بحضور باحثين في تحليل الخطابات من حقول معرفية مختلفة ، وحضور عدد من الفاعلين النقابيين بالمغرب ، انعقد اللقاء الذي نظمه ماستر الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب وماستر الإشهار والتواصل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء .
جامعة الحسن الثاني /المحمدية ، يوم الجمعة 23 ماي2008 بقاعة المحاضرات في موضوع "الرؤية الاجتماعية والسياسية في الخطاب النقابي : نموذج خطابات فاتح ماي"، الذي يأتي في سياق دور الجامعة والمعرفة في كل مكونات النسيج الثقافي، ومن أجل تقديم رؤية الباحث والأكاديمي حول الخطابات المشكلة لدينامية هذا النسيج المتعدد ..
ترأس هذا اللقاء شعيب حليفي الذي قدم له بورقة تؤكد على انفتاح الجامعة، من خلال الباحثين في الدراسات العليا والدكتوراه على خطابات المجتمع. وقال :"إن انشغالنا الأساسي هو تحليل وتفكيك الخطابات وفهم طرق اشتغالها ، ودرجات القصدية والعفوية فيها ثم سبل التأويل الممكنة .
قارب عبد الرحمان غانمي (كلمة) فاتح ماي الكونفدرالية الديمقراطية للشغل(ك.د.ش) التي ألقاها الكاتب العام نوبير الأموي ،حيث تطرق في البداية إلى (الكلمة) بشكل عام واعتبرها مادة لافتة لاستكشاف آليات سوسيولوجيا الخطاب لغويا وايديولوجيا وفكريا، كما أشار إلى أنها تؤرخ لمرحلة أخرى من تاريخ المغرب ارتباطا بدور ك.د.ش كأهم المركزيات النقابية بالمغرب وقيمة العمل النقابي في ظروف وشروط صعبة .
ومن أبرز الخلاصات التي توصل إليها عبد الرحمان غانمي في مقاربته لسوسيولوجيا الخطاب، أن (كلمة) محمد نوبير الأموي تتضمن أطروحة فكرية ورؤيوية مسنودة بوضوح إيديولوجي، من حيث المنطلقات والمرجعيات السوسيولوجية، وأفقها، لذلك فإن بنية الخطاب تتضمن قصدية غير ملتبسة في مخاطبة مرسل إليه متعدد الانتماءات الثقافية والاجتماعية والمهنية، والسوسيولوجية في مختلف علاقاتها الفردية والجماعية، وهو ما تترتب عنه مستويات في الإدراك والتقبل وتحشيد الوعي، ونقل سوسيولوجية الخطاب من بنية نقابية صرفة لطائفة بذاتها، بالمعنى السياسي والنقابي (الانتماء الضيق) وليس المقصود بمفهوم الطائفة الجانب العرقي والإثني، إلى سيوسيولوجية تتصادى بشكل أعمق مع المجتمع والدولة وباقي المؤسسات غير الرسمية، مع ما تزخر به من تناقضات معقدة، ومن هذا المنظور فإن الإعلان عن مقرر الانسحاب في (الكلمة) وكذا الإضراب العام، هو خطاب نقابي وسياسي، وفي محتواه له أبعاد سوسيولوجية، بصرف النظر عن الموقف من المقررين من قبل مختلف الفاعلين، من هنا يمكن التقاط مدى الحراك السوسيولوجي والإعلامي والسياسي والنقابي، الذي جرى عقب ذلك.
وإذا كانت بنية الخطاب لـ : (الكلمة) تعبر عن فئات متنوعة سوسيولوجيا وتتوجه إلى شرائح أيضا متباينة سوسيولوجيا، فإنها كثيرا ما تتضمن استعمالات لغوية عديدة لإسناد ذات الأطروحة التي يتمحور حولها الخطاب عبر استشهادات دالة (آيات قرآنية – أبيات شعرية – أحداث معينة ) هذا إلى جانب المتح من الدارجة المغربية عبر تعابير منحوتة في الذاكرة المغربية، وقد تكون صادمة وعنيفة ومشبعة بالدلالات، وهي التعابير التي قد تنتزع من سياقاتها من قبل بعض الإعلاميين وغيرهم للاستغلال السياسي والإثارة وغير ذلك، وبذلك فإنها من الزاوية السوسيولوجية تحول هذه الخطابات إلى سلعة تبادلية، منزوعة من سياقاتها السوسيولوجية، وكذا القصدية من توظيفها في (كلمات) في مناسبات أخرى عديدة، أي أنها تشكل بنية أساسية في تمثل البعد السوسيولوجي الذي يتجه إلى الحفر من الواقع الاجتماعي ولغاته، خصوصا وأن الموضوع يتعلق بالطبقة العاملة، التي لها خطابها الخاص، هذا إلى جانب جحيم الواقع الذي لا يمكن تشخيصه إلا من خلال استنفار لغة حية وألفاظ لها ديناميتها سوسيولوجيا، تتجاوز التوصيف السوسيولوجي والإثنوغرافي السطحي، والعرض الاستعراضي، إلى الغوص في العلاقات الاجتماعية بكل بنياتها وعلاقاتها المعقدة، خصوصا عندما تقف كل اللغات والتعابير عن التقاط البشاعة الموجودة في الواقع، كما يرى جون بول سارتر، وبذلك فإن العودة إلى سوسيولوجية المخزون الثقافي والذاكرة اللغوية يأتي في إطار رؤية تحكم استراتيجية الخطاب الكونفدرالي وأهدافه.
