أربع قراءات نقدية لـ أفول الليل امتزج فيها الأدبي بالقانوني

الأربعاء 09 يوليوز 2008 - 11:13

من حميد السنن وحسنها، انشغال مختبر السرديات بتنسيق مع نادي القلم المغربي والجمعية المغربية للكتبيين بالدار البيضاء، للقيام بأنشطة ثقافية مفتوحة على العموم وبفضاءات عمومية أسبوعية.

حول قضايا تهم الإنتاج عموما، الاجتماعي, والسياسي, والثقافي، مع الوعي بأن البحث العلمي هو مرتكز أساسي, وهدف مركزي لتقييم ومتابعة كل ما يتعلق بالإنتاج النقدي والإبداعي.

فلم يكد يمضي أسبوع واحد على الندوة العلمية, التي احتفى فيها بالأديبة الأردنية "نسمة النسور"، حتى عقدوا لقاء أدبيا وقانونيا مع الكاتب المغربي الطاهر محفوظي, حول مؤلفه (أفول الليل ، يوميات من سنوات الرصاص)، يوم السبت 05 يوليوز الجاري, بفضاء الحرية عين الشق الدار البيضاء، ابتداء من السادسة مساء.

ونظرا لما عرفته الساحة الثقافية المغربية في السنوات الأخيرة من ظهور نصوص أدبية, جعلت تجربة الاعتقال السياسي موضوعا لها، وقع الاختيار على نص يمثل تلك الكتابات ويعبر عنها، نص يقدم لنا فيه الطاهر محفوظي, تجربة الاعتقال كوثيقة مهمة وصادقة، خصه لتدوين سنوات الرصاص، واللحظات المريرة التي عاشها في مخافر الشرطة وزنزانات السجن، منزاحا بين الفينة والأخرى للحديث عن أيام طفولته في البادية مع عائلته...

ورغبة في مقاربة هذا الإبداع نقدا، قدمت،خلال هذا اللقاء، أربع قراءات نقدية، تمازج فيها الأدبي بالقانوني لباحثين متخصصين في المجالين، ونسق أشغال هذه الجلسة إدريس قصوري.

افتتح اللقاء بكلمة لرئيس مختبر السرديات, شعيب حليفي, الذي نوه بالكاتب وكتابه، مؤكدا أن اللقاء هو فاتحة خير لبرنامج مفتوح يزاوج بين الخطابات السياسية والأدبية، مشددا على أهمية الكتابات التي تحول المعاناة إلى كتابة إبداعية صادقة، معتبرا أن المغرب من البلدان الرائدة والسباقة في هذا المجال.

بناء الذاكرة

بعد ذلك تدخل مصطفى الناوي (محام بهئية الدار البيضاء) بورقة تحت عنوان: (قراءة قانونية في أفول الليل), ورامت هذه القراءة القانونية التركيز على الإشارات القانونية, انطلاقا من مقولات واردة في المؤلف، ليستنتج من خلالها غنى الكتاب بعدد هائل من الإشارات القانونية المقدمة في طابق دسم من السخرية اللاذعة.

وأظهر الباحث مصطفى الناوي, حسا أدبيا رفيعا حينما بين التشابه الكبير بين أسلوب المحتفى به و أسلوب ملك البيان "الجاحظ", إذ يمازجان معا بين السخرية والجد، وبين الواضح و الملتبس.

بعد ذلك تدخل الباحث سالم الفائدة, بورقة عنوانها (أفول الليل كتابة لمقاومة النسيان), وقسم مداخلته إلى تمهيد و محورين: الأول "من جمر السجن إلى جمر الكتابة", والثاني "مقاومة النسيان لماذا؟", وأشار في التمهيد إلى تنامي وتيرة ظهور أدب السجون بالمغرب، الساعي إلى كشف حقيقة ما جرى وراء الظلام، أما المحور الأول فقسمه بدوره إلى جزأين : "جمر السجن", تحدث فيه عن مفهوم السجن السياسي والخصائص المميزة له، وذلك من خلال تجربة الاعتقال المتناثرة في كتب المناضلين الذين ردوا بالكتابة على جلاديهم. ثم "جمر الكتابة", أكد فيه الباحث أن الكتابة عند محفوظي, ليست إلا خطابا ناتجا عن رغبة صادقة للتعبير عن ركام من الألم الجسدي المادي, والروحي المعنوي.

في المحور الثاني, أكد أن الهم الذي حرك الكثير من الأقلام السجنية هو الرغبة في الشهادة والتوثيق لفترة عصيبة من تاريخ المغرب. وخلص أن ذلك هو ما دفع الطاهر المحفوظي إلى الكتابة عن معاناته بأسلوب يمتزج فيه الجد بالهزل، بل يغدو الهزل جدا.

