قالت الروائية والناقدة زهور كرام, إن تكريمها بمدينة تيفلت من طرف نادي القصة القصيرة بالمغرب, سيجعلها حريصة أكثر على خدمة الثقافة والإبداع المغربيين.
موضحة في لقاء لـ "المغربية", أن هذه الالتفاتة ستعطيها قوة دفع كبيرة نحو تجديد علاقتها مع الكتابة باعتبارها مسؤولية أمام الصوت الجماعي.
وأكدت كرام أن الكتابة مثل الماء والهواء عندها, مشيرة أنها تعيش في الإبداع أقصى حالات الانخراط في التخييل, وأنها لا تستحضر البعد النقدي كوعي مباشر أثناء الكتابة الروائية، لأنها تعتبر الحضور الواعي للخطاب النقدي أثناء الإنجاز الإبداعي, حضورا قاتلا للحظة الإبداعية للنص. مادام الإبداع يقرأ من بنائه وتشكله وصنعته.
وقالت إن الواقع الثقافي لايخرج عن الواقع المغربي العام, نظرا لكون الثقافي يشخص حالات الواقع في إيجابياته أو سلبياته, مؤكدة أن الواقع الذي نعيشه بالمغرب واقع ينتج شيئا من التناقض واللبس.
1 سيجري تكريمك بعد غد السبت بتيفلت، كيف تنظرين لمثل هذه الالتفاتات ؟
ج : وجدت في الفكرة إبداعا في معنى التكريم. لقد تعودنا في ثقافة التكريم أن يجري الاحتفاء بكاتب في مرحلة متأخرة من سنه، أو بعد وفاته. وقلما يجري الالتفات إلى الكاتب في مسار تفكيره وإبداعه. ولهذا، شعرت بالدهشة وأنا أتلقى خبر التكريم من طرف العزيز المبدع هشام حراك ونادي القصة القصيرة بالمغرب. غير أنها دهشة سرعان ما تبددت ، بفعل إيماني بزمن التحولات في المفاهيم والسلوكات والمواقف, التي باتت تؤثث المشهد الثقافي المغربي. ولكوني أومن بأن ببلدنا أصوات تبدع في المبادرة، وتحقق تطورا ملحوظا للمشهد الثقافي المغربي.
يشكل هذا التكريم بالنسبة إلي حدثا استثنائيا، يعزز لدي مبدأ التشبث بالطريق الذي راهنت عليه في عالم الكتابة، ويحفزني على ضرورة التشبث بهذا الانتماء، لأني أعتبر دائما الكتابة أجمل انتماء لي. ولهذا أتعامل مع الكتابة بمسؤولية والتزام وموقف.
يحمل هدا التكريم مؤشرات عديدة أقرأها بمنطق سياق التحولات التي تحدث في المغرب الثقافي اليوم، وهي تحولات كلنا مسؤولين عنها. كما يجعلني هذا التكريم حريصة أكثر على خدمة الثقافة والإبداع المغربيين، لأنه يعطيني قوة دفع كبيرة نحو تجديد علاقتي مع الكتابة باعتبارها مسؤولية أمام الصوت الجماعي, الذي أراه يتابعني ويتابع كتاباتي وأفكاري ومواقفي، وبتكريمه لي فإنه يضعني أمام مسؤولية أكبر. لأن التكريم أراه مسؤولية, لذلك يجب أن أتعامل مع الكتابة بنوع من الالتزام والاحترام وعدم التهاون, باعتبارها في نفس الوقت مجالا تشخيصيا لتصوراتنا ورؤانا، وأيضا باعتبارها أفقا للجمال والمحبة والرقي بالذوق العام. لأنها أجمل مدخل للحضارات عبرها نخلد كشعوب معنى وجودنا.
إذا كان أصحاب المبادرة يقرأون في التكريم، تكريما لكتابتي وطريقة تفكيري، فأنا أعتبر هذا التكريم، تكريما للتفكير المغربي الذي لا يعيش الثبات في المفاهيم، ولكنه تفكير يسعى إلى الإبداع في الأفكار, التي تأتي جميلة وأنيقة مع الاحتضان والتنسيق. وفي هذا الإطار أشيد بالأستاذ والناقد المحترم عبد الحميد عقار, باعتباره رئيس اتحاد كتاب المغرب, الذي مند توليه رئاسة الاتحاد, وجدناه يحتضن كل الأفكار المقترحة, ويدفع بها نحو التحقق، وهو بهذا يمنح للاتحاد أفقا جديدا ومساحة أوسع عبر التفاعل مع المبادرات والأفكار الأخرى.
