي رسالتكم للمواطنين الذين يريدون أن يستفيدوا من خدمات مؤسسة الوسيط وما زالوا مترددين؟
رسالتي لهم هي أنهم لن يخسروا إلا ترددهم. على كل حال أبواب المؤسسة مفتوحة، نجتهد ونحاول مع الإدارة، والنتائج مرضية عموما. إن عدد ما نحصل عليه سنويا من تسويات ومن قرارات بالتسوية يعطينا الأمل في الاستمرار وتجويد الأداء.
تصوير: يونس الرهوني