تأملات العروي في القضايا الأساسية للفكر العربي الإسلامي

الإثنين 21 يوليوز 2008 - 12:27

يحار القارئ كيف يتعامل مع أحدث كتب المفكر المغربي عبد الله العروي، الذي يحمل عنوانا إشكاليا "السنة والإصلاح" والصادر عن المركز الثقافي العربي.

فصاحبه يتخذ لموضوعه قالبا سجاليا هو قالب الترسل، المعروف في الكتابة العربية القديمة، إذ يبتكر الحل الشكلي من أجل مناظرة واسعة بين مخاطب يملك الفهم والحقيقة، ومرسل إليه غير مكترث وغير فاهم للحقيقة التي يحملها المخاطب أو الكاتب.

لا يوضح عبد الله العروي أداة الترسل بين السائلة والمجيب، أو بين السائلة والمسؤول كما يسمي ذلك، غير أننا كقراء يمكننا استشفاف ذلك عن طريق الإشارات المنطوق بها في مقدمة الكتاب، والتي هي بكل تأكيد وسيط الشبكة العنكبوتية.

الحقيقة أنه قبل أن يحصل اللقاء الأنترنيتي بين المسؤول "عبد الله العروي" وبين السائلة، السيدة الأميركية، التي لا نعرف اسمها، لكن نعرف أنها امرأة مطلقة من رجل شرقي متخصصة في البيولوجيا البحرية، ولها ولد يقارب التاسعة، ووالدتها سيدة أجنبية.

ولا نعرف هل هذه السائلة من أصول عربية أم لا، ولكن الكاتب يقدم لنا إشارة عن اللقاء الأول حين يقول "تقولين إنك استمعت إلي مرة وأنا أحاضر في إحدى مؤسسات الشاطئ الشرقي من الولايات المتحدة الأميركية. تذكرت اسمي وبحثت عنه في الشبكة العنكبوتية، فعثرت على عنواني وقررت مراسلتي ".

يقدم الكتاب إذن من خلال أسلوب الترسل، وهو أسلوب عربي عريق كتبت به الرسائل العلمية والفكرية والسجالية والكلامية، وعولجت به أهم قضايا العصر وإشكالياته، ولقد كان هو الأسلوب العربي المفضل نظرا للإمكانات الخطابية والتخاطبية التي يوفرهما.

لم يحدثنا العروي مآل الحوار بينه وبين "امرأته" لأننا لا نسمع لها صوتا في الكتاب، ولا يكاد المؤلف يذكرها أو يشير إليها إلا في المقدمة التأطيرية وعدا ذلك في ثلاث، أو أربع مناسبات على وجه الدقة، وهي في كل الحالات المعدودة امرأة صامتة متلقية سلبية "جاهلة" أو "جاهلية"، لما يقوله العروي، وحين تقوى عليها المسائل والمشاكلات المعرفية، التي شغلت كل تاريخ الفكر العربي الإسلامي، يدعوها العروي إلى قراءة القرآن والتدبر فيه، فهو وحده الحافل بالإجابات عن كل الأسئلة المضمرة أوالمستعصية.

يكتب العروي: "نصحتك، مراسلتي الكريمة، بأن تهمي بقراءة كتابنا العزيز. لكنني لن أنتظر أن أعرف وقعه في نفسك لأطلعك على وقعه في نفسي أنا، مع الذكر أن كل "اعتراف" أو "عقيدة"، تتكلم عن الآخرين أكثر مما تتكلم عن القائل نفسه ، بل تختزل الزمن وترد على الأجداد".

في المقدمة أيضا، يحدث العروي سائلته عن حقيقة وهم الحوارات، التي تجري تحت يافطة حوار الحضارات ويرى أنها مجرد دعاوى لا أساس لها من الصحة، من خلال واقعة حقيقية جرت معه، عندما اقترح أحد أصدقاء المفكر اسمه على مؤسسة أميركية مهمتها ترسيخ السلم بين الشعوب وتشجيع تفاهم الثقافات، وتملك في جبال الألب الإيطالية قصرا فسيحا تستضيف فيه على مدى السنة وبالتناوب باحثين من مختلف الجنسيات والتخصصات، موفرة كل ما يحتاجون إليه خلال فترة البحث، ومتيحة لهم جميع الوسائل، مؤمنة لهم كل أسباب الراحة.

وكانت فكرة العروي أن يذهب إلى هناك، وأن ينفرد خلال ستة أشهر، وهي المدة، التي تمنحها المؤسسة الأميركية للباحثين، مرفوقا بكتاب واحد هو القرآن الكريم، مستغنيا عن كل الوسائط من شراح ومفسرين ومؤولين، وذلك كما يقول العروي: "حتى أعرف بالضبط ماذا يبعث ذلك الكتاب في نفسي أنا، في وضعيتي الحالية، في سني الحالية، بثقافتي والتجربة، التي مررت بها".

ورفضت المؤسسة الأميركية، اقتراح العروي، لأن الأمر كان يتعلق بكتاب له حساسية خاصة عند الغرب، وهذا الكتاب هو القرآن الكريم، وهو الأمر، الذي يبين انغلاق الفكر الغربي وفساد أطروحاته المتعلقة بكل أشكال الحوارات، التي يدعو إليها.

وفي سياق حديثه إلى "سيدته الكريمة" كما يصفها العروي، يحثها على القيام بالتجربة، التي منع هو من القيام بها، لا لسبب، ولكن لأنها العربية الأصل، التي حافظت على جذور والدها رغم من أن والدتها أجنبية، وورثت هذه الجذور لابنها.