كما أنه تكريم لمدينة تيفلت الحاضنة للقاء التكريم، والتي تعبر بهذا الاحتضان عن أهمية هذه المدن في الدفع بالإبداع المغربي، وتمكينه من مناخ يستنشق من خلاله الهواء المنعش. تحية إلى تيفلت التي منحت للثقافي والإبداعي شأنا تنمويا، والثقافة تبقى مدخلا مهما للتنمية الاجتماعية والفكرية والذهنية. فتحية إلى هذه المدينة ومن خلالها إلى جمعياتها الثقافية ومسؤوليها وإلى فضائها الذي سيحتضن مسار إبداعي, وتحية إكبار إلى نادي القصة القصيرة بالمغرب على إنتاجه لمعنى جديد للتكريم.
2 هل تعتقدين أن المبدع المغربي، في حاجة إلى مثل هذه الوقفات للتأمل والاعتراف بحضوره في الساحة الثقافية؟
عندما نستقبل إنسانا بابتسامة نمنحه تجديدا لحياته ويومه. كل إنسان في حاجة إلى أن نمنحه الثقة لكي يستمر، ليعطي أكثر ويشعر بأن صوته يسمع. والمبدع المغربي في حاجة إلى مثل هذه الوقفات, التي تجعله يستمر. أكيد الاعتراف لا يمنحه إلا شكل حضور المبدع، وكتابته التي تجعل منه إما صوتا له شرعية التداول أو العكس. ولكن التكريم, هو محطة مهمة في مسار الكاتب لأنها تقدم له دعما معنويا مهما. أنا مع مثل هذه الوقفات, التي تجعل الروح تنتعش. وكثير من الكتاب والكاتبات المغربيات في حاجة إلى وقفات للنظر في مسار إبداعهم. ولو جرى التنسيق بين الجمعيات والمؤسسات الثقافية وجعل المدن والقرى المغربية تحتضن الكتاب من خلال الاحتفاء بهم وبكتاباتهم, لأمكننا فك الحصار على النصوص المغربية التي تظل حبيسة ما يسمى بالمركز الثقافي في المدن الكبرى. مثل هذا التكريم يمكن تطويره وجعله إجراء ثقافيا وتنمويا يخدم من جهة الكتابة المغربية ومعها الكاتب، ومن جهة ثانية يخدم المدن والقرى المغربية من حيث جعل الكتاب المغربي من تقاليد التنمية.
3_ تجمع زهور كرام بين الكتابة الروائية والنقدية، فأين تجدين ذاتك أكثر؟
أعيش حالة تعايش بين التعبير الإبداعي والنقدي. لم أشعر يوما أن جانبا يأخذني من الآخر. هناك علاقة حوار تتم بين الجانبين وفي حوارهما ببعضهما ، أتشكل أنا. كل جانب يخدم الجانب الآخر ويضيئه، ولا يعمل على إقصائه أو إفشال منطقه. في الإبداع أعيش أقصى حالات الانخراط في التخييل، وهي حالة تعلمني السفر مع اللغة في عوالم التخييل، عوالم الدهشة حيث أكون بصيغة أخرى وفي زمن آخر وبوجود غير مألوف يجعلني عندما أخرج من الحالة أطمح لو أستطيع العودة إليها مرة أخرى. أما النقد فإنه ممارسة للتفكير الذي يعني بدوره رؤية ومفاهيم واستراتيجية. لا أميز بينهما. ولا أفضل أي منهما عن الآخر. في التقائهما في شخصيتي أعيش حالة إبداع وتفكير مستمر.
4 _هل هناك حدود فاصلة بين الكتابة الروائية والنقد؟ هل تتدخل سلطة النقد في فعل الإبداع لدى زهور كرام؟
أكيد هناك حدود فاصلة بين الإنجاز الروائي باعتباره إنجازا لغويا تخييليا، وبين النقد باعتباره إنجازا في القراءة والتفكير يجري عبر مفاهيم ومصطلحات ونظريات في القراءة. إنجازان تعبيريان مختلفان، في اللغة والبناء والمنطق. لكنهما يلتقيان في الموضوع الأدبي. وفي هذا الالتقاء يحدث التعايش والتداخل من منطلق كون كل إنجاز يساهم في دعم الإنجاز الآخر بشكل ضمني وغير مباشر. ولا يمكن أن نفكر في لحظة إنجاز نقدي أو إبداعي بدون استحضار البعد الآخر في تجربة الكتابة بشكل عام. غير أن الملاحظ في علاقتي بالإنجازين, أني لا أستحضر البعد النقدي كوعي مباشر أثناء الكتابة الروائية، ولا أفكر في بناء النص الروائي أو القصصي وأنا أنخرط في اللحظة التخييلية. لأني أعتبر الحضور الواعي للخطاب النقدي أثناء الإنجاز الإبداعي حضورا قاتلا للحظة الإبداعية للنص.