في المداخلة التي تقدم بها جمال بندحمان حول " خطاب الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب: تعايش المرجعيات أم التباسها؟" قارب الخطاب النقابي انطلاقا من مقدمة وفرضيات طرح خلالها بأن الحديث عن الخطاب النقابي يتطلب استحضار سياقه العام المقترن بالمسار الذي عرفه المغرب منذ الفترة الاستعمارية، أي منذ اللحظات الأولى لتأسيس الخطاب النقابي المغربي مع الكونفدرالية العامة للشغل( السي جي تي الفرنسية ) والذي تولدت عنه مفاهيم تحيل على مرجعية محددة هي أكثر اقترانا بخطاب يساري. وفي مقابل هذا الخطاب النقابي ستظهر ملامح تصورات نظرية مخالفة تدعو إلى تأصيل العمل النقابي وإيجاد تعليلات تنطلق من التقاليد العريقة ومن المبادئ الإسلامية. بحسب ما أكده مؤسسو الاتحاد الوطني للشغل سنة 1973 والذي اقترن ظهوره بالإشكالات التي طبعت وتطبع المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية العربية، أي بتلك المانوية الفكرية التي كثيرا ما قيدت مسار الفكر العربي والتي تلخصها ثنائية الأصالة والمعاصرة.
المحطة الثانية من مداخلة جمال توقف خلالها عند الشعارات النقابية، فعندما يردد الخطاب النقابي شعارات ما، فإن حدود الاعتباطية لديه تكون ضيقة، ذلك أن الاختيارات المفاهيمية هي اختيارات تعكس طبيعة الانتماء، بل إن الشعارات باعتبارها آلية من آليات التعبئة تسمح بالبحث عن المقاصد المضمرة في الخطابات، إذ تجري صياغتها وفقا لما ينسجم والإطار العام المهيكل للعمل النقابي، فتحضر التوازيات اللغوية، والإحالات المرجعية، والقوة الإيحائية.
وقد جاءت هذه الاستنتاجات مرفقة بتحليلات لبعض الشعارات من حيث المحتوى المرتبط بالبعد الاستراتيجي لعمل النقابة، ومجال مرتبط بحالات طارئة.
محور آخر عالجه الباحث في تدخله، وهو تجاور المفاهيم، ذلك أن ما يميز خطاب فاتح ماي لنقابة الاتحاد الوطني للشغل هو كثرة المفاهيم الموظفة، إذ نجد حقولا دلالية واسعة تجمع بين الحقوقي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي.
ثم تدخل بعد ذلك محمد خفيفي في موضوع "خطاب فاتح ماي للاتحاد المغربي للشغل" منطلقا من القول بأن ما يميز خطاب هذه السنة هو سياقه الوطني غير العادي الناتج عن فشل الحوار الاجتماعي بعد سلسلة من الاجتماعات بين الحكومة والمركزيات النقابية انتهت بالفشل بعدما قدمته الحكومة من مقترحات لم ترق إلى تطلعات العمال، وفي ظل احتقان اجتماعي ناجم عن الزيادات المتوالية في الأسعار والخدمات التي دفعت بعموم الفئات الشعبية إلى احتجاجات عرفت تصعيدا في مناطق من المغرب بالإضافة إلى كشف محرقة لساسفة عن عبث الباطرونا بأرواح العمال، ولا مبالاتها بالأوضاع الطبقة العاملة المغربية .
بعد تحديده لسياق الخطاب انتقل خفيفي في ورقته إلى الحديث عن كلمة الاتحاد المغربي للشغل والتي جاءت تحت شعار الدفاع عن القدرة الشرائية للمأجورين وعموم الفئات الشعبية مشيرا إلى إثارتها لسؤال التحديات التي تواجه المغرب داخليا وخارجيا من قبيل الأوضاع المتدهورة للطبقة العاملة بسبب ضرب القدرة الشرائية والتضييق على الحريات النقابية، وكذا مشكل الوحدة الترابية وأكد أن كلمة المحجوب بن الصديق تقترح لمواجهة هذه التحديات الاهتمام بالتنظيم النقابي وتكوين أجيال جديدة من المناضلين.