إن النصح بقراءة القرآن، حتى وإن كان الأمر بلغات أخرى غير اللسان العربي المبين، هو طريق في نظر العروي إلى الطمأنينة، وإلى اكتشاف العالم الروحاني والفيض الرباني.
ولامرأة عالمة مثل"سيدته الكريمة" التي تقضي أكثر من نصف السنة على ظهر سفينة مختبر تجري فحوصا وتجارب دقيقة في عمق المحيط الهادي، ستكون قراءة القرآن ذات معنى خاص بالنسبة لمن يجد نفسه على طوف ماء في حيرة من الأمر، مهددا دوما بأسئلة الوجود الكبرى.

بعد هذا التقديم، الذي يضع الإطار العام للكتاب، يدخل العروي مباشرة في مناقشة القضايا الخلافية، متناسيا "سيدته"، تلك القضايا، التي شكلت محاور الفكر العربي الإسلامي وفلسفته منذ بداية الرسالة المحمدية وإلى الآن. وهي مسائل حديثة قديمة، مطروحة في كل زمان ومكان، ليكون الإطار الجامع للكتاب هو عنوان الغلاف "السنة والإصلاح" إذ يبدو الكتاب جملة وتفصيلا خارج المشروع الفكري للعروي.

يشار إلى فهم كتاب المفكر عبد الله العروي "السنة والإصلاح" باعتباره كتابا سجاليا، يعكس منظور صاحبه إلى قضايا الإسلام في علاقته مع الديانات التوحيدية الأخرى، ويعود فيه للتأمل في طبيعة الرسالة المحمدية وفي مجتمع مكة، وقسوة الانتقال من حالة الجاهلية إلى حالة الإسلام بالنسبة إلى الكثير من العائلات المكية ومن الجماعة المكونة لقريش. وفي الكتاب نجد أيضا خطابا عن العلم وعن الفلسفة وعن علم الكلام، يقول العروي "الفيلسوف يتساءل: لماذا الوجود وليس العدم؟ والمتكلم يقرر: الأمر إما ممكن وإما ضروري. يقال لنا "هذا تقرير وذاك سؤال، الفارق الأساس في الصيغة".

أما بصدد العلم فيقول: "وماذا عن العلم؟ هناك علم العلميين وهناك علم الهواة المتطفلين. ما أكثر من يحاضر عن العلم دون أن يمارسه فينسب إليه وحدة في المنهج وفي الهدف لا يقرهم عليها أصحاب الشأن".

وعن الفيلسوف، وهي الصفة التي ينفي العروي أن يكونها، يقول: "الفيلسوف فيلسوف لا بفكره أو موقفه أو أسلوبه فقط، بل بالمجتمع الذي يحيط به والزمن الذي يعيش فيه. والأمر صحيح بالنسبة إلى المتكلم، بينهما أكثر من تماثل إذ أن دورهما واحد.

وكان أن انتهى العروي إلى الحل: الإفادة من الفريقين والتمتع بهما دون الانحياز لا لهذا الفريق ولا لذاك، يقول: "هذا ما رسب في خاطري منذ أن بدأت أطالع كتب الفريقين.

تمتعت بالجميع وأفدت من الجميع دون أن أنحاز لأي واحد منهم، مشددا على المسائل والأدلة، متغافلا عن النتائج والخلاصات". ولأن العلم التجريبي أو العلم الحديث لم يحقق أمل الإنسانية، أو أن ذلك حدث في حدود ضيقة، كما يؤكد على ذلك العروي، فإن هذا العجز النسبي للعلم "يبقي على وجود الفلسفة، ينعش الثيولوجيا ويحيي الميثولوجيا بواسطة الفن والشعر".

يتوسل العروي في كتابه "الإصلاح والسنة" بالأسلوب الشذري، الذي يصل إلى درجة من النقاء كبيرة، ويتشكل مثل جديلة ضوء تمضي توا، إلى مضانها دون أن تتوه على الطريق، الذي تريده، إنه يملك حس الفلاسفة، حتى وإن كان ينكر على نفسه أنه فيلسوف، ويستحوذ على صنيع الشعراء وبلاغتهم، حتى وإن كان ينأى بنفسه عن لغة الشعر وعوالمه، جامعا في شبه مستحيل المفكر بين الحس الصوفي والإشراقة العقلية، أو ما يمكن أن نسميه بضوء المعدن الصافي الملتهب والوقاد.

يمتلك العروي، تلك الإضاءة الوقادة وتأمل الفيلسوف أو لنقل المفكر، لنر كيف يقرأ التاريخ من منطلق الوقائع والسيرورة، يقول: "أيام إسكندر، وأيام يوليوس قيصر، خضع الشرق للغرب عسكريا وسياسيا، لكنه ساد عليه ذهنيا روحيا"، هذا هو الشرق الكبير، المعدي، اللافح بناره التي لا تخبو، نار الروح المسافرة الحيرانة من أعماق الجزيرة العربية إلى تخوم القارة الهندية.

وفي النهاية، فإن ما يحل كل الإشكالات المحيطة بالإنسان هو العلم الموضوعي: "فائدة العلم الموضوعي هي أنه يحل ما تعقده ذاكرتنا، يفكك ما تركبه، يذكرنا بالموازين والمقادير الصحيحة. فيمدد ما عملنا على اختزاله جيلا بعد جيل. يعيد كل شيء إلى موضعه: التاريخ المروي ضمن التاريخ الدارس المنسي، التاريخ البشري ضمن تاريخ الحياة، التاريخ ضمن الأنثربولوجيا، الأنثربولوجيا ضمن النورولوجيا. بذلك تنكشف لعبة الفكر".




تابعونا على فيسبوك