بعد ذلك قدم الباحث المصطفى ابن الرضي, ورقة عنونها بـ " كتابة البوح في انتظار "أفول الليل"، مؤكدا أن قراءة في يوميات محفوظي تنبئ أننا إزاء تجربة لم تصدر عن البيضاء، وأن مفاصل القول فيها مخبرة أنها ممتدة الجذور في تربة المشهد السياسي, والاجتماعي السائد حينه، حيث يتفاعل الذاتي الشخصي مع فعل الرفاق مع تاريخ النضال ضد الفساد والاستعباد. وذكر أن الانضباط لطبيعة السياق السجني لم يذهب حد إلغاء ما دونه، بل كانت منفتحة، وخاصة الاسترجاعات. ثم كتابة البوح عند محفوظي ما كان بالإمكان أن تكون كذلك لو انضبطت لجنس كتابة واحدة، بل قوتها أنها جاورت بين أجناس كتابية متعددة لتنتج بلاغة خاصة تفي بغرض البوح النازف، هذا التنوع يعبر بشكل جلي, عن حالة التوتر والتمزق الطارئ على الذات من الخارج، لأن فداحة الجرح تأبى إلا أن تفصح عن ذاتها بجميع طرائق الكتابة وألوانها، ثم لأن الألم الذي استدعى البوح, لم يكن ألم التعذيب فقط، بل يستشف من خلال اليوميات أن الكاتب ما زال يتألم لفشل تجربة اليسار المغربي في إنجاز "ثورته"، وكأن الليل لا يريد أفولا، واستنتج أن محفوظي, عندما يكتب عن الألم لا يعطل الخيال، بل يفسح المجال له للبوح بعمق الجرم المقترف والحقيقي نهايةً. إذن الكتابة عنده شكل من أشكال الخلاص ومنازلة لقوى الظلام على أرضية جديدة يظهر فيها الكاتب متمكنا ومسيطرا على المجريات، وهو من خلال الكتابة من يمارس التحقيق ويستنطق ويحرر المحاضر.

وخلص الباحث في مداخلته إلى أن كتابة البوح "تسلحت" في أكثر اللحظات حرجا بسخرية لاذعة، لعلها تريد أن تتجاوز سديمية الزنازن, وأقبية المعتقلات, وظلام الواقع، ولعلها سلاح للمواجهة, إذ يظهر الجلاد صارما باردا يقابله مجلود هادئ, نكاية فيه وحتى يقول له إن ليله إلى أفول، ولعلها ملاذ نفسي يدعم به الكاتب نفسه ورفاقه وللتخفيف من وطأة الحادث وثقله، مستشهدا بقول محفوظي:" كانت السخرية هي ما تبقى لنا من سلاح المقاومة مع الأنفة طبعا..."، منتهيا إلى قراءة في موقف محفوظي من دعوات المصالحة التي تنتفي فيها الحدود الدنيا للمصالحة الجدية، لأن الطرفين نقيضان تماما: جلاد ومجلود، نهار وليل لا يريد الأفول.

المداخلة الرابعة والأخيرة, جاءت بعنوان (سؤال الذات و التوثيق في أفول الليل) للباحث نبيل لهوير،حاول من خلالها إبراز أهمية (أدب السجون) في الساحة الثقافية الراهنة، محددا ثلاث وظائف رئيسية لهذا النوع الأدبي وهي: الوظيفة العلاجية المرتبطة بالذات المعتقلة, والوظيفة التوثيقية التاريخية، ثم الوظيفة الأدبية.

لم تخرج يوميات أفول الليل, عن تلك الوظائف الثلاث، وبناء عليه حاول الباحث تركيز مداخلته على حقيقة عيش الذات داخل السجن من جهة، ثم التوثيق الذي كونته هذه اليوميات عن تلك المرحلة العصيبة من جهة ثانية.

بعد هذا التمهيد، قسم مداخلته إلى محورين: عنون المحور الأول بأسئلة الذات، وفيه تتبع كل ما يتعلق بمراحل الذات المناضلة في الكتاب بداية من محكي التعذيب والمحاكمة ، مرورا بمحكي السجن ثم محكيات مستحضرة في الكتاب مثل: محكي القرية, ومحكي العائلة والطفولة، استراتيجية استطاع من خلالها الإحاطة بكل ما يتعلق بحقيقة عيش الذات داخل السجن و خارجه .

في المحور الثاني: سؤال التوثيق، سعى الباحث إلى إبراز الأهمية التوثيقية لمؤلف "أفول الليل"، فهو شهادة صادقة لمسيرة مناضل عانى ظلمة السجن و سوط التعذيب، ووثيقة تاريخية تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ المغرب, لأنه يحتضن بين دفتيه إشارات تساعد على تكوين نظرة شاملة عن الواقع المغربي آنئذ.

وانتهى الباحث إلى خلاصة مفادها, أن الكاتب اعتنى بجانب الذات المعتقلة, وحكي عن معاناتها في مختلف المراحل، كما ركز على الجانب التوثيقي التأريخي.

أنا ، ضد النسيان

وفي ختام اللقاء, تدخل الطاهر محفوظي بشهادة لم تخل هي كذلك من السخرية والطرفة، وجاءت قوية في حزم، صادقة في عزم، صارمة في جزم، لخصت أهم محطات الكتاب، لكن بنفس جديد تطغى فيه نغمة التفاؤل, والانتصار، مؤكدا أن الهدف من كتابة شهادته هو الانتصار للذاكرة ضد النسيان، وانتصارا للشهداء الذين لفَّهم النسيان والنكران، و الحق أن من كان هذا حاله فالجد منهجه, والحق مقصده والإصلاح أمنيته.
من هنا تأتي أهمية الكتابات, التي تجعل تجربة الاعتقال السياسي موضوعا لها, إذ تكشف عن حقائق ظلت لسنوات عديدة طي الكتمان، وتؤرخ بشهادة صادقة للمشهد السياسي, والاجتماعي..

ختم الطاهر محفوظي شهادته, بحكمة بالغة مأخوذة عن لسان شاعر تركيا ناظم حكمت حيث قال: إن لم أحترق أنا وأنت فمن يا ترى سينير ظلمات هذا العالـم.

*باحث مهتم




تابعونا على فيسبوك