مثقفون ونقاد يحتفون بثلاثيته

مبارك ربيع يعود إلى درب السلطان

الثلاثاء 15 يوليوز 2008 - 11:23

احتضنت خزانة مرس السلطان, الموجود مفرها بشارع لامارتين, الجمعة رابع يوليوز 2008, ابتداء من السادسة مساء، لقاء حول "ثلاثية درب السلطان" للكاتب مبارك ربيع, بمشاركة النقاد:

شعيب حليفي، وبوشعيب الساوري, وعبد الطيف محفوظ، وبحضور الكاتب مبارك ربيع ونخبة من المثقفين والمتتبعين.

وترأس هذا اللقاء الإعلامي, السدجاري, الذي قدم للقاء بورقة تعريفية بالمبدع مبارك ربيع, وإنتاجاته الروائية والقصصية والأكاديمية, مبرزا مكانته الاعتبارية داخل الحقل الثقافي المغربي، ومركزا على أهمية الرواية المحتفى بها.

في البداية, تدخل عبد اللطيف محفوظ بقراءة في الجزء الأول من الثلاثية المعنون بـ "نور الطلبة"، إذ ركز على خصوصية الكتابة عن الأمكنة المرجعية، التي تقر الموسوعة بوجودها الفعلي، مبينا أن أهمية هذا الإرث العائد إلى عهد المدرسة الطبيعية، تتجلى من جهة، في تسجيله لمجمل الأشكال المادية المجسدة في العمران، والسلوكية المجسدة في أنساق التواصل الاجتماعي, التي غالبا ما تكون مهددة بالزوال نتيجة التحولات, التي يفرضها التطور الذي يشرط إرغاماته، ومن جهة ثانية في تأريخه التخييلي لمسار حيوات في مكان حصري، يمكنه أن يصبح نصا تاريخيا موازيا, يدعم أو يعارض ما يسجله المؤرخ, الذي لا يهتم عادة بما هو خاص وجزئي.

ثم انتقل إلى تسجيل بعض الملاحظات حول إمكانات تأثير فعل التحبيك في المعطى السردي السطحي، إذ يمكنه المكر بالحكاية المرجعية الموجهة، وخلق دلالات تتجاوز وهم واقعيتها لتخلق دلالات أكثر عمقا وجمالية, تصير بموجبها الأسطورة مرجعا بديلا لتمثل الدلالة، ومثل لذلك برموز النور والحية والبئر، في علاقتها بالألوان المنتقاة في الرواية بدقة محسوبة، وبمسارات الشخصيات في الأزقة والدروب، ملاحظا من خلال ذلك قدرة الرواية على تجاوز التعبير عن حياة ما, في حقبة ما, بحي ما, إلى التعبيرعن قضايا كلية وإنسانية.

وختم مداخلته بتقديم ملاحظات حول شكل السرد ونوعية السارد, وشكل توظيف الزمن وسجلات اللغة، مقرا أن أهم سمات هذه الرواية هي المقروئية, التي تساعد مختلف طبقات القراء من البسطاء إلى النقاد المتخصصين, على التواصل معها وفق قدراتهم التأويلية.

المداخلة الثانية قدمها شعيب حليفي, وتركزت حول الجزء الثاني "ظلال الأحباس"، ممهدا بملاحظتين فنيتين حول مبارك ربيع وهوية الرواية المغربية, قبل أن ينتقل للحديث عن الأبعاد الجمالية للثلاثية, وعناصرالتجديد, التي أتت بها, ليصل إلى تكثيف ما خلص إليه في دراسته للجزء الثاني. فَذكَر البناء اللولبي, الذي يرسم نصوصا تتوالد في خطوط ودوائر تتسع وتنمو كما تتجدد باستمرار. وهو ما يفضي إلى توالد حكايات متشدرة, ضمن مشاهد تلملم الحكي، وهو أسلوب مرتبط بتجديد الروائي للمرجع, إذ يسوق الحكي إلى خلق مرجع جديد من مراجع شتى, بجسور مع الواقعي والمحتمل, ومع المتخيل والوهمي, بصهر كل هذه المراجع ضمن تخييل خاص.

وختم شعيب حليفي ورقته, بالحديث عن مستويات السرد, والتقطيع, وتشكيل الصور, وكل العناصر التي ساهمت في تحقيق الجدة والمتعة.

أما المداخلة الثالثة, فقدمها بوشعيب الساوري, حول الجزء الثالث من الثلاثية "نزهة البلدية", مبرزا كيف تسلل مبارك ربيع إلى أهم معالم درب السلطان, انطلاقا من شخصياته وما يطرأ عليها من تحولات، بخلق أجواء من الفرجة والحضور البارز للعب, إذ يصير درب السلطان فضاء للفرجة، مع إضفاء طابع سحري على فضاءاته. وتفاعله مع أحداث مهمة تقع على مستوى الحي, حتى صارت أياما في ذاكرته، من خلال عدة شخصيات، التي ترتبط بوثاقة بالمكان، وتقدم نماذج إنسانية مختلفة لسكانه. وبين الساوري أيضا, أن سارد الرواية يقدم الشخصيات عبر مدخلين: الأول: ما تقوم به من أفعال سواء مباشرة, أو ما تشير إليه شخصيات أخرى أو تقدم عليه من تصرفات غريبة. الثاني: من خلال تأملاتها، وما يدور في دواخلها من استيهامات واسترجاعات، ناتجة عن أزمة داخلية تعيشها. كما أنه يمكن التمييز بين نوعين من الشخصيات في الرواية، شخصيات منذورة لنفس الأفعال والمسارات اليومية تعترضها تحولات مثيرة. والثانية مسجلة لتلك التحولات ومتفاعلة معها, بحيث إن بناء الشخصية يخضع لبنية الخطأ والتوبة.

بعد ذلك، أعطيت الكلمة للمحتفى به مبارك ربيع, الذي شكر في البداية الجهات المنظمة للقاء، هذا اللقاء الذي أكد اعتزازه به، واعتبره أهم لقاء يقام في المغرب حول ثلاثية درب السلطان، نظرا لأن أغلب المشاركين فيه من أبرز نقاد الأعمال السردية المغربية والعربية. ثم انتقل إلى روايته الثلاثية ليؤكد أنها كتبت في إطار الرغبة في إسداء الجميل لحي من أهم أحياء الدار البيضاء، الذي سبق له أن عاش فيه وخبر دروبه, وفضاءاته وأناسه، وتحدث أيضا عن حيرته حين كان يفكر في وضع عنوان الرواية، إذ تزاحمت في ذهنه الأحياء الفرعية لدرب سلطان، ليقع الاختيار أخيرا، بناء على استراتيجية دلالية فرضتها السياقات السردية, وما تحاول تجسيده من دلالات العناوين التالية المرتبطة بأحياء أساسية وتاريخية لدرب السلطان وهي: درب الطلبة, ودرب البلدية, والأحباس. وأنهى مداخلته بالتأكيد أنه من بين ما يدين به لدرب سلطان تعلمه فيه لفن الحكي بفضل السينما, وساحات الحكي التقليدي بكراج علال.

*أستاذ باحث




تابعونا على فيسبوك