وقدم إدريس قصوري مداخلة بعنوان "البنية الاستشارية والقوة الإنجازية" في وثائق فاتح ماي الخاص بالاتحاد العام للشغالين بالمغرب وقد جاءت ورقته في شكل تحليل يستند إلى نظرية تحليل الخطاب لفان ديك التي تهتم بتحليل الخطاب الاجتماعي الإدراكي في جانبه الأيديولوجي والسياسي والإعلامي، وفي إطار منهج تكاملي يجمع بين مستويات عديدة، موضحا في استهلال نظري مهد به عرضه أن أي تحديد للخطاب لابد من أن ينطلق من محددين أساسيين هما: الوعي بتعدد الخطابات والوعي بتعدد نظريات ومنهجيات تحليل الخطاب.
في مستوى ثان قدم قصوري جملة من الملاحظات النقدية الذكية حول نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب من خلال كلمة فاتح ماي، مثل اختزال حقوق الشغيلة في كلمة واحدة، وميل الكلمة الواضح إلى تبرير ذمة الحكومة من أزمة مواقع الشغيلة المغربية باستحضارها لإكراهات المحيط الدولي، وكذا بتحميلها جزء من المسؤولية للشغيلة، كما أكد على أن كلمة الاتحاد العام تفصح عن ارتباط في اللغة وعدم وضوح المقصد وهو نفسه ما يعبر عن تناقضات صارخة في متن الكلمة.
بعد هذه المداخلات التي تناولت بيانات فاتح ماي للمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية للمشهد النقابي بالمغرب،و بعد تعذر حضور الأستاذ الباحث الذي كان من المنتظر تقديم ورقته حول الخطاب النقابي للفيدرالية الديمقراطية للشغل، جاءت كلمة النقابيين مؤكدة على أهمية مثل هذه الندوات العلمية الكفيلة بمد الشأن النقابي بنفس جديد والمساهمة في الدفع به إلى الأمام بمواقفها والياتها ومقترحاتها ، وأكثر من ذلك اعتبارهم الجامعة مدرسة للمناضلين النقابيين ، وفي سياق تبادل المعارف أكد محمد عطيف عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل على ضرورة الربط بين الحقوق العمالية وإشكالية الديمقراطية في المغرب، وهو ما دفعه للقول بأن الخطاب النقابي بالإضافة لخصوصياته النضالية الحقوقية هو خطاب حامل وممثل لموقف سياسي، وفي هذا الصدد أشار إلى أن الانسحاب الذي سجله أعضاء الكونفدرالية من مجلس المستشارين يعتبر موقفا سياسيا واضحا وصريحا في الإعلان، على أن ما يشغل الكنفدرالي ليس الدفاع عن القدرة الشرائية للعامل فحسب، وإنما مشكل ديمقراطية المغرب.
وعن النقابة نفسها أشار أحمد أخميس إلى أن هذا اللقاء يعد دليلا على أن المغرب يسير في طريق التقدم، وأكد على أنه ما كان لمثل هذه اللقاءات أن تنعقد في مؤسسات عمومية وتناقش بحرية لولا تضحيات مناضلين قدموها هبة في درب نضالهم في سبيل الحق في الحريات والمشاركة، منتقلا بلغة واضحة وصريحة إلى المصادقة على ما جاء على لسان محمد عطيف مؤكداً أن أم الإشكالات في مغرب اليوم تكمن في مطلب الديمقراطية، منتهيا إلى أن خطاب ك.د.ش منذ تأسيسها إلى اليوم خطاب سياسي اجتماعي ينجلي واضحا في أكثر من محطة نضالية للنقابة، ودلل على كلامه بقوله إن محاكمة الأموي سنة 92 لم تكن بسبب تصريحه لجريدة الباييس الاسبانية ، بقدر ما كانت راجعة إلى موقفه السياسي النقابي الصريح، وهو نفسه الموقف الذي تسجله الكونفدرالية ، يفضح الفساد والمفسدين .
ودعا محمد لشكر عن الفيدرالية الديمقراطية للشغل إلى استمرار مثل هذه اللقاءات التي تساهم في نسج العلاقة التواصلية بين النقابي والجامعي.
كما تقدم مسؤول نقابي عن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بكلمة أكد من خلالها ضرورة مراعاة الأكاديمي للشرط الموضوعي في تناول مثل هذه الخطابات معتبرا أن الباحث الجامعي فوق مستوى الوقوع في منزلق ذاتية تكشف انحيازه.
وتلت هذه المداخلة مناقشات أخرى لباحثين وأساتذة طرحت جملة من التساؤلات شكلت مقترحا لجلسات علمية أخرى حول الخطاب النقابي والشأن الاجتماعي.
*باحث في الأدب والثقافة بالمغرب