مادام الإبداع يقرأ من بنائه وتشكله وصنعته. وهو مستوى دلالي يعبر عما لا يستطيع المضمون المباشر أن يعبر عنه. غير أنه بناء لا ينبغي التفكير فيه بمنطق النقد زمن إبداعه. لهذا لا أستحضرني كناقدة عندما أكتب الإبداع، ليس فقط بفعل وعيي بالحدود الفاصلة بين الخطابين، ولكن أيضا لكوني أدخل لحظة الإبداع وفق الحالة التي تجعلني أعيش زمنا غير مفكر فيه، وغير معقلن . غير أني لا أنكر أن ممارستي للنقد تدخل زمن الكتابة كوعي ضمني غير مباشر. وهي مسألة طبيعية بحكم أن كل ما يؤثثنا ويؤثث ذهنيتنا وعقلنا الواعي والباطني تدخل زمن الإنجاز الإبداعي، ولكن بشكل غير مفكر فيه. أكيد إن المعرفة النقدية تفعل في بناء النص، وتدخل باعتبارها خلفية ثقافية وليست مرجعية. والإبداع أيضا يطور علاقتي بالنقد لكوني لا أقرأ النص عند مقاربته بشكل مادي صارم، بقدر ما أقرأ النص بلغة المتعة الإبداعية، و أشعر أن كتابة الرواية تساعدني في الاقتراب أكثر من لغة النصوص المقروءة.
هناك إذن استفادة من الجانبين، وفي هذا إغناء لتجربة الكتابة الروائية والنقدية. في التعدد رحمة، وفي الحوار نعمة، ويبقى الإنسان هو المستفيد الأول من هذا الغنى الذي يعمق رغبتنا في الحياة والوجود.
5 _ متى تكتب زهور كرام؟
الكتابة مثل الماء والهواء عندي. يعني عنصر شديد الأهمية في حياتي. لا أتعامل معها على أساس أنها حالة ثانوية أعيشها كلما فاض يومي بالتعب، ولكن أحياها وأعيشها كحالة وجودية. لهذا فأنا أكتب باستمرار. ليس لي وقت معين أو طقوس معينة. الكتابة وجه من أوجه حياتي كما الورد والعطر والحب والموسيقى الروحية، إنها أشياء ضرورية في يومي ووجودي، وفي تداخل كل هده المكونات أتشكل. الكتابة هي انتمائي. والانتماء هو خيار وجودي يصبح موقفا من الوجود نفسه.
6_ كيف تنظرين لواقع الثقافة والمثقف المغربي اليوم؟
لا يخرج الواقع الثقافي عن الواقع المغربي العام. نظرا لكون الثقافي يشخص حالات الواقع في إيجابياته أو سلبياته. والواقع الذي نعيشه بالمغرب واقع ينتج شيئا من التناقض واللبس. أحيانا ننتصر لقيم التجاوز لإكراهات سنوات ماضية، ونعلن بموجب بعض المؤشرات على أننا دخلنا مرحلة تجريب الديمقراطية، والرفع من شأن احترام الفرد، وأننا بدأنا ننشد التفكير الحر، ونحلم باستراتيجية سياسية واقتصادية واجتماعية نفتخر أننا ننتمي إلى زمن التفكير في أجرأتها، لكن مرات عديدة يتلاشى الحلم ونقف عند عتبة التساؤل عن الوضع الحقيقي الذي نعيشه. ونصاب أحيانا بقهر المرارة التي أصبحت حزب الأكثرية.
الثقافي في حاجة إلى مناخ مرن يسمح بإنتاج الأسئلة الحرة والمختلفة والمشاغبة. مناخ يعلي من شأن السؤال وحرية المبادرة. ونحن نلمس حضورا مهما لفعل المثقف والمبدع كطاقة فردية تسعى إلى خلق جو ثقافي، ونلمس حضورا مغربيا مهما على مستوى المبادرات الفردية والتكتلات الثقافية سواء داخل الجامعة أو خارجها وهي إطارات تعمل على ضخ الدم في هذا الواقع بالحلم والأمل والمبادرة. ولكنه واقع فيما هو يحلم بإبداعية الفعل، فيما هو يصطدم بهذا التناقض الذي أصبح مظهرا من مظاهر الواقع المغربي. يبقى أن الثقافي في حاجة إلى أفق لكي يختبر إمكانياته. ويبقى الإصرار على جعل الثقافي وجهنا كأكبر تحد في ظل شرط هذا التناقض.